المقالات

لبنان والامة والعالم بين عامين: مرحلة انتقالية وحركة الشعوب تحدد وجهتها بقلم: معن بشور

في اليوم الفاصل بين عامين، يحار المرء بين ان ينظر الى عام مضى ويستخلص منه العبر، أم ينظر الى عام يطل ليطلق لخياله العنان فيما يمكن ان يحمله العام الجديد…
وباستثناء مفاجآت لا تخلو منها الايام، ودون الوقوع في تنبؤات المنجمين ولعبة الابراج والافلاك، نستطيع ان نقول ان بذور العام القادم تقيم بين ظهراني العام المنصرم، وإن ما يحمله الغد لنا إنما تكمن بداياته في الامس.
في ضوء ذلك يمكن ان نستشرف القادم من الايام بحذر وتبصر ومن خلال استعراضنا للراحل من السنين… فنقول مثلاً ان المصالحة في لبنان ستمضي قدماً، سواء في الداخل او مع سوريا، وان الاستقرار مستمر في المدى المنظور، وان اصطفافاً جديداً في التحالفات قد يقوم، دون ان نستبعد  حتما مفاجآت امنية تسعى لخلط الاوراق من جديد او عدواناً صهيونياً  تحاول حكومة نتنياهو ان تهرب عبره من مأزقها المتفاقم، لكن كل هذه التطورات المزعجة لن تغير من مسار الامور في لبنان الذي يمكن القول انه دخل مرحلة جديدة من حياته رغم وجود نتوء من هنا او نتوء من هناك.
في فلسطين سيتضح انسداد الافق لما يسمى بالتسوية السياسية اكثر من اي وقت مضى، وستتسع ميادين المواجهة وعناوينها على امتداد فلسطين كلها، من مواجهة للحصار والعدوان المحتمل في غزة الى مقاومة تهويد القدس، الى رفض الاستيطان الاستعماري الى مناهضة جدار الالتهام والتهجير العنصري، الى التضامن مع اكثر من 11 الف اسير، الى فضح التمييز العنصري ضد عرب فلسطين 48، فتبقى فلسطين  بذلك عنواناً يومياً في اخبار المنطقة والعالم، ويزداد انكشاف الصامتين والمتخاذلين والمتواطئين من مسؤولين فلسطينيين وعرب، ويعاد تشديد ارتباط ابناء الامة واحرار العالم بالقضية المركزية التي حاول الاعداء عبر نصف قرن ونيف فك ارتباط الامة بها، وتشدد الضغوط لانهاء الانقسام الفلسطيني على قاعدة المصالحة والمقاومة والمشاركة والمراجعة باعتبارها طريق الخلاص للفلسطينيين، وسيكون للجبهة القانونية والعالمية في هذا العام دوراً كبيراً مما سيؤدي الى المزيد  من احكام الحصار على العدو والمحتلين عموماَ.
اما على صعيد المنطقة،، فنستطيع القول ان العراق سيشهد المزيد من الافول والتراجع للمشروع الامريكي، والمزيد من التمزق والانسداد امام المشروع الطائفي، والمزيد من الهزيمة والخذلان للمشروع الفدرالي، وسيسعى اعداء العراق الى الانتقام من العراقيين لفشل مشاريعهم عبر سفك المزيد من الدماء، واعداد المزيد من التفجيرات، ولكن النتيجة السياسية لكل هذا لن تكون سوى المزيد من الفشل  للمحتل واعوانه ، والمزيد من التأكيد ان ما جرى في ربيع 2003 للعراق جرّ الوبال عليه من كل جانب وعلى مستوى.
في افغانستان، ومعها باكستان، سيزداد المشروع الاطلسي عموماً، والامريكي خصوصاً، تخبطاً وتأزماً، فإما ان تمتلك ادارة اوباما الجرأة الكافية لانقاذ نفسها وبلادها ومستقبل دولتها الكبرى فتنسحب من المنطقة تاركة اياها لاهلها يديرون شؤونها بانفسهم، واما ان تكابر وتتورط اكثر فيكون لذلك تداعيات اخطر من تلك التي اطلقتها حرب فيتنام في اواسط الستينات واوائل السبعينات من القرن الماضي، لأن الولايات المتحدة اليوم هي باقتصادها ومجتمعها والتحديات التي تواجهها اكثر هشاشة بكثير، واكثر استعداداً للتصدع من الولايات المتحدة قبل 35 عاماً.
اما على صعيد الامة، فالصراع سيبقى مستعراً بين مشهد الصمود والمقاومة على المستوى الشعبي ومشهد التخاذل والتواطؤ على المستوى الرسمي، وسيكون للصراع ساحاته العديدة، سواء داخل الاقطار او بينها، في محاولة لايقاف حركة الوعي المتنامي في الامة، عبر تغذية كل العصبيات والنعرات الضيقة والمدمرة، وعبر محاصرة حال المقاومة المتصاعدة والمربكة للمحتل وللساكتين عنه .
ان حسم هذا الصراع لن يكون خلال العام القادم، الذي قد يشهد اغلاق بؤر راهنة او افتتاح بؤر جديدة، لكن هذا الصراع سينحو اكثر فاكثر لصالح خيار الشعوب على حساب سياسات الانظمة، فحين تتسع الهوة بين الشعوب والحكام، علمتنا الايام ان الشعوب تبقى والحكام يزولون، وكلما ابتعد حاكم عن شعبه كلما اقترب من نهايته.
عالمياً، سيستمر النظام العالمي الجديد بالتغير لصالح علاقات اكثر توازناً، واكثر تعددية، فتتراجع الاحادية القطبية الامريكة ولكن ليس بالضرورة لصالح الشعوب، لان تقاطع مصالح الدول  الكبرى قد يؤدي الى وقائع اكثر خطورة من الوقائع التي ادى اليها نظام الاحادية القطبية . الامر كله يتوقف حول الدور الذي يمكن ان تلعبه حركة الشعوب في المنطقة والعالم من اجل تشكيل قطب اقليمي ودولي خارج الدول الكبرى يشاركها القرار، ويمنعها من الاستئثار، ويحول دون صفقات تعقد على حساب الشعوب الصغيرة…ولنا فيما جرى في كوبنهاغن في قمة التغيّر المناخي انصع دليل على استهتار الكبار بمصالح الصغار من الامم والشعوب.
كان العام 2009 عاماً انتقالياً بكل المعايير، ولن يكون العام القادم بمختلف عنه لا في الشكل ولا في المضمون، فالعالم كله في حال تغيّر، وامتنا ليست خارج هذا العالم، لكن سرعة التغير ووجهته تحددها اولا واخيراً ارادة الامم وحركة نضال الشعوب…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى