المقالات

الكراسي المتحركة – د. قصي الحسين

اللبنانيون، بعقولهم المتحركة، إستطاعوا أن يصلوا إلى أقصى الأرض. أن يطبعوا العالم بالعلم وبالأبجدية. وأن يجعلوا لوطنهم جناحين، يحلق بهما في الخافقين، جناح المقيمين، وجناح المغتربين. ولا يعرف في التاريخ أن بلدا صنع لنفسه جناحين عظيمين، ممجدين، غير لبنان.

عقول اللبنانيين المتحركة، إستطاعت أن تقنع العالم كله، بأن وطن الأرز، على صغره، من أعظم الأوطان. جعلوا جباله لوحات طبيعية. جعلوا أبناءه يعيشون على تنسم الحرية. شدوا على البر والبحر، قبل جميع الأمم والشعوب، وبنوا لهم هناك صروحا من العلم. بنوا لهم هناك صروحا من المجد.

اللبنانيون بعقولهم المتحركة، جعلوا من البحر المتوسط، بحيرة أمن وسلام ومحبة. نشروا على سواحلها، أولى ممالك العالم، وسيروا فوقها أشرعة للسفن المحملة بالعطر. و للسفن المحملة بالمحبة والإنفتاح والتآخي. فكانت تجوب بحار العالم براية محبة و سلام، لا برايات حرب.

اللبنانيون بعقولهم المنفتحة، أسسوا أولى الممالك المنفتحة على العالم أجمع. كانوا دعاة حقيقيين لنصرة الشعوب المتهضة. فما كان أحد يشعر بالظلم منهم، حيثما وطأت أقدامهم من الأرض. لم يعرف عنهم، أنهم كان يحملون النار. ولم يعرف عنهم، أنهم كانوا يعتدون بها على جار. طرقوا باب العالم كله، وكانوا سعاة علم وثقافة وبز. سعاة خير، لكل شعوب الأرض.

منذ أول التاريخ، كان اللبنانيون سباقون إلى المجد. وصلوا إلى الأمريكيتين، قبل وصول الأوروبيين المستعمرين إليها. قبل وصول الأميركيين. طووا القارات الخمس، وما نأت عنهم أرض. ولا نأى عنهم شعب. سادوا الخافقين بعقولهم، وجعلوا الشعوب تهفوا إليهم. فما حملوا على أحد. ولا أسالوا قطرة دم.

اللبنانيون اليوم، يعيشون أسوأ أيامهم. صار حكامهم على كراس متحركة. لم يعد بمقدورهم، أن ينهضوا لمواجهة أزماتهم التي جروها على بلادهم. لم يعد بمقدورهم التحرك من مكانهم، صارت الكرسي، تأخذهم وتعيدهم. تحركهم ذات اليمين وذات الشمال. صار اللبنانيون كراسي متحركة. ضربتهم “القعودية” بضربتها، حتى أصابت منهم مقتلا. فما عادوا يطمحون لرد إعتداء. وما عادوا يطمحون لتحرير البلاد. وما عادوا يطمحون لحرية سليبة. لكرامة مهانة. إرتضوا من حياتهم، العيش ولو على “الكراسي المتحركة”.

اللبنانيون اليوم، ما عادوا يعرفون بالعنفوان. ما عادوا يعرفون بالنسور ولا العقبان. اللبنانيون، جنوا على أنفسهم، فما عادوا يحسبون بين الرجال. ما عادوا يحسبون، أبطال حرية ولا رجال إستقلال. نهشتهم التبعية بنابها. إستلحقوا بأذيال المستوحشين في أرجاء الأرض. وإرتضوا من السلطة بالكراسي المتحركة.

تأملوا معي، صورة الشعب اللبناني الذي يذوق أعظم مهانة ، وهو يخضع للكراسي المتحركة. يذوق أعظم مذلة وهو بجميع سلاطينه، على كراسي متحركة.

تأملوا معي صورة الشعب اللبناني، وهو يسلم قيادة أمره، للكراسي المتحركة. يسلم أبناءه، أحفاده، أجياله، للكراسي المتحركة.

كل شعوب الأرض لها قياداتها من رجالها، إلا الشعب اللبناني، له الكراسي المتحركة. خار الشعب اللبناني. فرغ من قواه الحية. فلم يعد عنده من الأبطال الأشاوس، الذين يثورون لكرامة الوطن. لحرية الوطن. لسيادة الوطن. لعدالة ضاعت تحت ركام الوطن.
لم يعد لدى الشعب اللبناني، من الرجال الأشاوس. رجال يتقدمون الناس، المأزومين باللقمة المرة، لحطم أصنامه. لحطم أوثانه. لحطم سدنته، وكل الكراسي المتحركة.

د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى