المقالات

الخامعة العربية – بقلم: محمد علي الحلبي

آمل أن لا يعتقد أحد بأن في العنوان خطأً طباعياً…..أبداً،فالعنوان أصبح لدى بعض من الزملاء التسمية المعاصرة للجامعة العربية،وحكاية التغيير هذه فيها بعض الطرافة ففي خريف العمر يحلو لقاء الأصدقاء المتقاربين عمراً وثقافةً،وكالعادة يشارك  فنجان القهوة المخفف للانفعالات وهيجان الغضب أثناء الحديث السياسي عن الواقع العربي المؤلم،والذي راحت أوضاعه تزداد ألماً وتزيدنا قلقاً يصل حدّ الخوف أحياناً من المستقبل والتخوف عليه  وفق ما نشاهده ونراه في واقعنا الحالي .

ذات أمسية دارت الأحاديث أسهم فيها جميع الحضور….أحدهم تحدث وبأسى يكاد يقطع نياط قلبه عن انتشار الفساد في وطننا العربي شارحاً ومؤيداً وجهة نظره بالتقرير الاقتصادي للبنك الدولي الذي يحدد أن الدول العربية وحدها مسؤولة عن30%من مجمل تكلفة الفساد في العالم،,هذه النسبة تعني300مليار سنوياً من أصل تريليون دولار تُهدر بسبب الفساد في العالم،ومنظمة الشفافية العالمية وهي أكبر منظمة غير حكومية ” اعتبرت الدول العربية الأسوأ في مجال مكافحة الفساد عالمياً،وتتركز النسبة الكبرى للفساد بين25%إلى35% في العقود المتعلقة بمجالي الدفاع والأمن ” والمعروف أن قراراتها تتركز ويتخذها بعض رموز السلطة،وفي غمار الحديث عزا أحد الحضور أن من أسباب البطالة في بلادنا الفساد مفسراً وجهة نظره أن نسبة البطالة في الوطن العربي بلغت ما بين15%إلى20%مقابل8%عالمياً،ويصل عدد العاطلين عن العمل في العالم العربي حوالي26مليوناً من إجمالي قوى عاملة تبلغ120مليون عامل يضاف إليهم سنوياً3,4مليون عامل في ضوء حقيقة مفادها أن60%تقريباً من أبناء البلاد العربية دون سنّ الــ25سنة  وهم شريحة العمالة فيها؟!…..مما يتوقع أن يصل عدد العاطلين عن العمل في عام2025إلى حوالي80مليوناً….ذلك يتطلب كجد أدنى ضخ70مليار دولار لرفع معدلات النمو الاقتصادي لخلق ما لا يقل عن5ملايين فرصة عمل،وقد بيّن المتحدث مرجعية  اعتماده هذه الأرقام ومكان نشرها، وأحد الحضور رأى في الظاهرتين السابقتين السبب الرئيسي للفقر إضافة إلى عوامل أخرى كالحروب والجفاف مما أدى إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية الى أكثر من مثليها في بعض الأحيان مفصلاً للوقائع استناداً لدراسة نُشرت في موقع الجزيرة معتمدةً على تقرير لمنظمة الأغذية والزراعة   (الفاو)    في الأمم المتحدة بيّن أن حوالي40مليون عربي يعانون من نقص التغذية أي ما يعادل13%من السكان بالإضافة إلى مائة مليون عربي يعيشون تحت خط الفقر،وتوسّع في التفاصيل موضحاً أن نسبة الفقر في غزة بلغت90%من جراء الحصار،وفي مصر فإن46%من المصريين لا يحصلون على الطعام الكافي،والعراق وبعد الاحتلال الأمريكي له كشف تقرير صادر عن وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي العراقية أواخر عام2007أن الفقر شمل60%من العراقيين،وبلغت نسبة البطالة50%،  ورغم توفر الأراضي الزراعية فالوطن العربي يستورد50مليون طن من الحبوب بينما الأراضي الزراعية المُستغلة فيه  لا تمثل سوى30%  فقط،وأضاف أحد الضيوف أمام هذه الشواهد الثابتة الخالية من أي  معنى  للإنسانية والتي يمكن أيضا تصنيفها في المستوى الأدنى  لدرجات سلم الحقوق الوطنية،  بالرغم من  تعدد الموارد الطبيعية لبلادنا و التي حباها الله بها ومداخيلها المتزايدة باستمرار أمام كل هذه المواجع والآلام كان لابد من كمّ الأفواه وممارسة الاستبداد بكل صنوفه وأنواعه فباتت الحريات بمختلف درجاتها أضغاث  أحلام مختلطة  وخيالات مرضية تصيب البعض بهوس ودوران فكري ليلي فينال لقب المهووس متحدثا إلى نفسه   ,  وفي ختام حديثه أيّد وجهة نظره بأن عدد المعتقلات والسجون المعروفة في بلد عربي يزيد عن ضعف عدد المستشفيات الرسمية فيه بينما في أقطار أخرى أقل بقليل من هذه النسبة، لكن في بلدان عدة أكبر بكثير،وتعددت المواضيع المتداولة،وتفرعت النقاشات لكن إجماعاً للآراء تركز في:
1-    ضعف في الأداء الوطني القطري .
2-    ضياع بل انعدام لكل ما يؤدي إلى تكامل عربي،أو اتحاد،أو وحدة.
3-    تراجعات مستمرة منذ بدء قيام الجامعة العربية.
4-    إلغاء التعاون العسكري المشترك بعد اتفاقيات كامب ديفيد المشؤومة.
5-    انفصال جنوب السودان.
6-    محاولات جادة لانفصال جنوب اليمن والعودة الى يمنين شمالي وجنوبي .
7-    فتن مذهبية تبعث في مصر.
8-    صراعات فكرية في تونس وليبيا بعضها عبثي.
9-    العراق في حال سيئة جداً…فقر وانعدام للحريات،وصراعات لا تخدم إلا أعداء الوطن.
10-  ثورة في البحرين ضد النظام القائم .
11- لبنان على شفير الهاوية،وسورية في وضع صعب ومؤلم.
12- القلاقل تطل برؤوسها في بلدان المغرب العربي.

