يقاتلون “حزب الله” بالسلاح: “الأخوان المسلمون” في سورية ينتصرون بعد ثلاثين عاماً! بقلم: فادي شامية

“الأخوان” السوريون يذبحون بسيفي الوحدة الإسلامية وفلسطين!
منذ أيام المؤسس حسن البنا؛ سيّطر “هاجس” الوحدة الإسلامية على تفكير جماعة “الأخوان المسلمين”. استضاف البنا رموزاً شيعية كبيرة في مصر للتحاور معها والتداول في مشروع التقريب بين المذاهب الإسلامية. كان ذلك في أربعينيات القرن الماضي، وكان من أبرز العلماء الشيعة الذين التقاهم البنا؛ محمد تقي قمي، وآية الله الكاشاني. فيما بعد تطورت العلاقة بين “الأخوان” والحركات المناهضة لحكم الشاه، حيث شكّل “الأخوان” ظهيراً كبيراً لها. في ذلك الحين لم يكن لـ “الأخوان” السوريين أي منطق مخالف، بل إنهم احتفوا كما باقي “الأخوان” في العالم، بمؤسس حركة “فدائيان إسلام” نوّاب صفوي، الذي قال في جمع من “الأخوان” السوريين عام 1954: “من أراد أن يكون جعفرياً حقيقيًاً فلينضم إلى صفوف الأخوان المسلمين”.
عند قيام الثورة الإسلامية في إيران جنّد “الأخوان” أنفسهم لتأييدها في العالم العربي واعتبارها انتصاراً للإسلام نفسه، ومحطة مشعة على طريق تحرير فلسطين، والوحدة بين المسلمين. ظل “الأخوان” على موقفهم هذا رغم أن الإمام الخميني خيّب ظنهم باكراً لجهة الموقف من الأقليات الدينية والإثنية في إيران، واضطهاد السنة، بما في ذلك جماعة “الأخوان المسلمين” نفسها في إيران.
في العام 1982؛ نفّذ حافظ الأسد مجزرة حماة الكبرى. عشرات الآلاف من القتلى والجرحى والمشردين صمت عنهم الخميني، في تأييد ضمني لحليفه نظام “البعث” في سورية. حاول “الأخوان المسلمون” في العالم الموازنة بين واجب نصرة أخوانهم وبين آمالهم بنهضة إسلامية شاملة، تكون إيران جزءاً منها. في هذه الفترة بالذات بدأ “أخوان” سورية يتحدثون لغة مختلفة عن باقي “الأخوان”. بالنسبة إليهم؛ انكشف المشروع الإيراني باكراً، لكن “أخوانهم” في العالم لم يصغوا إليهم، وظلوا مسكونين بهم القضية الفلسطينية، وصراعاتهم مع أنظمة الظلم في بلدانهم… وتعلقهم بمشروع “الوحدة الإسلامية”!
أحداث كثيرة مرت بعد ذلك؛ حافظ فيها “الأخوان” على تحفظهم تجاه “المشروع الإيراني”. لم تخرجهم عن هذه السياسة الحرب العراقية-الإيرانية، ولا تواطؤ إيران مع الولايات المتحدة في احتلال أفغانستان والعراق، ولا المجازر الطائفية في العراق، ولا موقف الحزب الإسلامي نفسه في العراق تجاه “المشروع الإيراني”… ثم جاءت حرب تموز 2006 فأعلن مرشد “الأخوان” في مصر محمد مهدي عاكف أنه مع حسن نصر الله يسير وراءه!. كما صدرت مواقف أخرى تبرر لإيران أو تمتدح مشروعها، وصولاً إلى السكوت –وأحياناً الدفاع- عن خلية “حزب الله” المكتشفة في مصر أواخر أيام حسني مبارك. وبطبيعة الحال؛ فقد لعبت العلاقات الجيدة بين حماس وإيران دوراً كبيراً في انحياز ا”لأخوان” عموماً إلى طروح “الأخوان” الفلسطينيين وتقاربهم مع إيران.
في ذلك الزمن لم يكن ثمة صوت مسموع لـ “الأخوان السوريين” في رسم توجهات “الأخوان” العامة. أجبرهم التنظيم الدولي على فك تحالفهم مع عبد الحليم خدام خلال حرب تموز 2006، لأن “المرحلة تتطلب ذلك”. لم يكافئهم نظام بشار الأسد على هذه الخطوة بشيء، ومع ذلك صمت “الأخوان المسلمون” في العالم. قيادات أخوانية سورية كثيرة ذهبت إلى مكتب الإرشاد العام تحمل ملفات موثقة حول ما يفعله “المشروع الإيراني” في سورية. كان مصير الملفات الأدراج، وحَمَلتُها كانوا يُسفَهّون بلباقة!. بلغ التلاوم مداه، وضاقت الأرض على “أخوان” سورية حتى ارتضوا العودة إلى بلادهم مكتفين بعمل اجتماعي-دعوي على أبعد تقدير، فلم يقبل بشار الأسد إلا الاستسلام الكامل منهم، والعودة فرادى صاغرين ومقرين بـ “خطايا” الماضي… ومع ذلك صمت باقي “الأخوان”، بل إن العلامة يوسف القرضاوي زار دمشق مراراً والتقى قياداتها السياسية، ولم يستطع تغيير شيء من ذلك!
بعد ثلاثين عاماً ينتصرون!
عندما بدأ موسم الثورات في العالم العربي؛ بكّر “الأخوان” في سورية في محاولة نقل الشرارة إلى بلادهم. في 15/3/2011 نجح “المشروع”. انفجر الاحتقان الذي غذاه غباء النظام، وصار للسوريين ثورتهم الخاصة. في البدايات ظل “الأخوان المسلمون” عموماً، والفلسطينيون منهم خصوصاً على تحفظهم. ومع استمرار المجازر خرج الجميع عن صمته، وما لبث أن سار الجميع وراء راية “أخوان” سورية في الموقف من نظام “البعث” الأخير، وأهم من ذلك؛ الموقف من المشروع الإيراني نفسه، بعدما صارت طروح “أخوان” سورية هي طروح غالبية الرأي العام في العالم العربي والإسلامي.
قبل عيد الأضحى المبارك؛ انعقدت في القاهرة ندوة نظمها مركز “أمية للدراسات”؛ عنوانها المشروع الإيراني؛ كان أكثر المتكلمين فيها من “الأخوان المسلمين”، من أقطار عربية وإسلامية مختلفة، وقد نُقلت الندوة على قنوات عدة. من يستمع لما قيل خلالها عن المشروع الإيراني لا يمكن أن يصدّق أن المتكلمين قيادات “أخوانية” أو قريبة منهم… أخيراً بات لـ “الأخوان المسلمين” في إيران (الأهواز وغيرها)، والعراق (الحزب الإسلامي)، والبحرين (بقيادة الشيخ عبد اللطيف المحمود)، و”الأخوان السوريين” أكثر من ثمانين تنظيماً أخوانياً في العالم يدعمهم، بما في ذلك الجماعة الأم في مصر.
تحقق ذلك بفضل الثورة السورية “الكاشفة”، فتغيّر موقع جماعة “الأخوان المسلمين” في سورية بين أخواتها، وتقدمت بين الحركات السياسية في العالم العربي، وأقر الرأي العام العربي والإسلامي بظلاماتها على مدار أكثر من ثلاثة عقود، ومنح “القضية السورية” المكانة التي تستحقها في عالم السياسة المعاصرة. هذا هو الانتصار الأعظم للجماعة منذ أكثر من ثلاثين عاماً!
بموجب هذا الانتصار؛ تغيّرت نظرة “التنظيم الدولي” لـ “الأخوان” من إيران، ومن “حزب الله”، ومن النظام السوري، وأصبح المشروع الإيراني خطَراً –على أقل وصف- بعدما كان “ثمرة من ثمرات الصحوة الإسلامية ودلائلها الحية” وفق وصف العلامة يوسف القرضاوي، وصار تحرير دمشق من طاغوتها محطة أساس على طريق تحرير القدس من محتلها. ليس هذا فحسب، فقد ذهب العلامة يوسف القرضاوي نفسه إلى البعيد جداً، عندما دعا للمرة الأولى –في خطبة الجمعة التي سبقت عيد الأضحى- المسلمين إلى “اعتبار إيران عدوة للأمة العربية والإسلامية ومطالبة الحجاج الدعاء عليها لدى وقوفهم على جبل عرفات” (الذي قتل أكثر من 30 ألفاً من أبناء الشعب السوري حتى الآن ليس هو النظام السوري وحده، وإنما قتلهم بمساندة من الروس والصينيين والإيرانيين، الذين اعتبرهم أعداء الأمة العربية والإسلامية الأوائل”).
آثار الانتصار!
أن تتبنى أكبر حركة إسلامية في العالم منطق الفرع السوري فيها، ليس أمراً قليلاً أبداً؛ إذ لطالما لعب “الأخوان” في العالم العربي والإسلامي أدواراً حاسمة في السياسة والاجتماع والاقتصاد… وفي تشكيل الرأي العام. لا مبالغة أبداً في القول أن هذا التنظيم طبع -وما زال- بصمته في مسار أمتنا، وأنه الحاضر الأول تحت أي نظام قمعي، وأنه المرشح الأول للحكم بعد سقوط قامعيه، وأن ترابطه في العالم يجعله شبكة قادرة على الوقوف بوجه دولة أو عدة دول… ولو كانت عظمى.
أن يصبح “الأخوان المسلمون” اليوم في مواجهة المشروع الإيراني فهذا يعني بداية نهاية هذا المشروع. ثمة تاريخ طويل من السعي باتجاه إيران انتهى اليوم، وما هو قادم سيحمل مزيداً من الـتأزم في العلاقة معها، وسينعكس ذلك على الأرض، في غير بقعة من العالم، وما يجري في سورية اليوم لن يكون الأخير –للأسف- لكنه ذو دلاله كبيرة؛ فـ “الأخوان المسلمون” في سورية، من خلال كتائبهم، يقاتلون النظام السوري وحلفاءه، بما في ذلك “حزب الله” الذي كان “أخوان” العالم يكنون له احتراماً خاصاً. المواجهة هناك بلا قفازات. إيران تدعم حلفاءها بالمال والسلاح، و”الأخوان المسلمون” في العالم –كما غيرهم من التيارات والدول- يدعمون الكتائب المسلحة بالمال والسلاح. قدرات “الأخوان” في العالم كله مسخّرة اليوم لإغاثة السوريين في الداخل والخارج، وهي تتحضر للإسهام في مشروع إعادة الإعمار في سورية ما بعد بشار.
في واقع الحال؛ فقد باتت القضية السورية قضية الأمة كلها؛ ومن خلالها يتحدد العدو من الصديق. استغرق الأمر ثلاثين سنة؛ منذ أن ذبح حافظ الأسد شعبه في العام 1982 إلى أن تبنت الأمة الإسلامية الثورة السورية عام 2012. يا لها من سنة كونية خالدة؛ “إنه من يتق ويصبر من يتق ويصبر، فإن الله لا يضيع أجر المحسنين”!
– اللواء


Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development