النفس التحريضي – د. قصي الحسين

تعيد الإنتخابات النيابية بعد أيام، واحدة من المراحل المفصلية، في تاريخ نمو التيارات السياسية بلبنان. تذكر بالنفس التحريضي، الذي لعبته، عشية إعلان لبنان الكبير. وعشية العام1936 قبل الإستقلال بسنوات.. كذلك تذكر بالنفس التحريضي الذي لعبته بعيد الإستقلال، عشية الحرب الأهلية في العام 1958، وكذلك عشية العام 1975، بما كانت تنطوي عليه البيانات الصادرة عن هذة التيارات وهذة الأحزاب القديمة والمستجدة، مستفيدة من سخونة الأجواء والظروف غير العادية، التي كانت تعصف بالإقليم ومحيطه، في ظل الحرب الباردة، التي كانت سائدة، بين القطبين العالميين: أميركا وروسيا، ومن خلفهما، حلف الناتو، وحلف وارسو، وبينهما مؤتمر” باندونغ” وموقف دول عدم الإنحياز.
تبدو البلاد اليوم عشية الإنتخابات النيابية اليوم، أكثر قتامة. كما تبدو الأجواء، أكثر إسودادا، في ظل الإنفجار الدولي الكبير الذي يجري على الأراضي الأوكرانية. وفي ظل نمو سياسة المحاور الدولية، وتراجع منسوب المفاوضات حول النووي الإيراني. كذلك حول تصلب القوى القطبية في مواقفها الرافضة للعودة إلى زمن هدوء الجبهات السياسية والعسكرية. وإلى زمن الأمن و الإستقرار الدوليين، اللذين سادا لأكثر من نصف قرن، على الرغم من الحروب الإسرائيلية، وحروب الخليج، وحروب الربيع العربي، التي لا زلنا نكابد آثارها منذ أكثر من عشر سنوات.
تأتي الإنتخابات اللبنانية اليوم، في ظل المعسكرات الناشئة. وفي ظل تنامي هذة المعسكرات. وفي ظل الوقوعات العسكرية التي نشهدها في الإقليم. وتلك الأخرى، التي نشهدها خارج الإقليم.
وكلما إقترب اللبنانيون من موعد الإنتخابات النيابية التي ستجري في15/5/2022، كلما تعالت الأصوات التحريضية. بل كلما دوت القنابل الصوتية في سماء لبنان. فتأخذ حملات التخوين في الإشتداد، من كافة الجهات. وتأخذ الدعوات التحريضية، تبث سمومها بين الناس. وأسهلها التخوين والعمالة لإسرائيل وللأميركان.
ومع كل صباح، تأخذ ديكة السياسة، بالتهجم على الخصوم. فترى حبال الغسيل، وقد إمتلأت بالأثواب المتسخة، والملطخة. وعليها البقع السوداء، والصفراء والحمراء والدكناء. و التي يصعب على مساحيق الغسيل العصرية أن تزيلها بسهولة.
كل صباح، نحن على موعد جديد، مع ديك جديد. خرج لتوه، فإعتلى منبرا، ووقف على شارف “غير نظيف”، يرتكب الحماقات من كل الأنواع. يستبيح لنفسه التحريض. ويستبيح لنفسه التشنيع. ويلوح بالخرق السوداء والصفراء والدكناء. ويهدد بالويل وبالثبور. وبعظائم الأمور.
الكل في لبنان، هذة الأيام، يخون الكل. يهدد الكل. يحرض على الكل. فتسود الساحات، حفلات التهريج. وحفلات الهرج والمرج. ويختلط الحابل بالنابل. ويهرع العقلاء المجانين، لدفع المجانين العقلاء. ويتسمر الناس في الساحات، و أمام الشاشات، وكأنهم يحضرون بعض حفلات ومهرجانات الجنون. كأنهم في عيد المجانين. كأنهم في عيد الجنون.
يعكس زخم الإنتخابات اللوثة القاتلة، التي ستصيب اللبنانيين، بعد الإنتخابات. تفسد عليهم النتائج. ويصبح الكل معاديا للكل. تعمق الكراهية والعداء. تباعد بين الأخوة، ضمن البيت الواحد. وضمن الأسرة الواحدة. وضمن العائلة الواحدة. فتجري بينهم “حرب داحس والغبراء”. والتي سوف تظل، إلى ما بعد بعد، الإنتخابات.
تزج الإنتخابات بالمرجعيات الدينية. تلوث دورها. تلوث موقعها. تلوث منها الثوب والعقل والروح والنفس. وتفسد منها اليد واللسان والجنان. تجعل أهلها يشكون في دورها. تماما مثلما تجعلهم، يشكون من دورها..
تزج الإنتخابات اللبنانية بالقيادات وبالزعامات. تزج بالدول الكبرى وبالدول الصغرى. تراها تفسد دورها، في النزاهة والإستقامة والحياد. فلا تعود على مسافة واحدة من جميع الأطراف. ولا على مسافة واحدة من جميع المرشحين. ولا على مسافة واحدة من جميع الطوائف. ولا على مسافة واحدة من جميع اللبنانيين.
النفس التحريض، تفوح رائحته، من الخطابات النيابية العفنة. من الوعود العفنة. من رمي التهم جذافا على الناس. وآخرها تهم الخيانة والعمالة، بحيث يصبح العدو الإسرائيلي ناخبا. وهذا لعمري أسخف نفس تحريضي، في الإنتخابات.
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.

Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development