السلطة الرابعة وسوء الاستعمال : كوابيسنا وبرامجهم – بقلم: ميرنا قرعوني

أدى دخول الفضاء الالكتروني إلى الإعلام إلى توسيع مساحة الحرية الإعلامية ،و لكننا نلاحظ في الوقت عينه حدوث تراجع كبير في المسؤولية الأخلاقية لوسائل الإعلام الحديثة، فبات كل شي مباحا ومفتوحا و حولت الحقيقة إلى وجهة نظر سياسية خصوصا في غياب التنظيمات والمرجعيات التي تضمن الاحتكام لمعايير مهنية دقيقة في ظروف الأزمات الصاخبة و الحروب والاضطرابات الدموية و في وقت تبدو معه الحروب الأهلية و الفتن المتنقلة مثل الهشيم الذي يكفي لإشعاله عود ثقاب واحد سواء بخبر كاذب أم بصورة مثيرة أم ببيان ملفق.
هنا سؤال يطرح نفسه ألا تعتبر عشوائية التصرف بوسائل الإعلام و الاتصال إساءة لاستعمال السلطة الإعلامية ؟ وماذا لو كانت بعض وسائل الإعلام و أدوات الاتصال تتصرف كسلطة فاسدة لخدمة غاياتها السياسية بفعل انحياز معين لمالكيها أو ارتباط خارجي أو ارتهان مالي ؟
ماذا عن وسائل الإعلام التي تساهم في تأجيج الشارع ، أو حتى إثارة الغرائز الطائفية و المذهبية، وماذا عن الوسائل التي تتعمد حجب حقيقة ما يجري من أحداث وتعمد التركيز على ما يصب في مصالحها ، سؤال يطرح نفسه ولاسيما في ظل ما يجري في بلداننا العربية من حراك شعبي منذ أكثر من عامين ، ويومها بدأت تتكشف السياسة التحريضية التي اعتمدتها وسائل الإعلام في تغطية التحركات، و لكن لن ندخل في تفاصيل ما جرى حينها ، لأنه حاليا ، لدينا في لبنان نموذجا كافيا للدلالة على المخاطر التي يولدها مثل هذا الانحراف في العملية الإعلامية ويطغى عليها بجميع وسائطها حيث تتنافس المحطات التلفزيونية والإذاعية والصحف والمواقع الإلكترونية وأدوات التواصل الاجتماعي في نقل الأخبار بلغة الإثارة و بصورة معلبة مسبقا لاستقطاب اكبر عدد ممكن من المشاهدين عبر استنهاض العصبيات والانقسامات واستنفار الغرائز الطائفية ومن غير أي احتكام لأصول المهنة و للعقلانية التي تفرضها المسؤولية القانونية والأخلاقية على الإعلاميين لجهة موضوعية الخبر واحترام حرية المواطن في الاطلاع والمعرفة وقيادة الحوار الراقي في المجتمع و تنمية أشكال التعبير الحر عن الاختلاف في الرأي بصورة حضارية راقية وهذا يقع في نطاق المسؤولية الرئيسية للعمل الإعلامي.
من المؤسف و المؤلم و المخيف أنك إذا ما تجرأت يوما وقررت الجلوس في منزلك لمتابعة برنامج سياسي ، والاطلاع على ما يجري حولك ، بات عليك أولا التأكد أن أطفالك خلدوا إلى النوم، كي لا يتعرفوا إلى كلمات وشتائم غريبة عجيبة من مداخلات الضيوف الشتامين ، أي المحللين السياسيين و بعض النواب و القياديين، الذين يحللون شجرة العائلة لكل منهم بدلا من تقديم
رؤيتهم حول الوضع السياسي الراهن، فتتحول ليلتك إلى حالة من الصخب المزعج والضجيج الملوث للسمع والذي يخدش الحياء، وقد تحتاج أحيانا إلى خفض مستوى الصوت حتى لا يظن الجيران أن خناقة عائلية قد نشبت في بيتك، وفي نهاية الحلقة إذا قررت المضي حتى تلك النهاية التي قد تكون قذفا لأكواب الماء يدفعك لا شعوريا لاحناء رأسك على الكنبة أو تقاذفا بالسباب وربما عراكا بالأيدي فقد تحتاج لدواء الضغط قبل
خلودك للنوم ، أو إلى حبة منومة كي لا يلاحقك الأبطال في منامك بالكوابيس البشعة

Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development