نادي المناظرات -د. قصي الحسين

لفتني حقا هذا النادي المستحدث في لبنان: “نادي المناظرات العامة لسياسات حرية التعبير” . قرأت في (جريدة اللواء: 10/1/2022، ص4): “إختتم مركز سمارات- سنتر مشروع نادي المناظرات العامة لسياسات حرية التعبير الذي نفذه بالتعاون مع معهد صحافة الحرب والسلام (IWPR) وبتمويل من (Ukaid)، في إحتفال أقيم في حرم كلية العلوم الإجتماعية في جامعة القديس يوسف.”
بداية أود أن أن أقول: إنني لا أعرف أي شيئ عن هذا النادي. ولا أعرف أحدا من أعضاء الهيئة التأسيسية. ولا أعرف رئيسه. ولا أعرف أحدا من أعضاء الهيئة الإدارية. ولهذا، فأنا لست مسحورا، برجاله.ولا أريد أن أسجل شيئا فيما سأتحدث به، إلا بدافع الإنسجام مع عنوانه. على أني أتمنى أن يدل عنوانه على مخبره.
لست هاهنا أيضا، في صدد متابعة أعمال هذا المؤتمر. فما أوردته جريدة اللواء الغراء، وأنا من قرائها، كاف لمعرفة، الكلمات والمداخلات، التي جرت في رواق كلية العلوم الإجتماعية، داخل حرم جامعة القديس يوسف. لكنني أريد أن أقول إنه: على الرغم من الكثرة الكاثرة والكارثية من النوادي والجمعيات في لبنان، طمعا بالإنتفاع بالأموال الريعية الداعمة، فإن تأسيس هذا النادي، وتحت هذا العنوان بالذات، لأمر هام و لافت للغاية، في مثل هذا الوقت الذي تمر به البلاد. فقد دخلت في حوار الطرشان، كعادتها، قبيل موعد الإنتخابات النيابية القادمة. وقبيل موعد إنتخابات رئاسة الجمهورية اللبنانية، المتأخرة عنها حتى الحادي والثلاثين من شهر تشرين الأول- 2022، وهذا هو الأهم.
تحولت المناظرات السياسية منذ إقتراب موعد هذين الإستحقاقين، إلى حفلة زجل، صاخبة وقليلة الأدب. لدى معظم من إعتلى منبرا، وصاح بأعلى صوته: “أيها الناس”. على طريقة الحجاج بن يوسف السقفي. وأنت ترى أيضا، ممثلين عن قوى سياسية، تتناظر بلا مسؤولية، وبلا أن تحسب حسابا، لكرامات الناس، ولا لعقول الناس، على منابر الشاشات أو على منابر الصحافة، أو عبر أثير الإذاعات. وربما أخذها الحال. وأخذها هوسها إلى قول ما لا يقال. وإلى التصريح بالمطلوب. وإلى التصريح بغير المطلوب على حد سواء. حتى ليكاد المتناظرون أن يورطوا أنفسهم، والبلاد، والدولة، والقيادات، بما ليس لهم فيه من “شان”.
أهمية “نادي المنظارات”، أنه يعمل على تأهيل المتناظرين. أن يؤسس للقواعد الأكاديمية والسياسية والأخلاقية لدى المتناظرين، أو لدى من يعتلي منبرا حرا، أو لدى من يمون على منابر الدولة، أن لا يخرجوا عن السكة، مثل قطار شارد، ويهرس الناس في طريقه، حتى يقال عنه: أنه أفوه من خطب بلغة الضاد. أو أنه فحل الخطابة في الجمهورية، التي تنزل في القلوب، بلا وسائط، وبلا جرعة من ماء. أهمية نادي المناظرات، أنه “ناظر النظار”، في الدولة. يرسم حدود التناظر على المنابر، بحيث لا يتحدث الخطيب، إلا بما يعلم. وأن يحضر أوراقه، تحضيرا جيدا، وأن “لا يأخذ الجار بالجار”، ولا يتعدى حدود الكلام الأديب الذي يقوله مؤدب نفسه، حتى لا يخلطوا الحابل بالنابل، وهم على “طاولة المناظرات”.
أهمية “نادي المناظرات للسياسات العامة”، أن تسهل للنوادي وللجمعيات وللأحزاب وللقوى المختلفة في البلاد، الدخول في المناظرات، حتى تتدرب على العمل المتقن، في إدارة الخطاب. وفي أوالياته. وفي مواده. وفي أهدافه وأغراضه. في الإعلام وعلى الأرض. حتى تأتي المناظرات مفيدة للمجتمع، فلا تضر به. ولا تأتي له بالمصائب، من فوق رأسه أو من تحت قدميه.
تقديم الدروس في أدب المناظرات، للجمعيات والأندية والأحزاب وقادة المجتمع، وقادة الرأي على حد سواء، له من الأهمية بمكان. فنحن نرى بأم أعيننا أعمالهم. ونحن نسمع بأم آذاننا أقوالهم، فنحار كيف يكون للمجتمع، بل للوطن، بل للحزب وللجمعية والنادي، أن يتأهل للعمل السياسي. وللعمل الإجتماعي وللعمل التربوي، وهو لم يتعلم بعد، “ألف-باء “، المناظرة ولا “ألف- باء” الجدل ولا الجدال.
يقف “زيد” من أهل الحول والصول، يتحوطه جمهوره، فيأخذ في الكيل للناس. وفي سوق الإتهامات. وفي قول ما لا يقال. يرغي ويزبد، ويثور. ويأتي بأبشع النعوت. يسخف الناس وآراءهم. ويحقرهم ويدعو جمهوره لتحقيرهم. يؤلب الناس على بعضهم. يذكرهم بما كانوا قد نسوه. ولا غاية له في ذلك، إلا التعاظم والإنتفاخ، ولو على حساب الناس. ولو على حساب الوطن. ولو على حساب البلاد. ولو على حساب الأمن الإجتماعي والأمن السياسي والأمن الإقتصادي في البلاد. فكم من مرة نزل الجمهور إلى الشارع، بعد خطاب أو بعد مناظرة، أو بعد كلمة تقال في سوق الإنتخابات. أو في غيرها من الأسواق. فكم من مرة غضب الجمهور لقول قاله مسؤول، فإهتزت البلاد. وإهتز المجتمع، وإنحطت العملة الوطنية. وحلق الدولار.
حقا، الناس في بلادنا أحوج إلى ناد، إلى مدرسة، إلى حكمة ، إلى أكاديمية، في صفة “نادي المناظرات” هذا، إن صدق إسمه على مسماه. البلاد بحاجة، إلى هذا النوع من النوادي، التي تعلم “أدب المناظرات”. تعلم الكلام المسؤول. تعلم الإبتعاد عن التهور في إطلاق الكلام جزافا، أوالإكثار من الهذر، وعدم إحترام الآخر والذهاب إلى تحقيره بأبشع النعوت. والكيل له، بما يحفل به “قاموس الشتائم”، القديم منه والحديث، على حد سواء.
أسواق العرب، في الجاهلية والإسلام، كانت أنديتها أكثر أدبا، من شاشات التلفاز في لبنان، هذة الأيام. كانت تضرب قبة للمحكمين في “عكاظ”. أو في “مربد البصرة”. أو في “كناسة”. أو في سائر أسواق العرب الأخرى. وكان الناس يصطفون بكل أدب. يتحلقون حول المتناظرين، بلا تهويل ولا تجريح ولا شغب. وكان الناس يخرجون بعد يومهم هذا، وكأن شيئا لم يكن. اللهم سوى حفظ النقائض في دواوين. لتكون تاريخا للتاريخ، لا أكثر ولا أقل.
نادي المناظرات بنظرنا، حاجة وطنية للبنانيين ولجميع سكان لبنان على الإطلاق. بحيث يعلمهم “أدب التناظر”، وهم يشرعون في الشتائم والسباب على الشاشات، بحيث يطالون الأخ و الصديق والشقيق. فيمنعهم هذا النوع المستحدث من الأدب، عن هجر القول. وعن التعنيف على الناس. ويحضهم على دراسة الأوراق، فلا يقعون في التهور السياسي. أو فيما يعود على البلاد من شرور هي في غنى عنها. فقد صار اللبنانيون يدفعون الأثمان الغالية، بسبب تهور هذا أو ذاك، في إستعمال “الكلام المراشيق”. يطلقون لألسنتهم العنان. تصف الكذب وتوقع في البهتان. وتأتي عواصف الردود. ويشتبك الناس. تشتبك الشوارع. ويعود الإصطفاف من جديد. وعزل يؤدي إلى عزل. وخرق يؤدي إلى خرق. وإنفجار يؤدي إلى إنفجار. وباطل يؤدي إلى باطل. ويختلط الحابل بالنابل. حتى ليقول الأبناء في المهجر:
كان الله في عون لبنان.
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.


Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development