المقالات

على الحدود – د. قصي الحسين أستاذ في الجامعة اللبنانية

كنت واعيا تماما لخط الحدود المرسومة من البقيعة اللبنانية، حتى أكروم و القصير وبلدةالقصر، قبيل الهرمل بقليل.
كانت هذة الحدود قبل ثورة- 58، لم يطأها الجند. وكان الأمن مستتبا لأقصى الحدود. وكان مخفر وادي خالد، أومخفر أكروم،عناصرهما التي لا تزيد على دزينة واحدة. كان عتاد العناصر الستة في كل مخفر: ستة خيول وستة بنادق غير أوتوماتيكة، وستة مسدسات، وست سنكات ورشيش واحد.
كنا ندخل إلى المخافر، وكأننا ندخل إلى المدرسة. وكانت عناصر الدرك أشفق علينا من الأهل والمعلمين والمربين.
حتى الآن لا أجد تفسيرا لذلك. سوى أن هذة التربية للدرك، وريثة الفرنسيين وآدابهم مع المدنيين.
سمعت من والدتي مرة أطال الله بعمرها، وكانت فتاة بعمر الستة عشر عاما، أنها نزلت إلى حانوت والدها وحدها على درج القبة بطرابلس، إلى جسر نهر أبو علي، بإزاء باب التبانة، فمرت قبالة شرطي سنغالي، حاول التحرش بها. أسرع إليه الشاويش الفرنسي، ونهره بالفرنسية، وتحدث معه بلغة التأديب القاسية.
كان الدرك في أيام الرئيس كميل شمعون، قريب عهد بالثقافة الفرنسية وبالآداب المسلكية الفرنسية وبالتقاليد الفرنسية، وبالتعاليم الفرنسية، لأسلاك الشرطة والأمن الداخلي.
ظلت هذة الآداب المهنية السلوكية ، تحكم نفوس رجال الدرك. وكان من يأتي من الأهالي إليهم، للشكاية من أي نوع من الإعتداءات، على الحقوق وعلى الكرامات، يجد أذنا صاغية من رئيس المخفر، ووداعة وطيبة ووصاية أبوية.
حدثني مرة الصديق الأستاذ نبيل فرج، أن والده، وكان شاويشا في مخفر التل بطرابلس، تعرف إلى مطلوب في محل الحداد الحلواني المشهور في ساحة النجمة. كانت له صورة معلقة على لوحة المطلوبين في مخفر التل، فأمسك به، وإقتاده بنفسه بهيبة الكرباج. وأن نساء بلدة “دوما” في البترون، كانت تأتي إلى مخفر دوما، يشتكين رجالهن، المولعين، بلعب القمار، في أحد البيوت، فيسرع إليهم، ك”رمح عنترة” يلقى بهيبته الرجالا وبيده الدرة، ويمسك بهم، ويسوقهم كلهم بمفرده إلى المخفر، مثل التلاميذ الصغار.
كانت دورية الدرك على الحدود، من البقيعة حتى بلدة هيت والقصير والقصر والهرمل، تخرج من المخفر بعنصرين، مشاة إلى مسافة خمسة كلم، أو على الخيل، إذا كانت المسافة تزيد عن ذلك.
كانا يداهمان مطلوبا بسرقة نعجة، أو خم دجاج لأرملة. أو مطلوبا آخر دخل بستان أو حقل جاره خلسة، وحمل منه بسلة أو كيس. وكانا يلاحقان المطلوب، إلى داخل الحدود، فيعاونه رجال المخفر السوري، ويلقون القبض عليه، لحفظ هيبة الدولة وحفظ الأمن في البلدين.
كانت لنا “المغراقة”، بعشر كدنات فلاحة/ تعادل ثلاثين دونما، على المفرق بين البقيعة ووادي خالد. وفوقها مباشرة تل التين.
تل بعلو مئة متر، مشرف على سهل البقيعة وحارس له، ولا تل سواه في وسط السهل. وكانت الينابع تتدفق منه من جميع الجهات.
كنا نلتقي بدرك وادي خالد ودرك مشتى حسن، يربطون جيادهم الأربعة، باشجار التين، ويعلقون بنادقهم على غصونها، ويفرشون الزاد والشراب وهم على مقاعد قديمة من الحجارة الكبيرة ويضرمن الجمر في الأسافي العيقة ويجلسون إلى السفافيد للشواء. كنت أسمعهم يشرحون لبعضهم: كيف يتفجر الماء من أعلى التل، ويسقي السهل. فيتدخل والدي: لا بد أن القدماء جروا إليها الماء من نهر الصفا بوادي خالد. لقلعة تظهر حجارتها الكبيرة، كانت على التل، تحرس السهل والدروب والمفارق.
كانت الدروب والسكك هناك للقوافل.
وفي العام1956, وصلت السكة من بلدة عندقت إلى خط طرابلس حمص في البقيعة.
كانت الطريق القديمة، تمر في الجبل الغربي تصل إلى الموقف في البقيعة وتنحرف بعد ذلك لتصل إلى جسر العريضة، ويسلك الأهالي من هناك، إلى تلكلخ و قرية “العامرية” و”العكاري” تحت جبل “الشعرى”. ومعظم سكانها لبنانيون منذ إحصاء العام1932. وأراضيها املاك للدنادشة اللبنانيين.
كان الكومندان الفرنسي، يتخذ من بلدة تلكلخ قبالة حصن الأكراد، مركزا إداريا وعسكريا، للإشراف على المنطقة كلها، في إستدارة النهر الكبير إلى البحر، آتيا من تحت أقدام جبال عكار والقموعة، في “رجم بيت خلف”، المميزة بحرج كبير من السنديان المعمر، قبل الإنطلاق إلى “حارا بعارا” وحنيدر. و بالإضافة إلى بلدات: قرحا
والجوبانية-(السورية) وكنيسة المشاطئات لبحيرة حمص.
كانت تطالعني “حارا بعارا”، قبل الوصول إلى بلدة حنيدر. هي أطلال بلدة. كنت أنظر إلى حجارة منازلها المكومة على الأرض. وقفت مرة على أطلالها المدهشة وأنا صبي في العاشرة، أتحدث مع صبي مثلي، يرعى قطيعا من الأغنام على تلالها الخضراء.
أقلت دابتي من مشقة السفر إلى هناك، بعد أربع ساعات، تحت سنديانة يتيمة كثيفة الظلال. وإستأنست بالراعي الصغير من عمري. قدمت له عنقودا من العنب، كنت أحمله معي في صندوقتين صغيرتين لبيعه في قرى الوعر. أخذ بيدي ومشى أمامي، يدلني على طلل كنيسة بيزنطية إتخذت من الحجارة السوداء، لا تزال بوابتها بصليب عتبتها كما هي، مرمية على الأرض. وعلى مبعدة منها جرن المعمدان الكبير من الحجر الأسود أيضا، مثقوب في بطنه، يبكي سواد ليله منذ زمان بعيد.
كان هذا، وصولي الأول إلى هذة المنطقة. إندهشت للوهلة الأولى أمام الراعي الصغير، الذي يقتفي الأثار مثلي في المنطقة، ويقف عليها ويقيل قطيعه في ظلالها.
مشى أمامي، إلى قرية “حنيدر” بجوار “حارا بعارا”. كانت دهشتي عظيمة وأنا أقف على مدينة مهجورة، مبنية من الحجر. بسقوفها وأبوابها وشبابيكها وأسواقها، قبل جدرانها، تماما مثل مدينة “أوغاريت” على البحر شمالي اللاذقية. أمسك الراعي الصغير بالباب الحجري الضخم، وأنا أساله من فرط تعجبي،: كيف يتم إغلاقه. فحركه بكفه. وأراني كيف يتحرك، بإسفينين حجريين بارزان منه ، من فوق ومن تحت.
سألت الصبي عن بلدة قرحا. فدلني على الطريق. فتوجهت إليها. ومن بعيد رأيت كلبين يخرجان إلي، فيستبقهما رفيقاي من آل عبيد: علي ومشهور. زملائي في مدرسة شدرا.
نفذت بضاعتي من العنب، بوجود علي ومشهور فورا. ودعوني إلى تكرار زيارتي لقرحا، كلما سنحت الفرصة.
كانت بلدة كنيسة على مرمى نظر من قرحا. كان سكانها من عرب وادي خالد. وكانت من الحجر أيضا، بسقوف حجرية قديمة وسقوف من اللبن المحدث.
كان الفرنسيون قبل الجلاء بقليل، يشقون الطريق، من العريضة الغربية إلى البقيعة اللبنانية، قبالة تلكلخ. رصفوها بالحجارة، دون تعبيد بعد وصولها إلى جسر العريضة قبالة جبل الشعرى وتلة البراغيت. وكانت تعرف ولا تزال، ب “إكس دينار”.
ورسم الفرنسيون الطريق من وادي خالد، إلى قرى الوعر اللبناني قبالة الوعر السوري، وجعلوا له علامات ، تهدي الباحثين عن الحدود قبالة شاطئ بحيرة حمص، وصولا إلى بلدة هيت والقصير وأكروم. كان ذلك كله الوعر، فلا لبناني ولا سوري حتى بعد رسم الحدود
كان الأهالي السوريون واللبنانيون، يعرفون هذه الحدود ولا يهتمون لها. فقد تعودوا التبادل التجاري، وتداول المراعي، والدخول والخروج إلى حمص.
كانت مدينة خالد بن الوليد البزنطية هذة قبل الفتح، المشاطئة بأراضيها المترامي للبحيرة، هي المدينة الوحيدة للسهل والوعر في ذلك المنقطع من الأرض.
وإلى الشرق من حمص بإتجاه البادية، وعلى بعد مئة وخمسين كلم، تقع مدينة تدمر الرومانية، المشهورة بقلعتها ومدرجاتها. وبحمامها ومدرجاته في الصخر تحت الأرض، والمشهور هو أيضا، بمياهه المعدنية الساخنة.
إبتدأت معرفتي بهذة المنطقة الحدودية وأنا في العاشرة من عمري، ولم أتوقف عن التردد إليها، إلا بعد عسكرة الحدود.
أذكر أن آخر زيارة لها، حين إصطحبت الدكتور خليل الدويهي معي. قصدنا يومها القيام بزيارة المختار أحمد عبد الحميد الخالد، والد العميد باسم الخالد.وكان صديقا عزيزا مشتركا بيننا. تعرف إليه لساعة في منزلي بطرابلس، ولم ينسه بعد. كان الدكتور خليل الدويهي يسالني عنه دائما. وجد فيه رجلا بلديا متنورا.
إحتفى به المختار حفاوة بالغة، وتذاكرا معا لقاءهما اليتيم في بيتنا. وخرجنا نأخذ طريقنا، إلى جسر العريضة، لنرى كيف قطعه الأمن السوري، وسده بالأتربة، في مبتدأ الثورة السورية عام 2011. ثم زرنا جسر قمار ووقفنا على سده بالأتربة أيضا للسبب عينه.
وأخذنا الطريق المعبدة، إلى وادي خالد، وحنيدر وقرحا، ووقفنا هناك قبالة بحيرة حمص المدهشة للمرة الأخيرة. وكان الجيش اللبناني، ينشط على الحدود بالدراجات، لمنع دخول المسلحين، إلى سورية هذة المرة، ولا يأبه للنزوح إلى الداخل اللبناني، عرفانا بالجميل، لحرب تموز في العام 2006.
الحدود هادئة، في أيام السلم. قلقة في أيام الثورات، إن في لبنان أو في سوريا. ومقلقة في أزمنة المعسكرات الإقليمية والعربية والدولية.
وأما الحديث عن ضبط الحدود، بطواقم الأمم المتحدة، فقد جربه لبنان في ثورة-58، وطافوا بسياراته وطوافاتهم على الحدود.
كتا نلاقي طوافاتهم على البيادر، ونقوم بالنزهات فيها فوق القمم، وفوق الوعر وفوق النهر. وكنا نلاقي سياراتهم بعلمها الأزرق المرفرف وجندها من المراقبين الدوليين التابعين للأمم المتحدة بقبعاتهم الزرق، في مقدمة أولى وفي تجربة أولى للتعرف عليهم، بعد عشر سنوات، على الحدود الجنوبية، في رأس الناقورة وعلى مفرق صريفا- طير فلسيه. وقبالة مزارع شبعا.
هل نتحدث، عن فارق الحدود هنا وهناك. وهل نتحدث عن فارق المهام الموكلة، للضبط في حدود الجنوب، وللزمط ب في حدود الشمال. هل نتحدث عن فارق الغايات لدى القبعات.
هناك القبعة، وهنا القبوع، والفرق كبير بين المعنيين وبين الهدفين وبين الغايتين. كيف ترفع القبعة، وكيف تضع القبوع. وكيف أن قوات الأمم المتحدة لا تعتمرها على الحدود، إلا لغاية في نفس يعقوب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى