المقالات

تطبيع العلاقات بين أولي العزم والشعب وتطبيعها بين مكوّناته \ د. حسن محمود قبيسي*\ المصدر: جريدة اللواء

«لو دامت لسواك لما وصلت إليك»

في الفترة بين الفتح العربي لبلاد الشام 12هـ/ 633م – 19هـ/ 640م وتقسيماتها الإدارية في زمن المماليك والعثمانيين بعدهم، انقسمت بلاد الشام بموجب آخر تنظيم إداري عثماني إلى ثلاث ولايات هي: دمشق وحلب وبيروت. واشتملت ولاية بيروت على خمسة ألوية هي: بيروت واللاذقية وطرابلس وعكا ونابلس، وتحوي كل منها أقضية ومديريات. وكان لواء بيروت يضم أربعة أقضية هي: بيروت وصيدا وصور ومرجعيون، مساحتها 4530 كلم مربع. إضافة إلى متصرفية جبل لبنان، أصغرها (3500 كلم2)، وثلاث متصرفيات هي جبل لبنان وكانت تابعة لولاية بيروت منذ تأسيسها عام 1888 على ما يذكر الأمير شكيب أرسلان، والقدس ودير الزور. واستمر معتمدًا في بلاد الشام حتى انتهاء الحرب العالمية الأولى سنة 1918م، وبين تجزئتها دولًا وفق المصالح الأوروبية، سلسلة من التدخّلات. في تلك الفترة تدخّلت الامبراطورية البيزنطية ثم الفرنجة (الصليبيون) ثم أمارة توسكانا ثم الدول الأوروبية العظمى: فرنسا وبريطانيا وروسيا وبروسيا والنمسا، تدخّلت منفردة فمجتمعة فمنفردة في شؤون المناطق التي تشكّل منها لبنان فيما بعد، باقتراح (تشكيل لبنان) من قائد الحملة الفرنسية إلى شواطئ جبل الدروز الجنرال دي بوفوار دو تبول 15/2/1861 وأُعلن في الأول من أيلول 1920 مشكلاً من ولاية بيروت (وقد فُصلت عنها ألوية اللاذقية وعكا ونابلس) وجبل عامل و البقاع بعد فصله عن ولاية دمشق.
كانت الامبراطورية البيزنطية أول المتدخّلين في ذلك الزمن. ولزعزعة الاستقرار في مناطق خاضعة لمعاوية؛ استعانوا بالجراجمة الذين تمورنوا بعدما اندمجوا بالموارنة الذين أسكنهم معاوية بن أبي سفيان في جبل لبنان؛ استجابة لطلبهم باللجوء إلى الجبل سنة 659م لحمايتهم أثناء الخلاف الشديد الذي وقع بينهم وبين اليعاقبة.
وبعد انصياع معاوية لبيزنطة وصلحه معها؛ رفع البيزنطيون الغطاء عن الجراجمة فتمرّدوا على الحكمين البيزنطي والأموي وعُرفوا بالمردة.
بدعم من البيزنطيين، تمرّد البحار الصوري علّاقة عام 996م، عندما ثار الصوريون بقيادته ضد الحكومة الفاطمية. فشلّ تمرّده بعدما أرسل الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله جيشه وبحريته لاستعادة المدينة تحت قيادة أبو عبد الله الحسين بن ناصر الدولة والمحرر ياقوت واستعاداها، في أيار/ مايو 998، وتم نهبها وذبح المدافعين عنها أو تم أسرهم وإرسالهم إلى مصر، حينها تم سلخ وصلب علّاقة حيّاً، بالإضافة إلى أسر 200 بيزنطي.
في 1086 سقطت مدينة صور بأيدي السلاجقة لتخضع لسيطرة الفاطميين مجدداً بحلول سنة 1089.
استقبل الموارنة الحملات الأفرنجية (1096 – 1291) وقدّموا لها كل مساعدة و كانوا أدلّاء المقاتلين الأفرنجة قبل أن ينقلبوا عليهم. اعتبر الملك الفرنسي لويس التاسع الموارنة جزء من الأمة الفرنسية على الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط.
ولتبعية الأمير فخر الدين المعني الثاني لتوسكانة في القرن السابع عشر التجأ إليها (1613 – 1618) هرباً من والي دمشق العثماني. ونالت فرنسا امتياز حماية المسيحيين أيام السلطان العثماني سليمان القانوني، ووضع لويس الرابع عشر (5 أيلول 1638 -1715) موارنة لبنان تحت الحماية الفرنسية. وكتب المطران الماروني نقولا مراد إلى الامبراطور الفرنسي نابليون الثالث سنة 1844: «نحن عبيد جلالتكم». ودعمت فرنسا الموارنة بمواجهة الموحدين الدروز، وساند والي صيدا المقيم في عكا أحمد باشا الجزار مداورة أولاد المير يوسف الشهابي وبشير الثاني الشهابي، ودعمه ضد بشير جنبلاط مع ما له عليه من أفضال. وفيما بعد وقف على الحياد بين نابليون بونابرت والجزار، اصطف وراء محمد علي باشا الألباني حاكم مصر بمواجهة السلطنة العثمانية وانتهى منفياً في مالطة.
وأعدمت السلطنة لبنانيين تعاونوا مع الفرنسيين ضدها. ودعمت بريطانيا زعامات لبنانية بينهم الرئيسين بشارة الخوري ورياض الصلح؛ طالبت بالاستقلال عن فرنسا.


حول عمل عبد الناصر في لبنان

تعاون عبد الناصر مع قيادات وزعامات تقليدية وأخرى أفرزتها الأزمات ومجريات الحوادث، وكلها لها حيثيات شعبية عملت لاستقرار لبنان وتنميته وتطوّره، ودعمت مشروع عبد الناصر التحرري الاشتراكي الديموقراطي في أبعاده المصرية والعربية والعالمية (الكاردينال المعوشي – الإمام موسى الصدر – كمال جنبلاط – صائب سلام – أحمد الأسعد – صبري حمادة – معروف سعد – عدنان الحكيم – وجماعات من المتزعمين على مستوى الحي والقرية، وما خرج من المسيرة سوى سلام).
لم يفرض عبد الناصر لا مباشرة ولا غير مباشرة نواباً ولا وزراء، وإن كان ناخباً أساسياً وشريكاً (غالباً مع الإدارة الأميركية رغم الخلافات السياسية معها) في الانتخابات الرئاسية.
كان الرئيس اللواء فؤاد شهاب الحليف المتقدم في لبنان، فهو مؤسس الجيش اللبناني، وهو لم يقحمه في أزمتي 1948 (بشارة الخوري) و1958 (كميل شمعون)، وكان تفاهم بينهما: لا يتدخّل عبد الناصر في الشؤون الداخلية اللبنانية، ويتبنّى شهاب كل السياسات الإقليمية و الدولية لعبد الناصر.
وقبل الانتقال إلى مرحلة ما بعد عبد الناصر؛ نلفت إلى أن كل من تدخّل في لبنان منذ الفتح العربي حتى زمن عبد الناصر، احتضنوا أو دعموا أو تعاونوا مع زعامات وقيادات لها حيثياتها، وكان في ذلك مصلحة مشتركة لكلا الطرفين.


أما من حاولوا ملء الفراغ السياسي في لبنان بعد رحيل عبد الناصر ونأيّ أنور السادات بمصر عن الأمة العربية، فقد عملوا بثلاثة أساليب مختلفة:

  • عملت «فتح» كبرى منظمات المقاومة الفلسطينية – وبعضها فرّختها أو تبنّتها واحتضنتها أنظمة عربية، لتكون ورقتها في لبنان، على لَمّ وتجميع وتفكيك وتركيب شلل في زواريب وقرى، واهتمت بالتعامل معها أكثر مما تناغمت مع الإسلام السياسي؛ فتلك المنظمات قادرة على الدعم المالي والتسليحي والعسكري والأمني، وعاجزة عن إيصال أي وصولي إلى أي مركز أو منصب سياسي أو إداري.
  • وعمل الحكم السوري من خلال مخابراته والمكلفين بالملف اللبناني من السياسيين أو الحزبيين، على تطويع كل صاحب مصلحة، كبر حجمه أو صغر، وقمع كل معادٍ أو خصم أو معارض، أو حتى غير متعاون. وحاول المعنيون السوريون استحداث حيثيات لسماسرتهم و… تلاشت أو استشرست في عدائها لسورية لا لحكامها فقط، بعد الانسحاب العسكري السوري من لبنان في نيسان 2005.
    من هنا نفهم مسببات العدائية التي تفشّت تجاه الحكم السوري، وانقلاب انتهازيين ووصوليين على من حملهم إلى المجلس النيابي و/ أو الحكومات المتعاقبة. فالوصولي صنيع «أولي الأمر والعزم» سرعان ما ينقلب بمعدل 180 درجة بمجرد ضعفه.
  • وكما تشير الوثائق والكتب الصهيونية، فقد تسابق عملاء العدو الصهيوني (أحزاب ومواطنون من طوائف ومذاهب متعددة) لاستكمال ما قد بدأوه منذ خمسينيات القرن الماضي للاستقواء به، على ما جرت عليه العادات. كانوا الأشرس بين كل التابعين والأسفل والأحط. وبعد التحرير منهم من «تاب» ومنهم من التجأ – بحكم مخفف – إلى سجن احتمى فيه من ردّة فعل فورية، ومنهم من التحق به وما بدّلوا، وما زالوا مصدر معلومات لأجهزته الأمنية – تصلهم من رفاق وأقارب في لبنان.
    وطوال حقبة احتلالهم لم يتكبّدوا أي خسارة مالية يصرفونها عليهم، فقد تركوهم – كما بعض من حكم إجزاء من لبنان وتحكّم وتسلّط على ناسها – «يدبّروا رؤوسهم…».

  • أمسكت قوى التحرير اللبنانية بمفاصل السياسة اللبنانية ولم تحسن الخيارات في معظم الأحيان. شحنت لأسباب متعددة في حافلاتها الترشيحية من لا حيثيات شخصية لهم، أخذوا منها وما اكتسبت منهم إلّا برفع أياديهم وما كلها خيّرة، أو تعالي أصواتهم النشاز. استغنت عن بعضهم واستبدلتهم بآخرين لأسباب متعددة أيضاً.
    كانت وراء الورم السياسي لاستعراضيين تمادوا في طموحاتهم متوهمين أن أولي الأمر السياسي في لبنان سيدعمون ترشيحاتهم من موقع التحالف التبعي، وأحبطهم اختلاف المصالح بين مشغليهم وبينهم، الذي كشفته نتائج الانتخابات، وحينما أمكن الاستغناء عنهم سرعان ما تخلّوا عنهم، تعالت جعجعاتهم وكلها بلا طحين.
    وتحالفت مع قوى فاعلة على رأسها قيادات وازنة، على أساس تفاهمات واحدها كان في السادس من شباط 2006، ولم يعنِ لها أن مواقف عون الطائفية والمعادية للمقاومات اللبنانية كانت وراء ارتفاع نسبة مؤيديه. وعندما انعطف نحو المقاومة الإسلامية سعياً لوصوله إلى قصر بعبدا، خسر أكثر من نصف قاعدته الشعبية، وكان التعويض بتعطّل تشكيل الحكومات لأشهر أكثر من مرة لتوزير صهره جبران باسيل، كما عُطّلت فيما بعد لتوزير وزير جَهد سعد الحريري لعدم توزيره نكاية بخصومه السياسيين السُنّة. ولوصول عون إلى سدة الرئاسة، علّقت الحياة السياسية في البلد أكثر من سنتين ودمّر البلد واقتصاده. وعاد صهره مزايداً على جوارح قطيعه للضغط على أصحاب القرار طمعاً بالرئاسة الأولى.

في كل تقارب أو تعاون أو تبعية أو اصطفاف، كان ولاء فئة واحدة فقط للحاكم أو لذوي النفوذ، أجنبياً أم عربياً أو لبنانياً، وهي الأقلية غالباً، والبقية ضده راضخة إلى حين ظهور من يستنهضها. حتى أن معظم الطوائف الكبيرة استقوت ثم انتكست فاستضعفت… فحق على كل منها: «لو دامت لسواك لما وصلت إليك».
ولأن الاستقواء مرحلة تمتد ما بقي السند داعماً ومشغّلاً، وبرحيله أو ترحيله تملئ قوة – عربية أو أجنبية – أو أكثر الفراغ الذي يتركه، وتتصدر، صار لزاماً للمصلحة الوطنية العامة ولمصلحة المتقدمين بين المتساويين؛ تطبيع علاقاتهم مع كافة المكونات اللبنانية.
تبقى الرؤية السياسية عند أصحاب القرار، المبنية على استيعابهم مفاعيل وتداعيات موازين القوى المتبدّلة والمتغيّرة باستمرار، وصدقية ومعرفة مستشاريهم بدقائق الأمور وتطلّعات الناس وميولهم ومزاجيتهم، والأخلاق والقيم والكفاءة والنزاهة عند المحظيين من جماعاتهم في المؤسسات الرسمية والإدارة، واحترام حقوق المواطن والحفاظ على كرامته استكمالاً لتحرير البلد، معياراً أساسياً للعلاقة بين السلطة والمواطن، بصرف النظر عن قماشة أو موضة أو تصميم أو تفصيل أو لون الزيّ الذي يطلّ به على الناس، والزيّ لباس له دلالته ورمزيته وهيبته وسلوكيته.

  • مؤرخ وكاتب سياسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى