المقالات

تنمية الناس وبالناس وللناس – بقلم: د محمد علي الحلبي

من طلاوة،وحُسن الكلم ما اختزلته البشرية من حكم عبر تجاربها التاريخية حلوها،ومرها تسترشد بها كنبراس يضيء لها أيام مستقبلها،وكلما قلت كلماتها،وكانت بسيطة في تركيبها….عميقة في مضمونها…جزيلة معانيها كلما كثر معتنقوها،فأصبحت المرشد الهادي لهم،وهم نساكها العاملون بوحيها.
تذكرت أيامنا الحالية في وطننا العربي ، وفيها ما فيها من خلل واضطراب رانا على وجودنا،فخلفا عليه ندباً كادت أن تنتشر في كل نواحي حياتنا قابلها هياج شعبي لم يعد يحتمل آثار وتوابع الظروف التي حاقت بحياته  واضعة إياه في دائرتها بدون إرادته , فالأحداث التي تمر بنا دفعت بي وفي حالة ألم و ربما بالكثيرين من أبناء الأمة   الى أتون شعابها وحتى الغوص في تفاصيلها , لكن ما أنقذني أمل انبعث من تذكر   الحكمة الرائعة الواجب أن تكون المنطلق الأساس    من بين المنطلقات النظرية للثورات العربية التي قطعت أشواطاً لتحقيق أمانيها وهي: تنمية الناس، وبالناس، وللناس.

والتنمية في مجالاتها الثلاثة الرئيسية،الاقتصاد،وحفظ الموارد الطبيعية والبيئة،والتنمية الاجتماعية الهدف الأول والأخير لكل شعوب المعمورة على اختلاف توجهاتهم وعقائدهم،فالهدف المنشود للجميع عيش رغد،وكرامة دائمة باقية،ولضخامة وعظمة ذلك كان من الواجب،بل الضروري أن يسهم الجميع في هذه العملية في مواجهة إدعاءات التزييف السياسي التي تحاول حصرها في مجموعة،أو أفراد تسبغ عليهم صفات تهويلية لا قبل للبشرية بها لاغيه بذلك نظرية التناسبات الأساسية والضرورية بين المهمة والعاملين من أجلها.
صحيح أنه يمر في التاريخ،وعلى الندرة قادة وطلائع يتعبدون الله جلت قدرته في حبهم لبلدهم ولأهاليهم ،وعبادتهم  في طهارة ماء السماء الطهور لكن جهدهم يبقى دون الغاية المنشودة إن لم يعملوا على تجنيد وحشد كل أفراد الأمة لهذه الغاية،ففكرة التناسبات بين كبر وعظمة الغاية من طرف،وضخامة وتوسيع الحشد المطلوب لها من طرف آخر طردية، ملزمة،ولا تتحقق إن لم يكن هناك تعادل بين طرفي المعادلة،فبناء أسرة بناء نموذجياً يحتاج إلى جميع أفراد الأسرة،وكلما كبر عددهم كان نتاجهم أعظم وأكثر إثراء  في إطار ترابطهم الفكري والعملي،كما وأن تطوير مهنة أو حرفة يحتاج إلى جهد جميع،أو أغلب العاملين فيها  ،    ويتوج ذ لك بناء الأوطان،ولا يكون إلا بسواعد جميع أبنائه المفكرين والمنهجيين أولا ً،والعاملين ثانية على تحضيرات لغدٍ يؤمل به،ويعقد الرجاء عليه في إطار ما وصلت إليه البشرية عبر تاريخ تجاربها في توزيع المجتمع إلى منظمات:خدمية – نقابية – ثقافية – وحزبية،فالتنظيمات ركيزة أساسية في جميع بنيان المجتمع الضامة لمكوناته،والحريصة عليها في إطار نظرية،أو نظرات اتفق عليها بعد حوارات وتفاعلات فكرية حددت من خلالها دروبها وتوجهاتها الأشبه  بمغارات الكنوز،فكلما ازداد عمقها ازدادت ثرواتها متيحة للجميع ينابيع بركة ومِنح يغبّون منها،ومضامين عطر لعافيتهم يتنسمونها،والتأكد من واقعية هذه النظرية لا يحتاج إلى كبير جهد في الواقع السياسي العالمي،وتحديداً العربي فحيثما حكمت أصغر خلايا المجتمع بلدها –   أسر  أو مجموعة  أو تنظيم واحد –  ورغم مرور عقود،بل أكثر من قرن على تحكمها يظهر بجلاء الركود الشامل لمناحي الحياة،فلا تقدم،ولا تطور يسترعيان الانتباه والنظر،بل في أحيان كثيرة تراجع جلي بمقياس المقارنة لا مع الشعوب المتقدمة،بل مع الشعوب التي كنا نماثلها وتماثلنا في الظروف الحياتية……الركود ضرب كل أركانها لأنها ألغت دور المجموع،ومنعت الحريات بشتى مجالاتها،ولم تتح الفرص لمجتمعاتها كي تنتظم في أطر ما بات يُعرف بالمجتمع المدني…..حقيقة لا يمكن لأحد أن ينكرها،وهكذا يتأكد لنا كما تأكد لكل المفكرين شرطان للتنمية:
1-    إنها عملية شمولية شاملة للمجموع  في مواجهة بقايا ورواسب الأنظمة الشمولية التي استودعت شعوبها في ثلاجات جمدت حرياتها وقدراتها،وفيض عطاءاتها.
2-    التجنيد،والحشد يعني أول ما يعني تنظيم الإرادات المتطلعة لغد مشرق يحوي تطلعات أصحابها في تكوينات مجتمعية من جمعيات،ومؤسسات أهلية متعددة الغايات بعيدة عن سيطرة الدولة لكنها خاضعة لقوانين هادية مرشدة.

هذه البداية تضعنا أمام عناوين ثلاثة محور اهتمامنا في الظروف الحالية الثورة…البناء…المنهجية والأساليب، فالثورة، ويصر علماء الاجتماع على تعريفها بأنها عبارة عن تغيير شامل وجذري في توزيع مصادر القوة والإنتاج في المجتمع، والشعب الثائر تتركز في ذهنه إعادة توزيع الثروات، والسلطات السياسية.
وفي مطلع الثورة وبدايتها تتدافع  مشاعر الغضب والانفعال بفعل عوامل الاحتقان التي خلفتها الأوضاع القائمة ، كما وتطغى في تلك الأيام،وحتى في الشهور الأولى من عمر الثورة حالات النزق  والانفعال،وينعكس ذلك على تصرفات  المنضوين في إطارها،لكن ذلك لا يستمر لأنه يهددها بانتكاسة قاسية لذا يعمد قادتها للانتقال وبسرعة من موجات السلوك المضطرب إلى التفكير العقلاني وغير العاطفي للبدء في البناء وتحقيق طموحاتهم التي هي طموحات شعبهم،وجمالية الصورة التلاقي بين تعابير اللغة العربية المجسدة لعبقرية الإنسان العربي فجميع الأفعال المنتهية بحرفي الألف،والراء تشير إلى حالات الهيجان والانفعال،ولنلق نظرة فنجد:
الأفعال:حار من الحيرة،وخار ومنها الخوار أي الصياح،وجار أي مال وضل،ودار ومنه الدوار،وسار عليه:وثب وساوره،وهار إذا سقط فقد انهار وتهور،وبحركة إبداعية بسيطة فعند تصريف الفعل من الماضي إلى المضارع يشدد على الحرف الأوسط فينتقل المعنى من الانفعال إلى العقلانية وإرادة التصميم…..يقال في دار يدور،وبالتشديد دوّر الأمر أي غيّره مظهراً تفضيلا للإرادة  ًوالفعل،وتخلصاً من المشاعر التي تعترضه وتحرفه عما يرسم له .
ومثل ذلك يقال:ثار، يثور، وثوّر الأمر أي بحثه، ويقال أيضاً ثوّر القرآن:أي بحث في معانيه وعن علمه، وقيل في ذلك من أراد العلم فليثوّر القرآن.المرجع(معجم لسان العرب).

في ضوء هذه المعاني القيمة،وعلى ضوء هديها نصدم عندما يعلن تقرير للمنظمة العربية للتربية،والثقافة،والعلوم بمناسبة الاحتفال باليوم العربي لمحو الأمية عام2007 أكدت فيه أن عدد الأميين في الوطن العربي ما زال في ارتفاع حتى بلغ70مليون أمي عام2005بينما كان50مليون عام1970،ونتيجة لذلك فإن نسبة الأمية تبلغ35,4%وهو ما يساوي ضعف الأمية في العالم.
لنلق نظرة فاحصة على الأقطار العربية التي نجحت وإلى حدّ ما الثورات فيها نجد في مصر الميل لدى الجماهير للطلب من القيادات الجديدة البدء بتنفيذ حزمة كبيرة من المطالب،وهذا حق لها لأن تركة النظام القديم مليئة بالآلام،فالعفن انتشر وعشش في جوانب كثيرة من الحياة،لكن ذلك كله يؤكد ما ذهبنا إليه من هداية وترشيد المفكرين إذ لابد من الجميع بين الطلب والعمل،والأفضل بدء العمل والإبقاء على المناداة بالحقوق،وتصعيدها لأنها حاجات مستمرة ومتطورة في أنماطها وأشكالها،فالأمية في مصر، تصل وحسب التقديرات الرسمية إلى30%من سكان البلاد لا يعرفون القراءة والكتابة،و40%منهم يعيشون تحت خط الفقر،والأمية في ليبيا نسبتها11,5%،والأشد غرابة،وفي دراسة أعدتها أمانة اللجنة الشعبية العامة للتخطيط والتنمية حول الوضع الاقتصادي والاجتماعي في ليبيا أن عدد السكان تحت خط الفقر زاد من حوالي605آلاف في1992-1993إلى نحو739ألفاً عام2001،وقد حدد خط الفقر المدقع في336ديناراً شهرياً،وفي ” اليمن السعيد ” ترتفع نسبة الأمية إلى49%.
ومشهد آخر لابد من التوقف عنده لندرك مدى ما حققه النظام الطالح السابق،فمنظمة الأمم المتحدة لرعاية الأمومة والطفولة(اليونيسيف)حذرت من كارثة إنسانية،ففي  البلد57%من الأطفال يعانون من سوء التغذية المزمن،وهو أعلى مستوى في العالم بعد أفغانستان،وهناك أكثر من250ألف طفل وضعوا في خانة سوء التغذية الحاد.

كل هذه المعطيات،وهي غيض من فيض تجعلنا نشاطر الثوار حراكهم وتطلعهم،ومن واجب حكومات ما بعد الثورة أن تركز على فكرة التنمية البشرية بشقيها المادي والفكري،ففي مجال محو الأمية لابد من تشريعات تلزم الأسر بإلزامية تعليم أبنائها في المراحل الدراسية،وكلما خفّ عدد الأميين ارتفعت درجة الإلزامية لتشمل المراحل الثلاث:
الابتدائي، الإعدادي، والثانوي…..والاتحاد السوفيتي قبل تفرقه وصل إلى إلزامية التعليم حتى الثانوية،والإلزامية هنا كإلزامية الخدمة العسكرية المفروضة على الشباب في سنّ معين،ولابد من التشدد بمعالجة عملية التسرب منها بترك الطلاب مدارسهم،والعمل لإعالة أسرهم،وهنا الرديف الثاني للتنمية،فالدولة ملزمة بوضع البرامج والخطط للإنماء الاقتصادي وفق خطط محددة زمنياً تُراقب،وتشجع،كما وتنتقد عبر وسائل الإعلام المالكة لحريتها الكاملة.،بل وتحاسب من قبل المجالس التشريعية،وجميع منظمات المجتمع المدني،
إنما،ورغم شرعية المطالب،فتكاملها يتأتى،ويتسارع عبر المنظمات الشعبية المشكلة،أو قيد التشكيل،والذاكرة تعود إلى سنّي القرن الماضي عندما تواجدت جمعيات شعبية لمكافحة الأمية وفق ضوابط عقدية شارك فيها العديد من ميسوري الحال بتقديم الدعم المادي لها،والمتطوعين مجاناً للتدريس الليلي في المدارس الرسمية التي وُضعت تحت تصرفهم،وفي أحيانٍ كانت الجمعية تدفع رواتب رمزية للشباب من طلاب الجامعة لتدريس الأميين،ولقد استمعت مرّة إلى حديث لعضو قيادي في جمعية لمساعدة المحتاجين حكي لي عن الانتقال والتطوير في خدماتها،فهي لم تعد تكتفي بتقديم العون للأسر المحتاجة،بل افتتحت دورات للتدريب على الخياطة كانت تتقاضى من المتدربات مبالغ رمزية بينما أعفت منها الفتيات الفقيرات ، وأكثر فكانت تهدي الفقيرة المتفوقة آلة خياطة لمساعدتها على العمل،وإعالة أسرتها،وتحصنها من مدّ اليد لطلب العون.
ماذا لو قامت جمعيات نسائية بالجمع بين الطرفين….التدريب، ومحو الأمية في الريف؟!….فأقامت مراكز تدريب للنساء تعلمهن الحرف اليدوية:الخياطة، التطريز،  صناعة السجاد…..إضافة إلى القراءة والكتابة،وماذا لو راحت تتصل بالباعة لتؤمن لهن تسويق إنتاجهن،وحتى تصديره؟!…فالأعمال اليدوية باتت مصدر ريعية جيدة،يضاف إلى تلك الأفكار قيام المنظمات الحرفية بتدريب الشباب لديها….والعديد من الفكر التنموية الجديدة الخلاقة وما أكثرها سيبتكرها جميع أصحاب العقول الخلاقة ذلك يكون الرفد الهام لعمل الدولة،بل ربما الأساسي،فخلق الفكرة البناءة أكثر جدوى مما قد يعيق الأعمال الرسمية من روتين ومعوقات،ولندرك هنا حقيقة إحجام الحكومات الشمولية عن السماح بتكوين المجتمع نابع من خوفها،فالعمل الوطني التطوعي يوحد بين جميع المكونات المجتمعية،ويلغي كل صور التركيبات القديمة المتناقضة،,والتي كانت تستأثر باهتمام أهل السلطة،وبإبقائها،بل بإنعاشها لتستمر سيطرتهم على العباد والبلاد.

إن العمل الوطني المنظم لخدمة الأمة يعزز من شموخ فاعليه، وكلما ازداد رصيد عمل أحدهم ازداد إباء، ، ومنعه من الاعتداء على حريته ، فحريته خلقها له الوطن منذ بدء وجوده، وبما أنها منه فهي له  عاملا على جعله منيعا حصينا تحت راية القيم والثوابت النضالية ومنها الحكمة القائلة: تنمية الناس، وبالناس، وللناس.

محمد علي الحلبي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى