المجتمع المدني

منتدى شاعر الكورة الخضراء عبدالله شحاده الثّقافي يكرّم العلامة الشاعر الدكتور ياسين الأيّوبي في الرابطة الثّقافيّة

في أجواء راقية ، مميّزة وشغوفة اشتاق إليها نبض الحياة الثقافيّة ، وَفَدَ إلى فيحاء النور، مدينة العلم والعلماء، الى الرابطة الثقافية سرب من المحتفين من سائر أطراف لبنان ليشاركوا منتدى شاعر الكورة في تكريم المحتَفى به العلامة الشاعر الدكتور ياسين الايوبي بحضور قامات أدبيّة، ثقافيّة واجتماعيّة كبرى، وبرعاية وزارة الثقافة اللبنانيّة وبالتعاون مع الرابطة الثقافيّة وجمعيّة الوفاق الثقافيّة، استهلّت الأديبة مشلين بطرس الحفل بهذه الكلمات:
“عندما يعصوصف فينا حبّ الوطن نكون نحن الوطن، لذا سنبدأ مع النشيد الوطني.
بدايةً أرحّبُ بكم أفضلَ ترحيبٍ، وأشكرُ لكم حضوركم قامةً قامة. ضيوفُنا الأكارم، كُتّابُنا الكبار، شعراؤنا المبدعون، فنّانونا المتميّزون، أهلاً بكم ومرحبًا بالنور الذي سطع بمجيئكم.
اسمحوا لي بأن أستهلّ كلمتي بتوجيه باقةٍ من الشكر والتقدير إلى صديقتي المبدعة المثابرة الأستاذة ميراي شحاده لدعوتي كي أقدم أصدقائي وزملائي في هذا الحفل التكريمي لقامةٍ أدبية وفكريةٍ سامقةٍ في عالم النقد والثقافة والشعر، قامةٌ نعتز بها ونفخر ونتمنى لها العمر المديد ودوام التوفيق والاستمرار.
وكما يقول شاعر الكورة الخضراء الأستاذ عبد الله شحاده: ليس وضع الكفّ في الكفّ إخاء/ إنما وضع فؤادٍ في فؤاد ….
ثم ألقت بعضاً من كلمات الدكتور ياسين الأيوبي قائلة:
أنا ابن البحر ،أنا ابن البحر …يا خدينة الفؤاد ، ذاك كان استطلائي ، ذاك كان استطلائي .. البارحة ،وما أقوله ليس مجازا لغويا … ولا زبدا طافيا على أديم الكلام، ولا هذيانا من لغو الحديث ، إنه نصوع البيان..، إنه نصوع البيان عما تخبئه السرائر …”
ثم قدمت الأديبة مشلين بطرس الأدباء المحاضرين والفنانين المشاركين تباعا بكلمات من عمق وذائقة أدبية فنية فذة …
بداية مع كلمة مؤسّسة منتدى شاعر الكورة الشاعرة المهندسة ميراي شحاده الحداد:
“مساؤكم تبر من حصاد بيادره ومرايا نورٍ من أدراج قصائده.
نحتفي اليومَ به ونلتفُّ حول كعبته لنماجدَ هذا الياسينيّ الأيوبيّ، الرسولَ المتبتّلَ في محراب فلسفته ونتشذّى من بدائع روضته. تلتقيه فتحملُ قلمَك وتتبعُهُ، تحاورُه فيحملُ قلبَه ويتبعُكَ: إنّه، كما عرفته، منذ عام ونيّف، هذا الثنائيَّ الحائيّ الذي يعمّر في حضنه الوردُ، وتغفو في راحتيه جداول من حنان وحنين؛ فإن مسّت هينماتُه أشرعتَك، أخذك بعيدا بعيدا إلى ما وراء الحجب!
كيف التقيته، كان معجزة من القدر! وأنا الّتي كانت تفتّش في أدراج والدها عن عنوانين الماضي وتخيطُ في ذاكرتها كلَّ معلومة عن شاعرٍ واكبه أو أديب عاصَرَه أوتلميذٍ نهلَ من غديرمعرفته….”
“…إن أنهكت السنون جيادك ، فصهيلها يدوّي أدبا وألقاً من الجزائر إلى بغداد إلى بيروت والشام إلى القاهرة والكويت وعمان، إلى حرم الجامعة اللبنانية ، إلى قلوبنا العطشى لعطاءاتك يا ابنَ البحرِ القائلِ: “سموتُ حتى لم أعد أرى أحداً دوني، تبقى الحصاةُ وأنا أزول….”
لا لن تزولَ، لأنّ حصى مقالعك الفكريّة سرمدية لن تزول!”
وفي ختام كلمتها ، أهدته ميراي من منتدى شاعر الكورة الخضراء رزمة حبّ في فيديو مصوّر جُمعت فيه لقطات من منزل د.ياسين ومكتبته الثريّة وأرشيفه مع تسجيل صوتيّ له من إخراج الإعلاميّة إكمال سيف الدين.
ثم جاء في كلمة الأستاذ الدكتور محمود زيادة:
“زميلي المكرّم : لكَ في القلب منزلٌ علوي ومقامٌ رفيع، جمعتنا صداقة وزمالة وعلاقة أخويه لم تنقطع ولم ينفصم عراها، علاقةٌ بينك وبين أخي المرحوم الدكتور معن منذ أكثر من نصف قرن، وكانت ذات طابع فكري عروبي تقدمي استرعت تقدير أهل العلم والمعرفة على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم….
عزيزي الدكتور ياسين: لا يسعني إلا أن أنوه بمعالم في سيرتك الذاتية إذ للحب مسحة واسعة في نفسك وفي حياتك، محبة جامحة مازالت تنمو و تثمر حتى يومنا هذا .إنك المحب والمحبوب طرقت أبواب الهوى وكنت فذا في حبك حتى أن الح بتجسد عاشقا يهواك ويرعاك. حياتك ربيع أخضر وشباب دائم كما قال الشاعر: شيخ على درج الشباب كأنه/ لجم الزمان فكان حيث أراد.”
” وسامة فكرية لا تعرف الأفول” هو عنوان كلمة الشاعر الدكتور محمود عثمان، اخترنا لكم بعضاً منها:
“هو المفتون دومًا ، كصديقه الراحل عبد الله شحادة، بصيغة “افعوعل” التي يدسها، على شغف بين السطور. ولا يرعوي، كعادته، عن الاستنجاد بالمعجم، لاختيار مفردة ينفض الغبار عنها، ويجلوها مموسقةً كعروس ليلة الزفاف. وقد أنشأ، صديقي رعاه الله، كتابًا في شاعر الكورة الخضراء، بل دراسة أفقية للمواضيع والأساليب والنوازع، تشكل بلا ريب، موردًا للناهلين، وطلاب الدراسات العليا، الذين يشتهون الخوض في أدب الكوراني الأخضر، الذي تغنى بكريمته المدللة “ميراي” وريثة بهائه وعطائه. فحققت له أغلى أمنية وأنبل حلم… ياسين الأيوبي، موقد نستدفئ به في صقيع العمر، وسنديانة نستظلها في هجير الأيام. يعيش أسطورته ويأخذنا بلطف إلى العيش فيها. ويدعونا لحج الأماكن التي زارها العشاق: هو وهن. وما قصائده التي تلت ” منتهى الأيام ” سوى أناشيد سقطت سهوًا من دفتر أحلامه، ومزامير قلب هادر، بعذوبة وصمت، في ” طواحين الغروب.”
امّا مفاجأة الحفل كانت الفنانة الأستاذة رفيف دندشي التي ألقت بصوتها العذب قصيدة “الوصال المستحيل” من ديوانه الجديد ورافقتها على الناي فرقتها premiers pas في رقص تعبيريّ حرّ.
ومن القصيدة: “شَبَبْتُ على دوالي العشْقِ
​​​لم أَحِدِ..
عقودٌ قد مَضَتْ
أَهْمي انشغافاً، بالجمال،
​​​وأغتدي،
من لَهْفتي،
أَسْتاقُ دَيْجورَ الصدودِ،
وأرتقي مَغْناةَ حبي
​​​الـمُزْبدِ…”
أمّا كلمة الأديبة والروائيّة ضحى عبد الرؤوف الملّ انصبّت حول “المرأة والشاعرية الياسينية”
“منَ الصعبِ إعادةُ تشكيلِ الإنسانِ الذي أمضى حياتَهُ يبحثُ عن كلمةِ هي امرأةٌ، مازالَ يبجثُ عنها رغمَ كثرةِ الدواوينِ الشعريّةِ التي تبرهنُ أنَّ أساليبَهُ في الكلامِ تَتخذُ صيغةً موسيقيةً ترتيليةً خاصةً تسمحُ بتفسيراتٍ ايمانيةٍ تَشمَلُ قوةَ الحياةِ، وصلابتَها التي غمرتْهُ بعمقِها، وهو جزءٌ من احساسِنا العامِّ بها ، وبحقيقتِها الحلوةِ والمُرّةِ. فهو يدعونا عن كثَبٍ للتساؤلِ عن الحبِّ عند الرجلِ بعدَ الثمانينَ والتسعينَ وحتى المئةِ. بضرورةٍ جماليةٍ في شعرٍ تحيا فيهِ المرأةُ كزهرةِ الوزالِ التي يعشقُها ، والتي لا تنفصلُ عن ذاكرتِهِ المشحونَةِ بتفاصيلِ الحياةِ الشاعريةِ خاصةً . فهل يمكنُنا فصلُ الحياةَ الشاعريةَ عن الحياةِ العائليةِ في مسيرةِ رجلٍ فاقت مؤلفاتُهُ سنينَ عمرِهِ فتخطت المئةَ ؟……
إنهً ينطلقُ من عشقٍ الجمالِ الأعظم، وهذا يعني أنه لا يمكنُ أن يرتويَ ابداً في كل مرةٍ يكونُ ذلكَ حبَّهُ الأول لأن الجمالَ لا يُرتوى منه ُ.”
أمّا الأديب الدكتور عماد يونس فغالي تساءل في كلمته: “هل أنتَ يا سيّدُ في حاجةٍ بعدُ إلى تكريم؟ ومع ذلك تكرَّم أيضًا! هل أنتَ في نقصٍ إلى إطلاق كتبٍ تُصدرها؟ ومع ذلك تُطلق لكَ الكتب، ويُحتفى بكَ وبكتبكَ! أمَا هذا لأنّكَ في عمركَ المتقدّم، الذي أرجوه طويلاً، تُصدر الكتب؟ في الواقع تُصدر الفكر. ولا أضيف قيمةً لو قلتُ إنّ هذا دأبُكَ! بل القيمةُ في المادّةِ التي تقدّمها، والفرادة العالية التي تعلنها بها!…
في فضاءاتكَ التكريميّة يبان للمتأمّل أنّ أيّ تكريمٍ اليوم، لن يضيف إلاّ إضاءةً مستزادةً على مسيرةٍ نموذجٍ، حسبُ المحتفين بكَ يدْعون إلى اتّباعٍ واستفادة! وأنا، الوافد إليكَ في الأيّام الأخيرة، دعني أعلن كم أحببتُ تصنيفكَ التعليم الجامعيّ في كلّيّة الآداب: “نحن نخرّجُ أدباء”. من يدرس الأدب، يتخرّجْ أديبًا. هذا لَعمري مسؤوليّةٌ تحمّلها للجامعة والطالب على حدٍّ سواء! لكنّها من دون شكّ، قمّةٌ في الدعوة تطلقها.”
وجاءت كلمة الأستاذ الشاعر مَروان مُحَمَّد الخطيب عن التَّلازمُ العُضويُّ بين الجَمالِ والعِشقِ الذَّوبانيِّ في ديوانِ”عندما يَعصَوْصِفُ الوِصَال”، نذكر منها:
“لكأنَّ هذا العِشْقَ، وذيَّاكَ الولهَ بالحبيبةِ، قدْ أرْقَيَا عَرشَ شاعرِنا، من الفُسْحةِ الأرضيَّةِ الضَّيقةِ، إلى تلكَ السَّماويَّةِ الرَّحيبةِ!. فحينَ تناهى وصالُ الحبيبةِ إلى ذُروتِه، لم يَقُدْهُ ذلكَ إلى السَّأمِ والمَللِ والضَّجر، وإنَّما إلى تلكَ المَحاريبِ الماورائيَّةِ المُتْرَعةِ بالأرائكِ والحُورِ العِين، يَطُفنَ حولَهُ فَرِحاتٍ ومُغْتَبطاتِ بِقُدومِهِ، وَيَهَبْنَهُ بأمرِ اللهِ القديرِ إكسيرَ الخُلود، كيفَ لا، وهو من ضِيْفَانِ الرَّحمنِ الرحيم، مليكِ الحِسانِ والجِنان!.”
ما أجملَ هذا العِشْقَ الذي يحملُكَ فيه المَعشوقُ إلى تلكَ الأدواحِ التَّعَبُّديَّةِ المسكونةِ بانسكاباتِ الماوراء…، لكأنِّي بشاعرِنا الأيوبيِّ هنا يتقمَّصُ صورةَ مجنونِ ليلى، في أدبِ عبد الرحمن جامي الفارسيِّ، الذي جعلَ من عِشقِ قيسٍ لليلى مَعْبراً انتهى فيه قيسُهُ إلى ذلكَ العشقِ السَّرمديِّ الذي تجلَّى فيه العبدُ، ذوباناً في مَحَاريبِ المَعبودِ، عَبْرَ بوابةِ الأنثى الحبيبةِ، المسكونةِ بالحَنانِ والجمال…!.”
وفي الختام، شكر المُحتفى به د.ياسين الأيوبي الحضور لمشاركته هذا التكريم معتبراً إيّاه رحلة سموّه الذاتي بحلّة جديدة مشيداً بجهود السيّدة ميراي شحاده ومنتدى شاعر الكورة الخضراء وكأنّ هذا الحفل هو أجرٌ وهديّة من السماء مستشهداً بقوله تعالى:” لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فلهم أجرٌ غيرُ ممنونٍ.”
وفي نهاية الحفل، قدّمت له السيّدة ميراي شحاده درعاً تكريميّا باسم المنتدى، وأهداه الرسّام التشكيلي والنحّات بسّام ملّوك لوحة مجسّمة له…وكرّمته لجنة المحاربين القدامى في طرابلس بوضع وسام على صدره…وبدوره ، الأستاذ الرسّام التشكيلي خالد عيط أهدى رئيسة المنتدى لوحة زيتيّة قد أنجزها مباشرة على المسرح.
وفي حبور وروعة الحدث، التُقطت الصور التذكاريّة وانتهى الحفل بكوكتيل تكريماً للحضور وقدّم المنتدى إصداراته “عندما يعْصَوْصفُ الوصال ” و “جردة حساب في الموضوعات والأسلوب والقيم في مجموعة شاعر الكورة الخضراء” هديّة لكلّ من شاركه هذا الحفل الرائع.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق