المرأة وقد امحّت أميتها-فاطمة الخواجا – أستاذة جامعية ومؤسسة جمعية نساء ذوات ثقافة مزدوجة

وإذ نحنُ نسرّحُ البصرَ في تاريخِ المرأةِ الثّقافيِّ والحضاريِّ الذي طُمِسَ عن قصدٍ أو بغيرِ قصدٍ، نتساءلُ هل كانتِ المرأةُ تعاني من مشكلةِ الأميّةِ أم من مشكلةِ الثّقافةِ؟ وهل امتلكَت حريّتها بعدَ زوالِ أميّتها وامتلاكها زمامَ اللغةِ، إن لم نقلْ اللغاتِ؟
فالمرأةُ المتعلمةُ في القرنِ التّاسعَ عشرَ كانت تجيدُ قراءةَ منجزاتِ الغربِ بلغاتهِ المختلفةِ.
هل أصبحت المرأةُ حرةً؟ وكيفَ تكونُ كذلكَ في بلادٍ لم تعدْ تمتلكُ حريّتها!
إنّ التّقدمَ الذي أحرزتهُ المرأةُ هو عائدٌ إلى ما أسستهُ مثيلتُها في القرن التّاسعَ عشرَ -وصلها هبةً- علمًا وأدبًا وثقافةً، حصلت عليها شقيقتها الأنثى بشقِ الأنفسِ.
تبدأُ الثّقافة بالقراءةِ لتتفاعلَ مع مجتمعٍ قائمٍ، وتنتهي مع مجتمعٍ مختلفٍ يكون حتمًا أفضلَ.
هذا ما تفعلهُ الثّقافةُ بالمرءِ ترجرجُ عقلَهُ أوّلًا ثم ترجرجُ العقولَ الأخرى، فهل فعلَتْ؟ هل استطاعَتْ أنْ تحرّكَ العقولَ أم اكتفَتْ بتثقيفِ نفسها، إنْ فعلَتْ؟ فلماذا تضنُّ بثقافتِها على الآخرين وقد ورثَتْها ممن سبقَها.
حينَ نطّلُ اليومَ على التّاريخِ بدونِ انحيازٍ نرى أنّ المرأةَ لا تزالُ تفعلُ ما يطلبُ منها الآخرون أو ما يرضي الآخرين مقابلَ تمتعِها بالحريّةِ. إذًا هي لم تتحررْ بعد، إنّها رهينةُ التّقليدِ، ولكن هذه المرّة تقليدُ الآخرِ وليسَ تقليدُ الذاتِ المتناقلةِ.
وهل كانَت الأممُ المتقدّمةُ تهبُ المرأةَ حريتَها واحترامَها إلا بعدَ أن تيقنَت أنّها العضوُ الأهمُ في كيانِ العالمِ الإنسانيِّ؟! فلمَ تُلامُ على مطالبتِها بحقوقِها؟ ولماذا تحرمُ منها يا تُرى، والرجلُ لم يخرجْ عن كونِهِ ابن المرأةِ وثمرةَ أتعابِها؟! فإن كنّا طلبنا مساواةَ المرأةِ بالرّجلِ في العقلِ والذّكاءِ والقدرةِ على الأعمالِ، فلن نأتِ اليومَ لمطالبةِ المرأةِ بمساواتها بالمرأةِ التي غالبًا ما تقفُ ضدَّ تطوّرِها وتقدّمِها وحصولِها على حقِها في العملِ والتّرقي. أليست الثّقافةُ التي حصلَت عليها المرأةُ نعمةً يجوزُ تعميمُها على النّساءِ والرّجالِ معًا؟
نحن لا ننكرُ على النّساء تعاطي أمورَ السّياسةِ، وطلبهنَ حقّ التّمثيلِ، ما دمن قادراتٍ على أداءِ واجبهنَ على النّحوِ الذي يؤديه الرّجالُ، ولكن تعاطي أمورَ السّياسةِ لا يكونُ إلا بعدَ دراسةِ القوانينِ السّياسيّةِ والاجتهادِ في العلومِ الإداريّةِ، وغيرها مما يلزمُ لهذا المركزِ الخطيرِ، فكيف والتّمثيلُ أصبحَ تزكيةً، وليس واجبًا يقومُ به المرءُ خدمةً لتطوّرِ مجتمعٍ، يكفيه حاجاته ومستلزماتِ تطوّرِهِ، لا أن يجرَّ بهِ إلى مستنقعاتٍ يصعبُ عليه الخروجُ منها.
باريس في 19/1/2022

Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development