الفكر الغربى والمرأة

بقلم :الدكتورة عزيزة عبد المنعم صبحي استاذ المساعد بجامعة الإسكندرية
تظل قضية المرأة الموضوع الأكثر أهمية والأكثر إشكالية و الأكثر جدلاً، تلك القضية التى كانت وما زالت مطروحة وبشكل ملح على الساحة الثقافية. كذلك تظل إشكالية المساواة بين الرجل والمرأة محلاً لجدل كبير بين مؤيد لتلك المساواة و معارض لها. حقيقة الأمر أن هذا الجدل ليس قائماً فى العصر الحديث بل كان له أصوله فى الفكر الغربى القديم، بل وأرى أن الثقافة الغربية متمثلة فى مفكرى اليونان القدامى هى أكبر مرسخ للفكر الذكورى، بل وهى المسؤلة عن الخطاب العربى عن المرأة ، وذلك لأنها الأكثر تأثيراً فى العقلية العربية والإسلامية. تلك الثقافة التى تغنى بها المفكرون والفلاسفة ، بل واعتبروها أكثر لحظات التاريخ إشراقة.
إن قضية المرأة ومساواتها بالرجل ، وإن كانت تضرب بجذورها عمق التاريخ الإنسانى، فإنه قبل ظهور المجتمع الذكورى الأبوي، وفى مرحلة من مراحل التاريخ البشرى كان هناك ما يسمى بالمجتمع الأمومى الذى احتلت فيه المرأة مركز السلطة والنفوذ، حيث كانت المرأة وحدها – كما تصور العقل فى تلك الحقبة – هى المسؤولة عن عملية الإنجاب، ظل هذا التصور قائماً إلى أن انتقل الإنسان من حال الزراعة إلى حال تشكل المدن الكبرى، ثم أدرك الرجل دوره فى الإنجاب وبدأ المجتمع الذكورى فى الظهور، وهو مايسمى بالإنكسار التاريخى للمرأة…… إذن تبادل التاريخ السلطة والنفوذ بين هيمنة المرأة حيناً وهيمنة الرجل أحياناً كثيرة.ولقد تنامى هذا المجتمع الذكورى بتأثير آراء مفكرى الغرب القدامى، بداية من أسطورة “بانادورا” التى كتبها شاعر اليونان هزيود، ليشرح فيها كيف خلق جنس النساء، فالمرأة هنا لم تأت من ضلع الرجل كما هى الحال فى اليهودية والمسيحية والإسلام. وإنما خلقها كبير آلهة اليونان لينتقم بها من جنس البشر ،وتصور هذه الأسطورة كيف تآذرت جهود الآلهة لإمداد هذه المرأة بكل صفات الدهاء ثم أرسلت إلى الأرض لتكون مصدراً لشقاء البشر.
ظلت هذه النظرة الدونية للمرأة قائمة لحقب زمنية طويلة. إلى أن أكدها أفلاطون بموقفه المناهض للمرأة، رغم أنه استخدم المرأة لتحقيق حلمه السياسى الكبير، وأقر أنه يمكن لها أن تكون حارسة فى جمهوريته أو حتى فيلسوفة، لكنه أقر أن الاختلاف بين الرجل والمرأة هو اختلاف فى الدرجة لا فى الطبيعة، بمعنى أنه إذا كانت هناك أفضلية بينهما، ستكون حتماً لصالح الرجل.أما أرسطو فذهب إلى ماهو أبعد من هذا حيث انتصر للحتمية البيولوجية، بل وفسرها كيفما أرتأى، فأكد أن الجسد الأنثوى ناقص وضعيف ، والمرأة أقل ذكاءاً من الرجل لأن حجم المخ لديها أصغر منه عند الرجل…… والغريب واللافت للنظر أن هذا هو ما أكده مبحث علمى مهم فى القرن التاسع عشر “الكرانيولوجى” أى علم قياس الجمجمة. الذى ربط بين الذكاء وحجم الجمجمة، وفى هذه الحال تكون الأفضلية العقلية للرجل، وظل هذا التصور حتى موت أينشتين، وهو الأكثر ذكاءً، ووُجِد أن حجم مخه أصغر من الحجم الطبيعى…. هذه هى الثقافة الغربية فى طورها الأول وهذه هى نظرتها الدونية للمرأة والتى تسيدت الفكر البشرى ربما وصولاً إلى يومنا هذا.وتناهض أية محاولة للمساواة بينهما. ،ما أعنيه بالمساواة ليست المساواة المطلقة ،وليست المساواة الشكلية أو حتى البيولوجية ،فهذا أمر يتناقض تماماً مع ملاحظاتنا الواقعية للاختلافات الواضحة بين الذكور والإناث ،وإنما ما أعنيه من المساواة هو حق تقدير الذات الأنثوية واحترامها،احترام العقل الأنثوى،تقدير المواهب الأنثوية، لا البخس من قدرها ،لأن العالم الذى نحياه لا يمكن أن يعتمد على جانب أحادى فقط ،ولا يمكن أن نحياه بالحزم والغلظة والتعقل الصارم فحسب، وإنما نحياه فضلاً عما سبق، بالعاطفة والرقة والمرونة والإحساس ،أى أن الجانب الأنثوى هو المكمل للجانب الذكورى، وربما ترجع أغلب مشاكل العصر الحديث من تشيوء وعنف وإرهاب ترجع إلى افتقادنا نحن البشر إلى الجانب الأنثوى فينا.
يجب أن نعى جيداً أن الاختلاف بين الذكور والإناث هو دور فرضته التنشئة الثقافية والاجتماعية لا الشفرة البيولوجية ،ويجب أن نعى أيضا أننا نحن الإناث محكومات بالهيمنة الذكورية، وما أملته علينا من أفكار حتى عن ذواتنا،فالأنثى لا تتخلص بأى حال من الأحوال من تلك الهيمنة والمتجسدة فى ذكر ما قد يكون أباً أو زوجاً أو ابناً أو حتى فكراً أو تقليداً وعرفاً وضعه الذكور عنا،ولا أخص بذلك مجتمعاً عن آخر شرقياً كان أم غربياً إلا أن تلك الهيمنة ربما تكون أخف وطأة فى المجتمعات الغربية .
إن التساؤل الذى يفرض نفسه وبقوة فى هذا السياق :هل تُعد تلك العنصرية رغبةً أم دافعاً سيكولوجياً أم ميلاً عقلياً ملازماً لطبيعتنا نحن البشر ؟ أعنى أنه لابد من وجود أفضلية مزعومة بين الغرب والشرق، بين القديم والحديث ، بين مختلفى اللون والدين والعرق، بين الذكور والإناث. فلمّ نفكر بهذا المنطق العنصرى نحو الآخر إنساناً كان أم ديناً أم فكراً أم نوعاً؟ ويظل التساؤل أفقاً رحباً للعديد من الإجابات التى قد تكون عقائدية أو سيكولوجية أو فلسفية.
وللحديث بقية


Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development