هذا حصاد وفيض من غيض  للأنظمة الشمولية،وجامعتهم العربية
استثارت الأحاديث مشاعر الألم لدى الجميع فانبرى أحدهم ليذكر الجميع بحقائق الرياضيات الثابتة قائلا ً:″إن كل نظام عربي حصل وعن جدارة على علامة ناقص (السلب) تتناسب وارتكابا ته الداخلية وتقاعسا ته الوطنية،والمنطق يقرر حقيقة فعندما تجتمع الأعداد السالبة في أروقة الجامعة فمن المؤكد أن يكون مجموع الحصيلة زيادة في المجموع السلبي النهائي،ومن رابع المستحيلات أن يتحول السالب إلى موجب،وهنا انبرى آخر المتحدثين وفي نقلة مفاجئة ليغير الأجواء مقترحاً أن ننقل النقطة من تحت جيم الجامعة إلى فوقها لتصبح خاء وليصبح الاسم الجديد الخامعة  معبرا عن سروره بهذه الحركة البسيطة ومدلولاتها ومعناها ، وسأله الجميع:ما معنى الاسم الجديد في لغتنا العربية؟!…..فلم يجبنا، بل طالبنا بالعودة إلى معاجم  اللغة العربية لمعرفة ذلك حتى نبدي رأينا في الاجتماع القادم، وحاولنا عبثا معرفة ما قصده لكنه خيّب رجاءنا.

عدّت كما عاد جميعنا إلى مكتباتنا المتواضعة لنبحث عن المعنى ونستقرأ دلالته،فوجدت في معجم (لسان العرب) يقال:خمع في مشيته اي عرج،والخماع : العرج،وفي معجم (العين) يقال لمن خمع في مشيته وعرج فهو خامع…..لقد أصيب جميعنا بالدهشة وبشيء من الدعابة والفكاهة،لكن السؤال ما زال يتردد في أذهاننا عن رابط العرج في مسيرة الجامعة العربية،ولم يطل أمد الانتظار فجاء اللقاء التالي،وفيه فهمنا قصد صاحب تغيير التسمية وقد حضر نفسه للإجابة شارحاً :  لقد تمخضت الاجتماعات الأولى للمندوبين العرب عن ولادة خديج فيه عاهة العرج وكان ذلك عام1945وقد سبق زمن الحمل والمخاض أنتوني آيدن،وفي عام1941وكان وزيراً للخارجية البريطانية وفي خطاب له قال فيه:″من حق أصدقائنا العرب تقوية الروابط الثقافية والاقتصادية بينهم وكذلك الروابط السياسية″وفي24شباط عام1943تحدث أمام مجلس العموم البريطاني قائلا ً:″إن الحكومة تنظر بعين العطف إلى كل حركة بين العرب ترمي إلى تحقيق وحدتهم الاقتصادية،والثقافية،والسياسية″وبريطانيا في تلك الفترة كانت الدولة الاستعمارية الأولى الى جانب شريكتها فرنسا،وعداؤهما للأمة العربية تجلى في مواقف كثيرة أوضحها وعد بلفور والمساعدة في إقامة الكيان الصهيوني…..إذاً فما قاله من معسول الكلام بينما رغبات استعمارية  دفينة لديه في الأعماق فهو ذاته وفي عام1956وكان رئيساً للوزراء قاد العدوان الثلاثي الإسرائيلي- الإنكليزي- الفرنسي على مصر العربية لأن قائدها الراحل جمال عبد الناصر أمّم قناة السويس ليحوّل دخلها لبناء السدّ العالي  .
وبدء  الخلل الكبير في مسيرة التجمع فقد نصّ ميثاق الجامعة عند إنشائها على تعزيز وتنسيق البرامج السياسية،والبرامج الثقافية والاجتماعية لكنه نصّ على أن القرارات تلزم فقط الدول التي وافقت عليها،والسؤال الذي يُطرح هنا أمن خيار في ضرورات التعزيز والتنسيق بين السياسات والبرامج؟!…..وهل يخضع ذلك  للأهواء وهي محط رجاء كل عربي في مواجهة التحديات   ؟0000هنا تكمن بداية العرج لكن في عام1950بدأ الحديث الواقعي عن التكامل الاقتصادي،والإعلان عن اتفاقية الدفاع المشترك وإنشاء مجلس من الوزراء المعنيين بذلك لتقوية أواصر العلاقات العسكرية والاقتصادية , إنما اتفاقية الصلح بين إسرائيل ومصر دفنت اتفاقية الدفاع المشترك لأن نصها أعطى الأولوية لها على كل الاتفاقات السابقة  ،  والتكامل الاقتصادي راح يترنح بين مؤتمر ومؤتمر  وبين اجتماع وآخر إلى أن عُقد وبعد ثلاثين سنة في العاصمة الأردنية وتحديداً في تشرين الثاني1980مؤتمر صدر عنه ما سمّي بميثاق العمل القومي،والميثاق يعني لغوياً قدسية الالتزام به وله حرمته،وواجب الغيرة عليه خاصة وقد تكوّن من مقدمة فيها روائع الكلم،وقرارات حافلة بالأماني وبضرورة الالتزام الكامل بالميثاق،وتحييد العمل الاقتصادي عن الخلافات السياسية الطارئة إنما وكالعادة وبعد ما يقارب الثلاثة والثلاثين عاماً أيضا عُقد مؤتمر للقمة الاقتصادية والتنمية الاجتماعية في كانون الثاني من هذا العام2013في السعودية لينجز إنجازاً  “هائلاً ” …. تجلى في دعم صندوق الاستثمار العربي،و زيادة موجوداته بــ50%على الأقل،والتي  كانت عند إنشائه 2مليار دولار دفعت البلدان العربية منها1,2مليار والباقي لم تدفع،وسُكت عن المكتتبين بها.

لقد عقدت37قمة عربية كان قرار إحداها في الخرطوم الثلاث لاءات ….لا صلح، لا تفاوض، لا اعتراف لكنها غابت كما غاب غيرها إضافة إلى ثلاث قمم ذات طابع اقتصادي بينما الحقيقة على الواقع تشير إلى مدى التراجع في تكوين اقتصاديات قطرية قوية وحتى قومية…..البطالة…الفقر راحت تلقي بظلالها المتزايدة  قتامه يوماً بعد يوم،والتجارة البينية العربية تتراجع أرقامها قياساً بالتجارة مع البلدان الأخرى لكن الأمانة تقتضي أن نعترف بنجاحين إثنين حققتهما الخامعة العرجاء:
1-    تعدد مؤسساتها المتخصصة البالغة20مؤسسة، ومجالس وزاراتها المتخصصة أيضاً وعددها12مؤسسة، ولم ينس الإبداع في الأشكال والنماذج حق المرأة فكانت لها منظمة المرأة العربية……بناء ضخم لمقر الجامعة وسط القاهرة مليء بالكوادر الفنية والاختصاصيين يبحثون عن عمل لهم لكن يبدو أن بعضهم طبّع وتآلف مع العرج،لكن وإقرارا بالحقيقة فقلة حركة الجامعة وعلى مرّ الزمن الطويل جعلها تصاب بمرض الكساح  , لا قبل للبشرية به فهو من نوع خاص  انه معد أقعد الجميع عن العمل،ومن باب الاستغراب أن يصرح السيد وزير الخارجية المصري منذ أكثر من شهر عندما سئل عن النية في إقامة فرع للجامعة في قطر فكان جوابه أبداً لكننا نبحث عن بناء إضافي للجامعة ليعمل فيه الكادر المسؤول عن تلقي الرسائل،وقد كثرت…..مزيد من الإنفاق على البنية الأساسية وعلى المؤتمرات الوزارية، والقمة عادية كانت أم استثنائية، والطائرات المخصصة للقادة جاهزة، والأخرى للوفود المرافقة لهم، وثالثة لأجهزة الأمن الحامية، ورابعة للإعلاميين، وهنا بيت القصيد في البند الثاني للنجاحين.
2-    الكلمة ازدادت قيمتها، وغلا سعرها في البيانات الختامية حتى قدّر البعض كلمة الشجب بملايين الدولارات لكن الثمن يرتفع أكثر عندما يكون الشجب بشدة.

مسيرة عرج وكساح طال أمدها،والسيد بطرس غالي أمين عام الأمم المتحدة سابقاً ووزير الدولة للشؤون الخارجية المصرية وفي مقال له تحدث عن ميثاق الجامعة،وقال:″إن قضية تعديل ميثاق جامعة الدول العربية كثيراً ما أثارت اهتمام الرأي العام العربي،ومن شأن ذلك أن يساعد على تدعيمها،وعلى تجديد أجهزتها رجاء التخلص من العيوب التي عاقتها عن أداء رسالتها كاملة , وتوخياً لهذه الغاية فلقد قدّمت الحكومة السورية مشروعين أحدهما في19شباط1948والآخر في23كانون الثاني1951والحكومة العراقية قدّمت مشروعاً لتعديل الميثاق في كانون الثاني1954وتتالت الاقتراحات،ومازال الأمل معقوداً.

كان الاسم الجامعة ثم تحول برأي رفيقنا ليصبح الخامعة،ومؤخراً أصبحت الدامعة العربية وهي تبكي كساحها،وتدمع معها عينا  المواطن العربي مردداً قول الشاعر المصري محمود سامي البارودي1839-1904:

ولو يقوى لسار وكيف يقوى    على هول السرى قدم كسيح

محمد علي الحلبي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى