المقالات

ثورة تونس مدرسة معاصرة للشعوب – بقلم : محمد علي الحلبي

قدرات بعض الأنظمة العربية الرسمية فاقت حدّ الوصف والتقدير إذ تفوّق بعضها على كل الحكومات العالمية من شرق العالم إلى غربه،ومن شماله إلى جنوبه في السيّر بعكس التيار الوطني،بل إنها أتقنت هذا التوجّه وبالغت في السيّر فيه،واعتادت ذلك،وألِفته،وتآلفت معه في ردّة شديدة لم نعهدها من قبل،بل لم تعهدها شعوب العالم قاطبة فخلقت حالة فريدة من نوعها وتنوعاتها تمثلت في العودة الدائمة إلى الوراء محاولة تكريس كل جوانب الضيم والمآسي والظلامية في كل ركن من أركان مواطنيها لاغيه من القواميس الحياتية كل معاني التطور بكل شِعابه،فراحت الآلام والأحزان تغمر أيام هذه الأمة،بل ساعاتها ودقائقها،وبات الإنسان العربي يسير هائماً باحثاً عن إشراقة أمل تعيد له ثقته بمستقبله حاملا ًمعه إرث أمته بكل ألقه وضيائه.

إنها حالة فريدة تجسدت ملامحها في:
1-    أصبح من المعروف لدى الشعب العربي من المحيط إلى الحليج أن أنظمة الحكم في أقطاره وعلى تنوّع مسمياتها الدارجة ملكية الشكل والمضمون،فالقائد ” الفذ ”  وفق تسمية أجهزة الإعلام الرسمية له  باقٍ في السلطة إلى آخر لحظة من لحظات حياته…تودعه السلطة ولا يودعها…متمسكاً بها ، ولا يتركها حتى بعد رحيله عن الدنيا  لأن روحه تظل مهيمنة من خلال إرثه الذي خلفه ، عبر مدرسة،لا بل مدارس تخرج منها العديد من زبانيته والتابعين له المتمتعين بشيء من كرمه مقارنة بمكاسب مادية حققها لنفسه خلال مدة حكمه , وهناك من اختار أسلوب التوريث ضمانة وحفظا لأسراره المشينة فرئيس عربي  راح يبذل جهودا هائلة لإقناع قادة  الدولة المعادية للأمة العربية  التي دعمت حكمه بتولي وريثه بعده وقد قربت نهاية حياته وذلك أثناء زيارته لها برفقة  الوريث الذي يعد ويهيأ منذ سنوات  غير مهتم ولا  عابئ برأي أهل بلده  , ونظام ” جمهوري ” آخر أمضى رئيسه أكثر من ثلاثين عاما في موقعه والأوضاع الاقتصادية في القطر الذي يحكمه تسير من سيء الى أسوأ ومع ذلك ” ففقهاء التشريع  ” وجدوا أن الدورة الرئاسية الواحدة لمدة سبع سنوات ينفرد دستور بلادهم بها عن باقي الدساتير العالمية لذلك وافقوا وبشكل أولي على  تعديله  لتصبح لمدة خمس سنوات لتتماشى مع المتغيرات الديموقراطية , إنما  أضافوا إليها الحق لرئيسهم بالترشح حتى آخر العمر , والوريث هنا  أيضا محضّر وجاهز , لكن مؤخرا تسربت أنباء عن طلب الرئيس إلغاء تلك التعديلات , وأكثر الأنظمة  “تطورا ”   نظام الجماهيرية الشعبية ولجانه الثورية  ”  فرئيسه صمد في مكانه أكثر من  40 عاما  ومؤخرا تألم وحزن على رحيل الرئيس التونسي وانتقد ثورة الجوع وتسرع  أبطالها طالبا منهم الانتظار على جوعهم وحرمانهم وظلمهم  ثلاث سنوات أخر لحين موعد الانتخابات القادمة , بل كان جديرا بهم التمديد له مدى الحياة , وأيضا فابن هذا  القائد ينتظر وراثة أبيه .
2-    العالم برمته يسير في اتجاه تعزيز حرية الرأي،وتوسيع المشاركة في تقرير مصير الأمة إلا هؤلاء،فتيار العودة والردّة يشدهم  باتجاه حصر القرارات بمجموعة محددة  حولهم والتضييق على غيرهم ،وأكثر، فهذه المجموعة وفي تسارع للتبدل المعاكس سُحبت صلاحيات القرار منها،وخولت الى  جوقة غناء تردد ما قرره  ” الفرد ”  على شكل أغنيات ممجوجة النص،واللحن،والأداء.

في التاريخ  وتحديدا ففي القرون الوسطى ،وبعد معاناة قاسية لبعض شعوب أوروبا من أنظمتها الملكية القديمة  عَمد العديد منها وعبر ثورات لتغيير هذا النمط من الحكم ،واستبداله بالنظام الجمهوري لكن بعضها أبقت على قديمها كبريطانيا،وإسبانيا،والنرويج رافعة  شعار”الملك يملك ولا يحكم”،وفي جذور الفكر العربي وتحديداً في فقه الشريعة الإسلامية فالملك يحكم ولا يملك كما أن المالك يملك ولايحكم،لكن الله جلت قدرته الوحيد الذي يجمع اللقبين فهو ملك ومالك،ولقد اثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قرأ الفاتحة في الصلاة فيقول:”مالك يوم الدين”في الركعة الأولى،وفي الثانية يقول:”ملك يوم الدين”   , إنما حكامنا تجاوزوا كل ذلك فلم تقيدهم الشريعة الإسلامية،ولا حتى سنن التطور فأصبحوا يملكون ويحكمون،وفي حكمهم الغوا دور المجتمع المدني،ومؤسساته،وتنظيماته-  إن وجدت وعلى ندرتها –  ورفعوا من نسبة القرارات الفردية فتجاوز البعض منهم نسبة95%وعن جدارة،ولم يعد للمشاركة الجماهيرية  من وجود ولو في حدودها الدنيا،ولم يعد للرأي من مكان.

جريمتان ارتكبتا بحق الأمة…الفردية والتملك،لا بل ان نهمهم للثروة راح يتزايد كلما طال بقاؤهم وأصبح همهم الأول والأخير حماية ثرواتهم والحفاظ عليها وبالتالي فهم طُيّع لمن يحميهم ويحمي ما جنوه   , وعن بعض مظاهر الثراء ألقت الصحفية  “كاترين غراسيه” كتاباً تعرضت فيه لحقائق مشينة للنظام التونسي الذي أنهته-  ثورة الشارع –  شارحة في مقدمته أن صعوبات اعترضنها أثناء بحثها  وتواصلها   مع مصادر المعلومات   في تونس،فقد تعرض بعضهم للمضايقات،مبيّنة شدة صدمتها للفساد الذي يقوم به نظام  “بن علي” فعائلته،وتخصيصاً زوجة الرئيس تورطت في اعتداء على أملاك الآخرين،وحيازة شركات مشبوهة،بالإضافة إلى اغتصاب شركات من أصحابها،والنظام السابق جمع حوله شلة من اللصوص دعماً لمسيرته غير الوطنية.
والكتاب صدر فبل  سقوط النظام ومحاولات إعادة الشرعية الجماهيرية للحكم،لكن حكاما  آخرين فاقوا المبعد في حجم ثرواتهم وعل حساب شعوبهم  ،فمجلة (فوريس)   وفي نسختها العربية ذكرت أن سبعة حكام عرب يتقاسمون ثروة  60مليار  دولار محددةً أسماء أصحابها وأغلبهم من دول الخليج العربي،بينما كتبت الصحفية الأمريكية”سوزان بلادستين”في(الواشنطن بوست)تقريراً مطولاً وفي ذات المنحى شملت فيه قادة ماتوا وآخرين على قيد الحياة.واللافت للنظر  أن هذا التقرير لم يترك إلا ما ندر من الحكام،فقد وسّع الآفاق إلى المغرب،ليبيا،الأردن،ولبنان ولم يبق إلا من رحمه ربّي،وستر عليه.

أما على الجانب الشعبي الذي ابتلي بهم فتردّي الوضع المعيشي للأغلبية العربية بات ظاهرة واضحة ،فبدلاً من تحقيق الوعود المخملية الجزيلة التي تتساقط تساقط المطر الغزير في أجهزة الإعلام الرسمية فقط وبدون تنفيذ لها، ففي البداية ابتكروا ونفذوا سياسة الإفقار ،وتفننوا في تطبيقها فحملت هذه المرحلة،وعن جدارة،اسم الجوع…جاهدين بتطبيق المثل القديم في القول”يعضّ على الشراسيف عند الجوع”والمقصود هنا أن المعدة الخاوية تعضّ على أضلع الصدر التي تشرف على البطن،ولم يكتف القادة بالعض المؤلم،بل انتقلوا إلى مرحلة جديدة اسمها في اللغة العربية  “الخرص”  والخرص :  الجوع مع البرد،ومصداقاً  لذلك فقد تحدثت أجهزة الإعلام عن ارتفاع في أشعار محروقات التدفئة مما حرم العديد من المواطنين من شرائها في الأيام الباردة رغم أن هذه المادة  تُستخرج من الأرض العربية،والتطور الإفقاري تتالت صوره فكان البؤس،والبأساء،و البؤس فقر شديد مع اكتئاب واستكانة،وهذه هي الغاية المنشودة للأنظمة بدفع شعوبها إلى مزيد من الاستكانة والخنوع،وابتلاع المصائب لتبقى في حالة فقدان للقدرة وحتى الأمل،ولتُصبح تابعاً  لهم ولآمريهم  من أعداء الأمة،وحقائق الأوضاع المعيشية المتردية شرحها في كتابه “عبد الرزاق الفارس”  تحت عنوان (الفقر وتوزيع الدخل في الوطن العربي)  فدراساته خلصت إلى أن الفقر في الوطن العربي كان في انخفاض مستمر من1950-1980لكنه بدأ بالارتفاع كنسبة من إجمالي السكان وكعدد مطلق خلال الفترة منذ منتصف الثمانينات،والمؤلف يلاحظ وجود ظاهرة الفقر في دول الخليج رغم التدفقات المالية الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط،ويركز على أن ظاهرة الفقر في مصر أواخر الخمسينات أقل مما هي عليه في منتصف السبعينات،وفي الأردن فمؤشر الفقر في المرحلة ما بين الثمانينات وحتى سنة1992ارتفع بمقدار3,4%وذلك يعود لتراجع الناتج المحلي بنسبة8,8%ويورد الكاتب المزيد من تردي أوضاع العراق نتيجة الحصار له،ومن ثم الاحتلال الأمريكي ،فنسبة الفقر وصلت الى حوالي72,1%في المناطق الحضرية،و81,8%في المناطق الريفية،واليمن،والسودان،وموريتانيا،وفلسطين ليست أحسن حالا بل في أسوئه  ،ففي موريتانيا على سبيل المثال يتعرض طفل من خمسة أطفال إلى الوفاة قبل سنّ الخامسة،وكما هو معروف فإن معدل وفيات الأطفال تحت سنّ الخامسة يعتبر من أهم مؤشرات الفقر,وتشير العديد من الدراسات لمراكز ومنظمات معنية في هذا المجال إلى إن نسبة العاملين في القطاعات الإنتاجية إلى حجم القوى العاملة من مجموع السكان تتراوح بين20-22%وفي بعض الدول تصل إلى25%،وذلك يعني أن غالبية العاملين يشتغلون في قطاعات خدمية هامشية لا تقدم للوطن وللمجتمع حصائل مادية،بل تعيش عالة على المجموع،فعمليات التصنيع والزراعة،والتكامل الاقتصادي العربية غُيّبت من قاموس السياسات الاقتصادية .
ورافد أساسي من روافد الفقر..البطالة،ففي دراسة للدكتور”أحمد العيثم”يبيّن فيها أن عدد سكان الوطن العربي في عام2004تجاوز307ملايين نسمة منها115مليون نسمة حجم القوى العاملة منهم35مليون نسمة عاطلون عن العمل أي ما يعادل21,7%من السكان،وتتركز البطالة في الدول العربية بشكل أساسي في قطاع الشباب حيث بلغ معدل البطالة53%من إجمالي حجم البطالة،وتتراوح البطالة بين2%في الكويت،و3%في كلٍ من الإمارات،والبحرين،وقطر،وتصل النسبة إلى7%في السعودية،وسلطنة عُمان،وتتجاوز النسبة11%في كلٍ من مصر،وسوريا،ولبنان،وتصل إلى13%في الأردن،و14%في تونس،والمغرب،و17%في السودان،والصومال،واليمن،وفلسطين،والجزائر تجاوزت نسبة البطالة فيها30%،ويُجمع المختصون على أن الأسباب لهذه الغوائل تتركز في عدم بذل الجهود للتنمية الشاملة،ولا حتى للتنمية القطرية رغم الثروات الهائلة التي تراكمت بفعل موارد النفط.
لقد حوُلت الجهود باتجاه الإنفاق الهدري،وإلى مشاريع الخدمات،وبولغ فيها فكانت الجسور،والطرقات،والأبنية الشاهقة،والأبراج في البحر وفوقه،كما وأن الإنفاق على الدفاع فاق الوصف والحصر،وهنا لابد من الإشارة إلى أن تحصين البلد والأمة من أولويات الحكومات  وواجب وطني ملزم لها لكن أن تُشترى الأسلحة،وترمى للصدأ ولا يُدرب عليها فتلك أم المصائب  , ففي بلدان عربية فاق تعداد الأسلحة عدد العسكريين ،وفي الإحصاءات الدولية فإن إنفاق الفرد عالمياً على الدفاع يعادل 141 دولارا ، وفي الدول النامية34دولاراً بينما في الكويت2019دولاراً،وفي سلطنة عُمان1149دولاراً للفرد،والتسليح في عديد من الأقطار العربية الهدف منه تنفيذ الإملاءات الأمريكية بدعم شركات السلاح إحدى القوى المهيمنة على السياسات الأمريكية.

تلك كانت نظرة فاحصة للواقع العربي المؤلم،فلا غرابة أن ينزل التونسيون إلى الشوارع مطيحين بحكومتهم،ولا غريب أن تتوسع الدائرة لتشمل عواصم عربية عدة،والمراقب لنشرات الأخبار يرى كيف تنبّه بعض قادة الأنظمة  محاولين الهرب من ً نهاية حكمهم ،فراحت الأخبار تردد كلمات الدعم للسلع الغذائية،وتخفيض الأسعار،ودعم أصحاب الدخل المحدود ….إنها مسحات آنية على الجروح ولا تعالجها، والحل الجذري يكمن في برامج التنمية، والتكامل الاقتصادي العربي، وقبل كل ذلك ولإنجاح البرامج لابد من الحرية، وإشراك الشعب ومنظمات مجتمعه المدني الواجب السماح بها لتسهم في عملية البناء….إنها مفتاح السحر لمغارة الكنوز،ويبدو أن ذلك شبه مستحيل على من أتقنوا الانصياع لآمريهم بعدم تطوير الأوضاع الاقتصادية نحو الأحسن.

صورة متشائمة لواقع قائم…لم يعد بإمكان أحد إخفاء سلبياته لكن ومن باب الأمانة،فرغم الإشراقات في تراث أمتنا القديم إلا أن اضاءات سطعت  في زمان من عاش مراحل الزهو والفخار في خمسينيات القرن الماضي وراقب بل شاهد عمليات التنمية،وبناء السدود،وإقامة المصانع زمن الراحل جمال عبد الناصر يُذكر له، بالإضافة إلى نضاله ضد قوى الظلم وجهوده الكبيرة في بناء اقتصاد وطني يسهم في تعزيز عناصر القوة  لمصر وللآمة العربية بجميع فروعها    فقد كان مستقيماً وشريفاً،فيوم وفاته وفي تدقيق وتسجيل لما يملك،وُجد أن المرحوم استبدل من معاشه الشهري مبلغ35جنيهاً(بما يعادل3500جنيهاً)لتجهيز زيجات ابنتيه،وكان في جيبه يوم رحيله في28كانون الأول-ديسمبر-1970مبلغ84جنيهاً،وترك الدنيا وأسرته لا تملك مسكناً خاصاً،وليس لزوجته دخل خاص غير معاشها من زوجها الراحل… تلك كانت ثروة رجل حكم مصر18عاماً.
ومن جميل وروائع الحكايا،وقد رواها لي  أخ أثق بحديثه،ودقته،وأمانته قال لي:” قبل أيام عيد الفطر بفترة بعث الرئيس السوري الراحل شكري القوتلي خلف مدير المراسم لديه  وأخبره بأن لديه قطعة أرض في غوطة دمشق،وطلب منه بيعها،وجلب المبلغ له،وبرر ذلك بأن العديد من  المحتاجين سيأتون إليه ليكرمهم بهذه المناسبة ،وبإمكاناته المتوفرة لديه غير قادر على الدفع لهم”.
وحكاية أخرى عنه،فخلال الأسبوع الوطني للتبرع ودعم الجزائر أصرت المناضلة”جميلة بوحريد”على لقائه في منزله،وكانت في زيارة لها لسوريا في هذه المناسبة،وبعد إعرابها عن مشاعرها القومية الفياضة أصرت على أن تأخذ من الرئيس شخصياً تبرعاً للجزائر،ففي قناعتها أن للمبلغ قيمة خاصة،فلم يتأخر الرئيس في جوابه،وطلب منها إرسال مندوب عنها بعد يوم أو ثلاثة ليقدم له مساهمة بمبلغ400ليرة سورية،أي ما يعادل200دولار في تلك الفترة،فلم يكن يملك ذلك المبلغ في تلك اللحظة،والرئيس القوتلي كان شريك الراحل جمال عبد الناصر بإقامة الوحدة بين البلدين عام1958،وتخلى يومها عن الحكم للقائد عبد الناصر.

إنها إشراقات في تاريخنا المعاصر،فلنقدس هذه الرموز،ولنحيي ذكراهم في انتظار أبناء وشباب تونس الخضراء الذين راحوا يدقون أبواب عواصم عربية عدة .

محمد علي الحلبي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى