الأخبار اللبنانية

الرهبانية الأنطونية تودّع الأب اشعيا العكاري

ودَّعت الرهبانيَّة الأنطونيَّة المارونيَّة الأب أشعيا العكاري الذي تُوفيَّ يوم الأربعاء ١ آب ٢٠١٢ إثرَ نوبةٍ قلبيَّةٍ حادَّةٍ عن عمر ٥١ سنة.  أُقيمت الصلاة الجنائزيَّة لراحة نفسه في كنيسة دير مار روكز – الدكوانة، مركز الرئاسة العامة عصرَ الخميس ٢ آب ٢٠١٢. شاركَ بالجنَّاز إلى جانب الرئيس العام الأباتي داود رعيدي، صاحبا السيادة المطران سمعان عطاالله راعي أَبرشيَّة بعلبك دير الأحمر المارونيَّة والمطران موسى الحاج رئيس أساقفة حيفا والأراضي المقدسة، والآباء المدبّرين والرهبان والكهنة والراهبات والأهل، والنائب إبراهيم كنعان والوزيرة السابقة نايلة معوض، وحشدٌ كبيرٌ منَ الأَصدقاء والمحبِّين الذين توافدوا من بلدة رشعين، مسقط رأس الأب أشعيا ومن مختلف الرعايا التي خدَمها خلالَ حياتِه.
بعد تلاوة الإنجيل المقدس، ألقى الأباتي رعيدي عظةً قال فيها:
“تشتاقُ وتذوبُ نفسي إلى ديارِ بيتِ الرب” (مز ٨٤، ٣). بهذه الكلمات نودِّعُ اليوم الراهب الأنطوني أخينا الأب أشعيا العكاري، ونحن نستعدُّ لتجلِّي الربّ. لقد كمَّل في مَوتهِ، قبلَ أيِّ راهبٍ مِنَّا، قولَ سِفرِ الحكمة: “بلغَ في أيَّامٍ قَصيرةٍ، شَيْبَةَ حياةٍ طويلة” (حكمة 4، 7)…
في رَهْبَةِ هذا الموقف الجَلَلْ، نشعرُ بانتماءٍ أكبرَ إلى الأُلوهةِ التي نعيشُها حياةَ رَحمةٍ وبذلِ ذات، إنْ عَبَّرتْ عن شيءٍ فلِكَيْ تقولَ للعالم: بأنَّ اللهَ هو الكلُّ في الكُلّ، وهو مُكمِّلُ وجُودِنَا ومعنى حياتِنا، هو الألفُ والياء، والأوَّلُ والآخِر، البدايةُ والنهاية (رؤ ٢٢، ١٣)…
أبونا اشعيا، النشيطُ الغَيورُ في عَمَلِه الروحيّ والرسوليّ، يترُكُ لنا اليومَ هذه الرسالةَ، ويُضيفُ بانتقالهِ إلى بيتِ الآب، مَعنىً لحياتِنَا، لكأنَّ سَعْيَهُ ينتقلُ اليومَ إلينا، ليكمِّلَ في كُلِّ واحدٍ منّا التزامَهُ وتكرُّسَهُ، ولكي يُخرِجَنَا من رَتَابةِ حياتِنَا اليوميّة، ومنَ الاعتِيادِ على نَهجِ العالَم، في الوقتِ الذي يَدعُونا فيه يسوعُ المسيحُ إلى نهجٍ آخَر… هذهِ الرسالةُ لا يتركُها لنا اليومَ الأب أشعيا كرهبانٍ فقط، إنما يتركُها أيضاً لأُمِّه وإخوتِهِ وأخَواتِهِ وعِيالِهم، الذينَ كانَتْ تملؤُهُمُ الغِبطَةُ في تكريسِ ذاتِهِ للربّ. لأنَّ هذا الراهبَ، بقَامتِهِ الممشوقَةِ، كانَ مَصْدَرَ فَرَحٍ وفَخْرٍ لهم، كلَّ مرَّةٍ زارهُم أو
إلتقَاهُم، يَرَونَ فيه ما يُريدُ أنْ يُقدِّمَهُ كلُّ واحدٍ منهُم للرَبِّ، وكأنَّهُ التقدِمَةَ عَنْهُم وعن ذاتِهِ. ونحنُ اليومَ معهُ نقومُ بفِعْلِ التقدمَةِ عَيْنِها، لأنَّهُ سَيبقى ماثِلاً أمامَكُم وأمامَنا، يرفعُ قُلوبَنا إلى الله، ويحثُّنا على حَياةٍ تَليقُ بانتمائِنَا للمَسِيح، يَشُدُّنَا لنعيشَ كأبناءِ الملكُوت، أبناءِ العطاءِ والرجاءِ والقيامة.
الأب جورج ليشَع عكاري من مواليد رشعين بتاريخ ١٠ كانون الثاني ١٩٦١، دخلَ الرهبانيَّة الأنطونيَّة بتاريخ ٢٢ تشرين الثاني ١٩٨٦ وأخذَ إسم أشعيا. سيمَ كاهناً بتاريخ ١٣ آب ١٩٩٤ في كنيسة دير مار الياس – أنطلياس، بعد انتهائِه من الدروس اللاهوتيَّةِ والفلسفيَّة مِن جامعة ليون الكاثوليكيَّة في فرنسا. تابعَ اختِصاصاً في التنشئَةِ الرهبانيَّةِ في معهد سيفر في باريس.
عاش أخينا الأب أشعيا العكاري حياتَهُ الرهبانيَّة في سَعيٍ حَثيثٍ لاقتناءِ الفضيلةِ والتضحيةِ والعَطاء. عاشَ تجرُّداً لافِتاً في إعلانِ الرسالة، فلم يكُن يَهُمُّه المكانُ لِيقُومَ بعملِهِ، بل كانَ لاندفاعِهِ ومحبَّتهِ ليسوعَ، المكانَ الأوّلَ في إعلانِ كلمةِ اللهِ بنشاطٍ وغيرةٍ لافِتَة. فكان مُستعدًّا دوماً لكُلِّ الخِدْمَاتِ التي تُطْلَبُ منهُ على مُختلفِ الـمُستويات، مُظهِراً تجرُّداً قلَّ نظيرُه في علاقتهِ بالأهلِ والأصدقَاء، فلم يكُنْ يُثنيهِ شيءٌ عن اتِّباعِ المسيحِ أينَما دعاهُ: مِنْ أنطلياس، إلى الرسالةِ والتعليمِ في السودان، إلى مسؤوليَّةِ النشءِ في دير مار أشعيا مع الإخوةِ المبتدئين، وفي دير مار أنطونيوس شابونو في فرنسا مع الإخوةِ الدارسين، ثمَّ إلى كندا، فمار يوسف زحلة، فمار عبدا المشمّر ورعيَّة زكريت. عَمِلَ حيث عُيِّنَ بتَفَانٍ وحُضُورٍ لافتٍ، وتركَ أثرَهُ الروحيَّ والرسوليَّ على الكثيرِ من الرُهبانِ والمؤمنين، الذين رافقوُهُ وتعاوَنُوا مَعَهُ، وما هذا الحضورُ اليوم سِوى وقفَةَ وفاءٍ لأخينا الراحل وشهادةٍ على عطاءاتِه وتفانيه.
لم يكن للأب أشعيا وقتٌ ضائِعٌ أو حَائِرٌ بل كلُّ أوقاتِه مليئة بالنشاط والخدمة والصلاة والكتابة. عاشَ أشعيا ستَّةً وعشرينَ سنةً من التكرُّسِ في الرهبانيّة الأنطونيّة، وكان إسهامُهُ جليَّاً فيها، وهو الحاضرُ الدائمُ لحياتِها وعمَلِها، وقد أغنى المكتبةَ الأنطونيَّةَ بعدَّةِ مؤلَّفاتٍ تطالُ تاريخَ الرهبانيَّة وأديارَها، بخاصَّةٍ كتابُهُ عن معنى التاو – الرمزُ الأنطونيّ بامتياز، وكتابُهُ عن عمَلِه الرسوليّ في السودان، فتركَ فيها خبرتَهُ لنا وللأجيالِ الآتية…
أتقدَّمُ بالتعزية بَنوعٍ خاص مِن أُمِّهِ الثَكلى على فَقْدِه، ومن إخوَتِهِ وأَخواتِهِ وعائلاتِهم، وأتوجَّهُ بالتعزية لإخوتي الرهبانِ الذينَ أدعوهم لنُتابِعَ مسيرةَ إيمانِنَا وتكرُّسِنا، ووعيِنا لحضُورِ الربِّ في حياتِنا لأنَّهُ البدايةُ والنهاية وإذْ نُصلّي الآن إلى الله لكي ترافقَ ملائكتُهُ هذا الوجهَ الرهبانيّ والكهنوتيّ إلى الأَخدارِ السماويَّة، نتضرَّعُ إلى الربِّ بحرارةٍ، لكي يُرسِلَ إلى كنيستهِ وإلى رُهبانيَّتِنا الأنطونيّة دعواتٍ مُختارةً ومقدَّسةً على مثال الأب أشعيا الذي أخلَصَ لربِّهِ ولكنيسَتِه وللرهبانيَّة طوال حَياتِه. نَرفعُ قُلوبَنا إليه تعالى ليُخْرِجَنا مِنْ عَالَمِ الزوالِ، إلى عالمِ البقاء في حضرةِ الثالوثِ الأقدس في السَمَاء. للربِّ المجدُ وعلينَا رحمتُهُ الآنَ ودائماً. آمين”.

بعد الصلاة الختاميَّة، ألقى الخوري جان يمّين، إبن بلدة زكريت، كلمةَ شكرٍ وتقديرٍ للراحِل، بإسم أَبناء الرعيَّة التي خدمها في السنة الأخيرة من حياته.
وفى ختام مراسم الجنَّاز، تم التطواف بجثمان الأب أشعيا محمولاً على أكتاف إخوته الرهبان والكهنة حول المذبح المقدس ثم شُيّع في موكبٍ مهيبٍ إلى مدافن الدير.
وكان الرهبان الأنطونيّون قد توافدوا منذ الصباح للصلاة ولإلقاء نظرة الوداع على جثمان أخيهم الراهب الأب أشعيا الذي سُجّي في الكنيسة، وتناوبَ الكهنة على الإحتفال بقداس المرافقة على مدارِ الساعة لراحة نفسه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى