المقالات

التزحلق على الحرب – د. قصي الحسين

نعيش اليوم عصرا جديدا. عصر التريض على الحرب. عصر التزحلق على الحرب. يقف أصحاب الصناعات الحربية وخلفهم قادة الدول التي تحتضن هذة الصناعات، وقادة القطع العسكرية التي تجرب هذة الصناعات، في ساحات الحرب، المنتشرة على ملاعب الشعوب الطفلة، لتشاهد إطلاق أعظم حفل للأوسكار العسكري، في بلاد العرب، وفي بلاد السلاف.

إختاروا الساحات بعناية فائقة. ظلوا يدحون أرض ملاعبها، منذ توقفت بطولاتهم، في الحرب العالمية الثانية. أرادوا أن يستكملوا ألعابهم النارية، في ساحات محددة. في ساحات مغلقة. ساحات بعيدة عن عواصمهم. بعيدة عن مصالحهم. يشاهدون عن بعد: كل إنتاجهم الحربي. كل قطعهم العسكرية. كل خططهم. كل أدواتهم. يريدون إمتحان فعالياتها على الأرض. يريدون تجريبها في الساحات. لأنها لم تصنع للمخازن. ولا للمخابئ. ولا للمهاجع.

ساحات تغذيهم بالنشوة. بالإنتشاء. بالمال الذي يجدد الآلة القديمة بالحديثة. ساحات تستهلك الخردة، تحرقها، تفككها، تنظر في أعطالها وفي هشاشتها وفي خساعتها، لتجعلها أمتن وأقوى، بعد قرن من الحروب الماضية.

بلاد طفلة تتزحلق في ساحات الحرب، حتى تعرف المعامل، مدى فاعلية القطع المستعملة. وحتى يعرف المحارب، مدى قدرته على إستعمالها. وحتى يعرف القائد، مدى قدرته على تحقيق كسب، في أرض المعركة. وحتى يعرف الحاكم، مدى جهوزية جيشه وعسكره، بالعلم والتدريب والمعرفة. وحتى يعرف أهل المال، أن أموالهم ما ضاعت عليهم في سوق الكساد. فلا زال السلاح مطلوبا. ولا زال سعره أغلى. ولا زال هو القانص في الساحات، حين ينزل للعب بأرواح الناس، ويجعلهم يتزحلقون إلى الحرب، مدينة مدينة. وبلدا بلدا. وحقلا بعد حقل.

بلاد طفلة من عرب ومن سلاف، يجرب في ساحاتها كل أنواع السلاح، بلا شفقة ولا رحمة. وقف أصحاب الرساميل يستثمرون أموالهم عن بعد. وقف الحكام يحصنون مواقعهم في الحكم عن بعد. وقف القادة، يحركون الملاعب ويهزون شباكها عن بعد. يصفقون لطائرة مغيرة على مدرسة، على مستشفى، على جسر، على محطة، على قرية على مدينة، على سوق، على معبد.
وقف القادة في الصف الأول متعاضدين: تجار مال وتجار سياسة وتجار سلاح، وتجار حروب، وتجار عقارات. يهزجون ويصفقون، للإصابات الدقيقة، في أعناق بلاد طفلة، لم تحسن يوما، صناعة قطعة من سلاح عصري.

بلاد طفلة تتزحلق في ساحات الحروب. تلعق من دمها كل يوم زائد في الحرب. تهرب ناسها إلى الملاجئ. تحمل أطفالها وقططها في أحضانها. وتهرب من وجه قذيفة تجرب نفسها، في شدة الفتك. تهرب من غارة طائرة. من غارة زاحفة. من عصف ومن قصف ومن نار ومن دخان، ومن فيلق، ومن رتل، ومن قطعة متوحشة.

الناس في البلاد الطفلة، كلها ساحات جاهزة. كلها ملاعب لا تغيب عنها الشمس. بلاد مرشحة، على توقيت قادة، يريدون تجريب سلاحهم في أعناقنا. يريدون نبش الأرض تحت أقدامنا. يريدوننا أن نسبح في دمائنا. يريدون أن يقدروا، مدى عزمهم، مدى عزيمتهم، مدى الجرح التي عمقته القذيفة في الصدور العارية.

التزحلق على الحرب، رياضة بديلة. تريض جديد، تمارسه الأولغارشية الجديدة، حتى لا تنزل إلى الحرب بنفسها. تراها تلقم نارها، بأطفال العرب، وأطفال السلاف. تلقم نارها بعظام الشيوخ والعجائز ومرضى المستشفيات، وتلامذة المدارس، وعرائس القمر وعرائس السهر. تجعل من بلادنا مراسح. مسارح. ملاعب. مشاهد دخان ونار، وأبنية مأكولة خاوية. مدنا مهجورة، وسككا محطمة، وحقولا بألغام، تقطع من يقترب منها.

بلاد السلاف، مثلها بلاد العرب، ملاعب للتريض، للتزحلق على الحرب. والناس تسأل: متى تنتهي الجولة. متى تنتهي الحرب. متى يشبع القادة من الدماء. متى تتوقف في رؤوسهم، غريزة التريض والتزحلق على الحرب.

د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى