القطبية الكونية في المستقبل – بقلم: د محمد علي الحلبي

1- تقسيم ألمانيا.
2- شرق أوروبا والبلقان للاتحاد السوفيتي عدا اليونان.
3- إجراء انتخابات في بولونيا تقرر مصير تبعيتها لأي المعسكرين.
وفور قراءتها هزّ ستالين رأسه بالموافقة،وبتقديم الورقة وإيماءة الرأس تمّ تقسيم العالم،وتوزع النفوذ،وفي اجتماع ثلاثي بعد انضمام روزفلت وافق الجميع على المقترحات،وكما هو مقرر جرت انتخابات في بولونيا جيّرها،وجيّر نتائجها ستالين ليضمها لمناطق نفوذ الاتحاد السوفيتي،وهكذا تعززت العالمية الجديدة بقطبيتها وتأثيرها في الأحداث العالمية،وبقي في القرن الماضي القطبان السوفيتي والأمريكي،وفي صراعهما من أجل المصالح تعددت الاختلافات والنزاعات،وحتى الحروب لتبدأ فكرة- الحروب بالوكالة- حاربت فيها شعوب وبلدان بدلا عن القطبين وبتحريض منهما بغرض توسيع نفوذهما , فكانت حروب شرق آسيا في فيتنام وكوريا – التي بقيت حتى اليوم مقسمة بين شمال وجنوب – ،وكمبوديا أيضاً،والشرق الأوسط شملته الحروب،وكذلك القارة الإفريقية،ولم تسلم أمريكا الجنوبية من ذلك وإن كانت بنسبة أقل تماشياً مع إعلان الرئيس الأمريكي«جيمس مونرو»مبدأه عام 1823 – أمريكا للأمريكيين – ،ومعارضة الولايات المتحدة لأي تدخل أوروبي في شؤون الأمريكيتين.
على نفس النهج سارت بريطانيا وفرنسا مطلع القرن الماضي،فأبرمتا معاهدة- سايكس بيكو-التي جزأت الوطن العربي،واستعمرتا العديد من كياناته الجديدة…..دورة تاريخية ثنائية القطبية عاشتها شعوب العالم،لكن وفي عام 1991 وخلال حكم الرئيس«بوريس يلتسين»انهار الاتحاد السوفيتي بفعل عوامل متراكمة،وتفكك إلى15دولة مستقلة….ذلك حوّل العالم الذي عانى من ثنائية القطبين إلى القطب الأحادي،وهي الولايات المتحدة مما أصاب القيادة الأمريكية بالصلف والغرور،فتعنتت وتشددت في مفاهيمها التي طرحتها لاسيما حول الإرهاب،لكن أحداث11سبتمبر2001كشفت فشل العقيدة الأمية القائمة فكانت الاستراتيجية الأمريكية التي أعلنت في10أيلول2002، و انطوت على نص صريح يقول (إن القيم الأمريكية السياسية قد باتت قيماً كونية،ولهذا يجب أن تنتقل إلى المجتمعات،والأنظمة السياسية) ،وتضمنت أيضا مفهوم الحرب الاستباقية المفتوحة الزمن والمدة , فارضة على العالم مفهوماً خاصاً بالإرهاب….مفهوماً عالمياً ووحيداً معتبرة أية معارضة داخلية،أو خارجية لسياساتها إرهاب ومعاداة للحضارة والإنسانية،واستثنت من ذلك إرهاب إسرائيل بحق الفلسطينيين،وأتاحت لنفسها أن لا تقيم للحرب على الإرهاب أي اعتباراً لمبدأ وسيادة،وسلامة أراضي الغير،فكان احتلال العراق جزءاً من هذه الاستراتيجية،وقد سبق ذلك احتلال أفغانستان،وفي الشرق الأوسط،ولتحقيق غاياتها وتنفيذ استراتيجيتها عمدت إلى محاولات تفكيك جديد لدول المنطقة المفككة ،فانطلقت البداية من السودان،والحراك في هذا المجال مازال مستمراً،ومع ارتفاع حدّة الغرور زمن الرئيس بوش الابن أصدر البيت الأبيض في عام2006وتحديداً في15آذار وثيقة استراتيجية الأمن الأمريكي اعتماداً على مبدأ أن الولايات المتحدة في حالة حرب لهزيمة الإرهاب دولا ً،ومجموعات،وأفراداً،كما وهدفت إلى نشر الديمقراطية وفيها حددت نوعية الدين الذي تحاربه بالإسلام الراديكالي الذي يسوغ القتل وفق المفهوم الأمريكي مدّعية أنها حرب أفكار لا حرب أديان،ولم يطل الزمن،وتلاحقت الهزائم الواحدة تلو الأخرى بهذه الاستراتيجية فكان الفشل الكبير لها في العراق،ومن ثم الانسحاب منه بعد أن خلفت فيه إرثاً كبيراً في القتل،والتشريد،والنزوح،وبث الفتن الداخلية،وأطلقت يدّ دول الجوار تعبث بأركانه،كما وتتركز حالياً أحاديث العديد من الباحثين حول ذات الخيبة في أفغانستان،ومحاولات الهرب والانسحاب منه،فخسائرها المادية والبشرية راحت تتعاظم بشكل مستمر،ولا حل لها إلا بأن تجرّ أذيال نكساتها،وخروجها من هذا البلد بعد أن دمرت العديد من أركانه الاقتصادية تاركة وراءها وكعادتها زمرة من العملاء والأزلام.
علمنا منطق الحياة المدّعم بثوابت التاريخ أن لكل شيء ثمنا ، فالخير يتعاظم ثمنه ليصبح مجموعاً متراكماً في الخيور،والفضائل،والقيم الإنسانية،كما وأن العكس ينعكس رذائل،ونكبات،وضياع.
لقد سددت هذه السياسات التي استمرت طوال ما يقارب القرن الثمن منذ أن انطلقت أوزارها المشؤومة من شرق آسيا إلى الشرق الأوسط،وإفريقيا،وحتى إلى أمريكا الجنوبية،فكان حصادها مراً،وأشد مرارة من العلقم،فبالإضافة إلى أعداد كبيرة من الجنود القتلى والدمار والمآسي مقابلها راح الاقتصاد الأمريكي يعاني من ويلات الإنفاق الكبير على هذه الحروب،وتنامت عجوز الموازنة الاتحادية من خلال رفع سقف المديونية من حين لآخر،وبيع سندات على الخزينة الأمريكية اشترتها دول تناغمت مصالحها مع ذلك،فكانت الصين في مقدمة الشراة حفاظاً على قيمة احتياطها من الدولار,وخوفاً من تدهور قيمته،كما بيعت السندات إلى دول أخرى كاليابان،ودول النفط ومنها الأقطار العربية إضافة إلى الصناديق الاجتماعية الأمريكية المحلية كصندوقي الضمان الصحي والتقاعد،وآخر أرقام العجز وبرأي الخبراء الماليين تجاوزت18تريليون دولار أي18000مليار،وميزانها التجاري تآلف أيضاً مع العجز الدائم،فصادراتها أقل من مستورداتها،ولم يعد لها من موارد إلا في السيطرة على نفط دول العالم الضعيفة،أو العميلة أنظمتها،وجني الأرباح تحت مسميات عدة….الاكتشاف،الاستثمار،وأرباح البيع، ،و مازالت هناك تدفقات لموجات مالية عن طريق بيع السلاح لدول تثار فيها الخلافات،وأحياناً الحروب لهذه الغاية،وفي كثير من الحالات يكون البيع إلزامياً لدول غنية وخاصة النفطية منها بغرض تخزينه ليصبح على مرّ الزمن في خانة البلى والعدم بانتظار شراء صرعة جديدة مبتكرة،وهكذا يبقى الرفد متواصلا ًللخزانة الأمريكية.
من كل هذه الظروف….إنفاق كبير خاصة في الحروب الأخيرة،ودخل يتضاءل،وإفلاس لابد وأن يُعلن عنه في يوم ما،وربما على المدى المتوسط….خففت الإدارة الأمريكية من لهجتها الاستراتيجية،ومن صلفها وغرورها فكانت الاستراتيجية الجديدة التي أعلنها الرئيس الأمريكي ” أوباما “مطلع العام الحالي في6/1/2012والمتركزة في محاور رئيسية ثلاثة:
1- تقليص عدد القوات الأمريكية.
2- خفض الإنفاق الدفاعي مع الحفاظ على التفوق النوعي.
3- التركيز على منطقة المحيط الهادي لتفادي قوة الصين مع إيلاء أهمية لمنطقة الشرق الأوسط،وآسيا.
وفي الإجراءات المباشرة لتنفيذ هذه الاستراتيجية تقرر خفض الإنفاق العسكري مبلغ487مليار دولار خلال عشر سنوات،وتقليص الإنفاق على البرامج الصحية قرابة364مليار دولار،وخلال عشر سنوات أيضاً،وتحصيل206مليارات دولار إيرادات ضريبية جديدة على أرباح الشركات الكبرى،ورغم كل هذه الإجراءات القاسية فستبقى نسبة البطالة فوق6%إلى غاية2017،والكل لم ينس الأزمة المالية التي أصابت الأسواق الأمريكية،وإفلاسات البنوك والشركات التي نجمت عنها،وانعكاسها على الأزمات المالية لدول الاتحاد الأوروبي،والارتكاسات التي هزت البنيان الاقتصادي لبعضها…..إسبانيا،إيطاليا،والبرتغال،وحتى اقتراب البعض منها مرحلة الإفلاس (اليونان) ومع كل هذه التبعات مازال الإصرار الوهمي النظري يتركز حول نقطتين رئيسيتين:
1- احتواء القطب الجديد المتنامي-الصين-.
2- استغلال نفط الشرق الأوسط،ونفط دول وسط آسيا.
وفي المقابل،فالتصدي الروسي لمحاولات أمريكا ضمّ جورجيا الواقعة على البحر الأسود إلى مناطق نفوذها لمعرفتها بأهميتها الجيوسياسية والاقتصادية لروسيا في منطقة القوقاز،وفشلها مما عزز الفرصة لروسيا لاستعادة هيبتها ومكانتها على الساحة الدولية،والإستراتيجية الاقتصادية الروسية لم تغفل العمل في مجالات التنمية رغم أن ارتفاع أسعار النفط والغاز عالمياً زاد من مداخيلها بشكل ملحوظ،وراحت خطوط الغاز الروسي تمتد إلى أوروبا الغربية،وإلى جنوب آسيا،وهناك إصرار من الحكومة على اقتباس،بل تطوير فكرة وادي السيلكون الأمريكية،فنائب رئيس قسم استراتيجية الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية في وزارة الاقتصاد والتجارة«الكسندر اوستينوف»تحدث عن مشروع يقوم على استحداث نوعين من المناطق المتقدمة للإنتاج الصناعي،وتطبيق المستحدثات والتكنولوجيات في إنتاج السلع،وقد خصص لمناطق النوع الأول مساحة قدرها10كم مربع،وعقود الإنتاج التي ستُبرم مع المنتجين يجب ألا تقل عن مليون يورو،وخلال عشر سنوات أن لا تقل عن10ملايين يورو،أما المنطقة الثانية لتطبيق التقنيات فمساحتها2كم مربع للبحوث العلمية،وقد قدمت الحوافز والإغراءات المتعددة للراغبين في الاستثمار،وحتى العاملين فيها لن تضايقهم أجهزة جباية الضرائب لأنها مخفضة وميسّرة،وتوجت المشاريع العديدة بإقرار الرئيس«بوتين»لفكرة علماء(البلدة الأكاديمية)قرب«نوفو سيبرسك»وفي محاولات جادة لعودة القطبية الروسية بديلا ًللقطبية السوفيتية هناك إصرار على تعزيز القدرات العسكرية،ومن أجل ذلك ” كتب الرئيس«بوتين»في صحيفة (الأرض الروسية) قائلا ً:خلال العقد القادم سيُجهز أكثر من400صاروخ باليستي حديث متعدد الأغراض،و8غواصات صاروخية استراتيجية،وحوالي20غواصة متنوعة الغايات،وأكثر من600طائرة قتالية،ومنظومتان صاروخيتان مضادة للجو،ونحو100جهاز فضائي للأغراض العسكرية،وما يزيد عن ألف من المروحيات،وأكثر من2300دبابة”.
المرجع: دراسة للدكتور يوسف مكي نُشرت في التجديد العربي
نحن أمام واقع يحاول فيه القطب الأمريكي المتهاوي استعادة مكانته التي راح يفقد بعضاً منها في السنين الأخيرة،والقطب القديم الثاني راح يبذل جهوداً قوية كما تُظهر الدراسات لاستعادة مكانته عالمياً،وكما وأن مجرى التعاون بين القطب الصاعد(الصين) وروسيا يأخذ حيزاً من الاهتمام في إطار(منظمة شنغهاي للتعاون)التي أنشئت عام2001وتضم كلا ًمن الصين،روسيا،كازاخستان،قرغيزيا،أوزباكستان،وطاجاكستان،وأحد مؤشرات التعاون يشير إليه مدير مركز«المازانتي»في حديثه لوكالة نوفوستي ” سنزود الصين استناداً لعقد مبرم ب 15بطارية كل منها مزودة بأربعة صواريخ إس300التي يمكنها أن تعترض الصواريخ البالستية،وأن تسقط الطائرات على بعد150كم وارتفاع يصل إلى27كم ” , ويجب أن لا نغفل هنا القطب الآسيوي الموعود وهو الهند،وفي القارة الأمريكية نظيرها القطب البرازيلي .
بعد كل هذه المعلومات، فنحن أمام دول تتعاظم قواها الاقتصادية والعسكرية، المنعكسة إيجاباً على بنيتها الاجتماعية، ودول تتراجع وتحاول، وربما عبثاً العودة إلى قوتها،وكل الظروف المحيطة بها تُظهر العكس….ذلك يعني أن عودةً للحرب الباردة ستتبدى لا بين القطبين كما كانت سابقاً،بل بين أقطاب مازالت في مرحلة توازن للقوى واندفاع لزيادة معدلاتها،فعالم المستقبل سيشهد حالات من السكون الظاهر بينما تفاعلات عميقة تتراكم في سبيل تعزيز المصالح والهيمنة،لكن موعد انفجار هذه التفاعلات مرهون بعوامل عدة يدخل الزمن فيها والإرادات البناءة القادرة على تحويل الموازين لصالحها،وربما وقتها سيكون الانفجار أقوى مما عهدناه،أو قرأنا عنه،وفي هذه الحالة فالحس الوطني لكل شعب يريد الحفاظ على بقائه اعتماد خطط البناء الاقتصادي،العسكري،والاجتماعي،والعمل بسياسة الحياد الإيجابي القديمة المعتمدة في ستينيات القرن الماضي ، في اعتماد الوقوف على بعد واحد من هذه القوى،وعدم الانجرار وراءها مهما كانت الأسباب…..ذلك لا يعني نسيان قول الصدق والمنطق،واعتماد حقوق الشعوب لتأكيد معنى الإيجابية.
أما عن واقعنا العربي،فبالإضافة إلى سياسة الحياد الإيجابي،والبعد عن الانضواء تحت الجناحات التي ستخيم على العالم،فالظروف الحالية مواتية لتعزيز أشكال الوحدة القطرية والإقليمية وصولا للوحدة الشاملة للشعب الغربي الواحد , رداً ومحاربةً لما يُبيّت من مشاريع تقسيمية جديدة تحت عناوين تجاوزتها شعوب العالم المتقدم،ولننتبه بأن العقيدة الفكرية للأغلبية، الإسلام مستهدف بكل مكوناته ومبادئه،
في الوحدة بناء أقوى ،وأشد صلابة ،وأقوى منعة لمستجدات الأيام القادمة .
المواقف الدولية المتباينة في المنظمات الدولية خير دليل و مؤشر على أن السكون المؤقت المزعج والمخرب أحيانا وعدم حل الاضطرابات دخل التاريخ بانتظار المستقبل.
محمد علي الحلبي

Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development