المقالات

قيام العلاقات الديبلوماسية بين بيروت ودمشق اوهام وحقائق – بقلم: معن بشور

من الغرائب اللبنانية العديدة والشائعة تلك الضجة التي أثارها، ويثيرها، موضوع عادي جداً في العلاقات بين الدول كموضوع

العلاقات الدبلوماسية بين لبنان وسوريا، وهي غرائب فيها من الأوهام أكثر بكثير من الحقائق.
من هذه الأوهام مثلاً أن فريقاً مجدداً من اللبنانيين كان يعتبر هذه العلاقات تعبيراً عن اعتراف رسمي سوري بالكيان اللبناني وبالاستقلال اللبناني وبالسيادة اللبنانية، وان فريقاً أخراً منهم ومن ورائه سوريا، كان يعتبر مثل هذه العلاقات انتصاراً لفكرة عزل لبنان عن عمقه العربي وخصوصاً عن بوابته الى هذا العمق التي هي سوريا.
أما الحقائق فتقول غير ذلك تماماً، فرئيس وزراء سوريا المرحوم جميل مردم كان أول من وقع وثيقة الى جامعة الدول العربية، غداة تأسيسها عام 1944، يعلن فيها اعتراف سوريا باستقلال لبنان بل ويدعو الدول العربية المستقلة آنذاك،  الى الاعتراف  بهذا الاستقلال ودعم المجتمع الدولي، كما أن قادة الكتلة الوطنية السورية، ومنهم المرحوم فخري البارودي، جاءوا الى لبنان، والى طرابلس بالذات، لإقناع بعض القيادات بالتنازل عن مطلب الاتحاد مع سوريا لصالح كيان لبناني موحد “ذي وجه عربي” كما ورد في الميثاق الوطني اللبناني غداة الاستقلال قبل 65 عاماً.
ومن الحقائق المغايرة لهذا الوهم أيضاً، أن علاقات دبلوماسية بالفعل كانت قائمة بين سوريا، حين كانت إقليما شمالياً في الجمهورية العربية المتحدة ما بين 22 شباط 1958 و 28 أيلول 1961، وبين لبنان، بل أن هذه العلاقات الدبلوماسية التي كرستها الوحدة المصرية – السورية بين بيروت ودمشق كانت قائمة في واحدة من أكثر من مراحل المد الوحدوي العربي، وان الحكومة اللبنانية عام 1962، أي بعيد الانفصال السوري عن الوحدة، هي التي رفضت قيام علاقات دبلوماسية مع دمشق، رغم أن بين ابرز أركان تلك الحكومة المرحوم الشيخ بيار الجميل رئيس حزب الكتائب اللبنانية ، وهو الحزب الذي كان يعتبر نفسه أكثر الأحزاب اللبنانية تمسكاً بالكيانية اللبنانية، وأكثرها تحفظاً على الفكرة القومية العربية.
ومن الحقائق المغايرة ايضاً هو أن العلاقة بين لبنان وسوريا في زمن الانتداب الفرنسي نفسه، الشريك الثاني في معاهدة سايكس – بيكو، كان يحكمها نظام المصالح، المشتركة، حيث النقد كان موحداً ، وكذلك الجمارك والكثير من الإدارات، وحيث كان هناك مجلس أعلى لهذه المصالح، وحيث كان المندوب السامي الفرنسي حاكماً للبلدين معاً، تارة يحكمها من قصر الصنوبر في بيروت، وتارة من مقره في دمشق، وان الذي قام بالقطيعة التي أودت بهذا النظام كان الحكومة السورية برئاسة خالد العظم عام 1950.
ومن الحقائق المغايرة أن سوريا بعد مبادرة الرئيس الراحل حافظ الأسد، وبعد دخول الجيش السوري الى لبنان عام 1976، في ظل طلب لبناني معروف، رسمي وغير رسمي، وفي ظل غطاء عربي، لم تسع طيلة وجود هذا الجيش في لبنان لأكثر من ثلاثين عاماً الى أي إجراء ذي طابع وحدوي يلغي الاعتراف بالسيادة اللبنانية، بل أن المجلس الأعلى اللبناني – السوري الذي قام اثر معاهدة التنسيق والأخوة والتعاون بين الدولتين (نعم بين الدولتين) عام 1991، أي في ذروة النفوذ السوري في لبنان، كان تكريساً للاعتراف المتبادل بين البلدين ولم يكن انتقاصاً من سيادة لبنان، وإذا كان هناك من ممارسات خاطئة طبعت تلك المرحلة فتندرج في إطار تجاوز حدود السلطة من أجهزة ومسؤولين سوريين وبمشاركة سياسيين لبنانيين محسوبين على دمشق، وبعضهم كان أشد المنقلبين عليها بعد خروج قواتها في نيسان 2005.
ومن الحقائق المغايرة ايضاً زيارة أكثر من رئيس سوري للبنان على مدى العقود الستة الماضية، بدءا بزيارة الرئيس الراحل شكري القوتلي قبيل الانقلاب عليه عام 1949، مروراً بزيارة الرئيس الراحل حافظ الأسد الى شتورا ولقائه الرئيس الراحل سليمان فرنجية عشية اندلاع الحرب اللبنانية في نيسان 1975، ووصولاً الى زيارة الرئيس بشار الأسد عام 2002 الى قصر بعبدا والتي أضفى عليها كل المسحات البروتوكولية التي تؤكد الاعتراف السوري بالسيادة اللبنانية، وبالدولة اللبنانية، وبالرئاسة اللبنانية.
ولم يكن يومها قد صدر القرار الدولي المشؤوم 1559، في أوائل أيلول 2004، ولم تكن هناك ضغوط دولية ملموسة على دمشق بل أن الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك ألقى كلمته الشهيرة في البرلمان اللبناني خلال زيارته  حيث دعا الى بقاء القوات السورية في لبنان حتى الوصول الى تسوية شاملة للصراع العربي – الصهيوني بعد أن كان موقف القيادة السورية الحازم، ومعها الحكومة اللبنانية نفسها وعلى رأسها الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وراء حفظ دور لفرنسا (رغم الاعتراض الأمريكي – الإسرائيلي)، في تفاهم نيسان الشهير اثر العدوان الصهيوني المعروف “بعناقيد الغضب”، وهو عدوان أبقى وزير خارجية فرنسا آنذاك دوشاريت في لبنان وسوريا طيلة أيامه الدامية والمشؤومة.
ومن الحقائق ايضاً أن قيام علاقات دبلوماسية  في العالم لم يحل يوماً دون أن تختار دول عديدة خيار الاتحاد بينها، كما نرى الوضع القائم بين الدول المنخرطة في الاتحاد الأوروبي. حيث لهذا الاتحاد مؤسساته التنفيذية والتشريعية وأحياناً القضائية والعسكرية فيما العلاقات الدبلوماسية ما تزال قائمة بين دوله، وهو أمر قائم ايضاً بين دول الاتحاد الأفريقي، وداخل العديد من المنظومات الإقليمية التي تتجه سريعاً نحو أشكال فيدرالية أو كونفدرالية فيما العلاقات الدبلوماسية قائمة بينها.
من الأوهام بالمقابل هو القول أن العلاقات الدبلوماسية بين دولتين تمنع تدخل دولة في شؤون دولة أخرى، فيما الحقائق التي نراها في لبنان، وفي دول كبرى وصغرى في العالم، تؤكد أن سفارات دول أجنبية هي بالذات أدوات تدخل دولها في شؤون الدول الأخرى الداخلية، وتاريخ لبنان القديم والحديث يشهد للعديد من القناصل في الزمن الغابر، وللسفراء في عصرنا الحالي، بتدخلات سافرة ووقحة في شؤونه الداخلية بما في ذلك الانتهاك الفاضح لاتفاقية فيينا التي نظمت في أوائل الستينات طبيعة مهمة السفراء ودورهم في الدول الأخرى.
ومن الأوهام كذلك أن المرسوم الذي أصدره الرئيس السوري الدكتور بشار الأسد في 14/10/2008 بقيام علاقات دبلوماسية بين لبنان وسوريا، أنما جاء نتيجة ضغوط دولية مورست ضد سوريا، وبل نتيجة إصرار قوى لبنانية بعينها، تسبغ على نفسها صفة “السيادية” فيما الحقائق تشير الى أن هذه العلاقات قد تم التوافق عليها في اجتماع المجلس الأعلى اللبناني – السوري الذي انعقد في دمشق في ربيع 2005، كما تم الإجماع على قيامها في هيئة الحوار الوطني برئاسة الرئيس نبيه بري في ربيع 2006، وهي الهيئة التي تضم، كما هو معروف، قوى تجهر بتحالفها مع دمشق، بل قوى لم يمنع جهرها هذا أن تتحالف معها القوى “السيادية” في انتخابات عام 2005 رغم أن الاسم الذي أطلقته عليها هو جماعة “8 آذار” أي جماعة مسيرة الشكر لسوريا والوفاء لدورها في لبنان الذي سبق الانتخابات، كما سبق مسيرة 14 آذار نفسها.
أما الضغوط التي يجري الحديث عنها، الداخلية والخارجية، فهي حسب تقدير كثيرين كانت وراء أرجاء تنفيذ هذا التوجه بقيام العلاقات الدبلوماسية بين البلدين لأن سوريا، كما كان يصرح رئيسها وكبار المسؤولين فيها، لن تقيم علاقات دبلوماسية في أجواء الشحن والتوتر القائمة ضدها في أوساط نافذة في الحكومة اللبنانية طيلة السنوات الثلاث الماضية، وان دمشق انتظرت حتى عادت هذه العلاقات الى طبيعتها مع مجيء رئيس صديق لسوريا الى سدة الرئاسة في لبنان ومع تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، ومع الانهيار المتسارع لجدار العزلة الدولية، التي كانت مفروضة على سوريا خصوصاً في ظل متغيرات إقليمية ودولية متسارعة دفعت بالادارات الغربية عموماً والأمريكية خصوصاً ، الى الاختفاء أو الانكفاء أو الاهتراء.
ومن الأوهام  التي  يجري الترويج لها أن الإعلان عن قيام علاقات دبلوماسية بين لبنان وسوريا سيؤثر سلباً على تحالف دمشق مع طهران، وعلى موقفها الثابت من دعم المقاومة اللبنانية وعلى رأسها حزب الله، وان هذه الخطوة هي بداية انخراط سوريا في معسكر “الاعتدال العربي” الموالي للسياسة الأمريكية، فيما الحقائق تشير الى أن العلاقة الاستراتيجية بين سوريا وإيران بقيت ثابتة ومتطورة على مدى ثلاثة عقود، وانها استمرت رغم العلاقة التي كانت تربط دمشق بالقاهرة والرياض وغيرهما من عواصم الاعتدال العربي بل انها كانت هذه العواصم كانت تستفيد من هذه العلاقة من اجل تخفيف التوتر بينها وبين الجمهورية الإسلامية في إيران خصوصاً خلال الحرب العراقية – الإيرانية وبعدها.
أما علاقة سوريا بالمقاومة اللبنانية فهي أيضاً ثابتة لأنها نابعة من رؤية قومية واستراتيجية بعيدة المدى لا ترى في المقاومة سبيلاً لتحرير الأرض اللبنانية فقط، بل سنداً للموقف العربي عموماً، والسوري خصوصاً، في مجريات الصراع العربي – الصهيوني، فكيف تتخلى دمشق عن احد عناصر قوتها وهي التي تدرك جيداً أن العدو الصهيوني لا يفهم إلا لغة القوة، ولا يتراجع عن تعنته إلا في ظل التغيّر الواضح في موازين القوى لغير صالحها، وهو ما لمسناه خلال حرب تموز 2006، وان السياسة الأمريكية نفسها هي التي ستتغير مع إدارة جديدة مضطرة للتعامل مع حقائق استراتيجية وسياسية وأمنية واقتصادية ومالية جديدة تبرز كل ساعة على امتداد الكون بأسره.
إن تذكر هذه الحقائق يبدو اليوم أكثر من ضروري لا لمجرد طرد أوهام، وإسقاط رهانات، طالما دفع اللبنانيون اكلافها الغالية على غير صعيد، بل من أجل أن تكون هذه العلاقات الدبلوماسية مدخلا لاستعادة علاقات طبيعية بين بلدين شقيقين طالما ربط بينهما من الروابط والمصالح والتحديات المشتركة ما هو ليس موجوداً بين أي بلدين في المنطقة والعالم.
ونقطة البداية هو أن نراجع جميعاً لبنانيين وسوريين، ومعنا كل الأشقاء والأصدقاء، تجربة العلاقات اللبنانية – السورية بكل ما فيها من ايجابيات، وهي ليست قليلة، لتطويرها لمصلحة قيام علاقات عميقة قوية ترتكز على مبادئ التعاون والتكافوء والاحترام المتبادل لسيادة البلدين ومصالحهما، وبكل ما فيها من سلبيات وثغرات لتجاوزها من أجل إخراج تلك العلاقة من ثنائية مقيته طالما حذرنا – على مدى عقود – وهي ثنائية “عداء لسوريا غير مبرر” ومؤذٍ للبنان أكثر منه لسوريا، وتبعية لها غير مقبولة تؤذي سوريا أكثر مما تؤذي لبنان.
وكما كنا نقول للأخوة المسؤولين في سوريا، أن لسوريا مكانة في قلب كل لبناني، فرداً كان أو جماعة، كما في عقله، بقدر ما يحس هذا اللبناني ان له مكانة في قلب سوريا وعقلها.
فإننا نقول لكل السياسيين في لبنان لا سيما للأكثر خصومة، قديمة أو حديثة، مع سوريا أن العودة الى التوازن والموضوعية، بل العودة الى روح اتفاق الطائف بالذات، هو السياسة الأكثر حكمة والأكثر خدمة لمصلحة لبنان، مستقبلاً ومصيراً، سيادة واستقلالاً…
وكل دروس التاريخ المشترك للعلاقات بين البلدين تؤكد على هذه القواعد الذهبية التي ما اهتزت يوماً إلا واهتز معها لبنان، وما تمسك بها الشعبان إلا واعتز لبنان واعتزت معه سوريا في آن.
أما بعض الأخوة من العروبيين اللبنانيين الذين يشعرون اليوم بمرارة نابعة من قيام علاقات دبلوماسية بين بلدين تربط بينهما علاقات تفوق في حرارتها وطبيعتها كل علاقة بروتوكولية أو دبلوماسية، فليتذكروا دائماً أن  أي إجراء ينزع ألغام التفرقة بين أبناء الأمة الواحدة، ويغلق الذرائع أمام المتصيدين في المياه العكره، ويشيع روح الاطمئنان والثقة بينهم، هو بالضرورة إجراء قومي عربي خالص، لأن العروبة التي نؤمن بها ليست نقصاً في الوطنية أو انتقاصاً من السيادة بقدر ما هي  فيض في هذه الوطنية وتكامل بين وطنيات، كما أنها صون للسيادة والاستقلال في وجه أعداء معروفين طالما حاولوا احتلال أرضنا وإرادتنا وضرب مقومات وطننا ووحدته وأسس سيادته واستقلاله الحقيقية.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى