طرابلس الفيحاء… لأهلها دون إستحياء … *كتب الإعلامي د. باسم عساف

من عوائدنا نحن في طرابلس دوماً أن نتجاوز آلامنا ، لنتكلم أو نعيل أو نعين أو نتحمس لإعانة الآخرين ، ولو على حساب طرابلس وأبنائها …فقط للحِمية والغيرةِ على الضعفاء ، أو المحتاجين أو المعسرين ، الذين خسفت بهم الحياة وباتوا بالحضيض لأسباب إنسانية ، أو لأسباب خارجة عن إرادتهم ، أو لأسباب قاهرة ، وذلك من دون تردّد ومن دون أن يفكر الطرابلسيون مدى الآثار السلبية التي قد تعود عليهم من جراء هذه الحميُة ، أو إغاثة الملهوفين أو المسارعة للإنقاذ ، والوقوف الى جانب من يستعين بهم أو حتى دون ذلك ، والمهم أن يقوموا بالواجب الذي يقدرونه كذلك ، وهم بالأصل يحتسبونه ضمن الأعمال الخيرية أو الإنسانية ، التي يُجنون منها الأجر عند الخالق عز وجل ، ويدخرونها لآخرتهم يوم الحساب … هكذا وبكل بساطة على فطرتهم وطبعهم وتربيتهم ومحافظتهم على مساعدة الغير ….
نعم هي عادات أو أعراف ، أو عقيدة الأخوَُة التي طُبعت في أفكارهم وقلوبهم الضعيفة ، أمام كل حالةٍ إنسانيةٍ، دونما التطلع الى تابعية أو إنتسابية أو فئوية ، من يتنافسون لخدمته أو القيام بواجب إعانته ، للخروج من أزماته ومصائبه ، ولو كانت في نفس الوقت مصيبتهم أكبر ، ومعاناتهم أفظع ، ولكن الأجر والدافع للمساعدة ، أهم عند الخالق وعندهم في قانون العيب ، لعدم مدّ يدِ العون والمساعدة ، أو عدم إغاثة الملهوف ، ضمن التعاليم الدينية التي تربوا عليها ، ومنها على سبيل المثال : (إن الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه..) وطبعاً هناك العديد من المبادئ والآيات والأحاديث التي تحث على مساعدة الآخرين قد تشبعت نفوسهم بها وبتطبيقها على أرض الواقع بكل تجرد وحمية …
*هذه الطيبة وتلك الفطرة الخالصة لوجه الله عند الطرابلسيين ، قد إستخدمها المغرضون ، والمتربصون ، والمفسدون بالإتجاه المعاكس ، وباتوا يستغلونها في التعاطي مع هذه المدينة الصابرة والمسالمة والمتسامحة ، وأهلها الطيبون المنفتحون والمتعاونون ، وكأنهم بلهاء وتعساء وبسطاء ، من السهل إستغلالهم وإستخدامهم واللعب عليهم بالكثير من الحبائل والأضاليل والألاعيب البهلوانية…
*التي تدغدغ شعورهم وتتناغم مع أحاسيسهم المرهفة والشفافة بالنوايا الحسنة ، وما أكثر ما صنع لهم من أساليب وطرق للعب على الحبال العاطفية وأهمها الوعود الإنتخابية والسياسية التي ركِبَت موجة الصبر عندهم ، وأيضاً حسن النوايا ، حيث يعتقدون بأن الغير وجب أن يكون وفياً ويرد التحية بأحسن منها ، وكأن الشيطان مغلوب على أمره في طرابلس ، لكثرة ما يرددون (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) وقد نسوا أن الشيطان قد أقسم بأنه سيغويهم أجمعين للبشر ككل ، ومنهم أهل طرابلس ، وقد إستخدم شياطين الإنس لهذا الإغواء بشتى الطرق…*
إنتكست طرابلس وأهلها حين تركوا الأمور تجري على عواهنها ، وهي سائبة ليد الأشرار دون الحفاظ على المبادئ والقيم ، المبني عليها العادات والأعراف ، والمتجسدة في قلوب أبناء هذه المدينة الأوفياء المحافظون عليها ، وبات معها المتربصون والمفسدون من داخلها ومن خارجها يديرون اللعبة فيها ومعها ، وباتوا يلعبون الدور الذي هو محورها وقرارها وموقفها تجاه الآخرين ، وتجاه الدولة التي ترعى مصالحها وتحقق أمانيها ومطالبها وحقوق أهلها ، حيث خرجت عن سكة الوصول الى مبتغاها بالعيش الكريم ، أو بحياةٍ حرةٍ لأبنائها ، لا ليكونوا كأبناء الجارية ، إنما كأبناء الست ، التي تميُزت بإنتاج إستقلال بلدهم ، وضحُت بأرواح شبابها لنيله وتجسيده لكل لبنان ، وقد تسلمه الآخرون على باب المستريح وتحكّموا بسلطته عليهم .. .
عُرف عن هذه المدينة مضافة أهلها وإستقبالهم للغير ، على مدى تاريخها الناصع ، ولا زالت آثار ذلك على أرضها جاثمةً كتراثٍ يُعلي الجباه ، مثاله الخانات والمنازيل المنتشرة في كل حي من أحيائها الشعبية القديمة ، والتي تدل على إحتضان ومبيت الزوار والأغراب ، ودليلها أيضاً ، أن المتوفين منهم قد خصِّص لهم مقبرة الغرباء ، حيث لا زالت قائمة حتى الآن إلى جانب نهر أبو علي ، وأن حمية أهلها كانت السباقة نحو مساندة الآخرين في المحن والأزمات والحروب ومنها إستضافة أبناء فلسطين ١٩٤٨/ وأبناء الجنوب وأبناء بيروت من أفعال إسرائيل الغادرة/ ١٩٨٢ /٢٠٠٦ ، وأبناء سورية في نزوحهم منها /٢٠١٢ ، وباقي المناطق اللبنانية في أحداثها والتشريد منها مع حرب السنتين ، وكان ذلك على قلب كل طرابلسي أحلى من العسل ، بأن فتحوا قلوبهم وبيوتهم ومدارسهم لإستقبال الجميع ، وتقاسموا معهم المأكل والمشرب ، وقدّموا لهم على أنفسهم ما يحتاجونه دون كللٍ أو ملل ، وذلك كله من شيمهم لكسب الأجر عند الخالق ليس إلا ….
ما هي حال الفيحاء اليوم ، من مآسٍ وتعاسةٍ وعجزٍ وأزماتٍ ونكباتٍ فوق الأرض وتحت البحر ، وفي أجوائها من تلوث ، وفي دوائرها من عبث ، وفي مشاريعها من إهمال ، وفي بلدياتها ومصالحها من جمود وجحود وركود ، وفي مسؤوليها وممثليها من إستلشاق ، وفي إتحاداتها ونقاباتها وجمعياتها ونواديها من تفرّقٍ وإستهتار ، وفي عائلاتها من ضياعٍ وإنصياع ، وكل ذلك فتح الباب على مصراعيه للمتربصين والمفسدين والغرباء ، أن يتجاوزوا الحدود ، ويحاولوا تغيير وجه الفيحاء الحقيقي ، وتلبيسها وجوهاً متعددة لا تنسجم مع تقاليدها وأعرافها وقيمها وأخلاق أبنائها ، من أجل أن تُدِينَ لهم بالشيطنة والعبث والفساد ، ومن أجل التحكم بدورها وقرارها لهم بعيداً عن مصالح ومنافع أهلها حتى باتت أتعس مدينة وأفقر شعب …
فالتنافس عليها وفيها بكل مقومات الحياة ، بات المظهر الوحيد الذي يتصدر للعالم ، على أنها ساحةً للصراع لمن يحويها ، ويصادر ملكية قيادتها من هنا وهناك …
لا وألف لا … فالفيحاء صامدةٌ وعصيّةٌ على الخداع والوداع ، وأن أهلها وإن غفلوا عما يُحاك لهم من حبائلَ وأضاليل ، فشعبها الطيب سيصنع من طيبته مثالاً للتضحية، وعنواناً للفداء ، وقد أيقن لعبة المتربصين ، وكشف حصان طروادة ، وبات مع التغيير دون هوادة ، ونصر المبدأ على العادة ، ليمتشق سيف السيادة ، ويملك قرار القيادة ، مع التمسك بالقيم والعبادة ، دون إستحياء وهوادة ، لإسترداد الحقوق والإفادة ، وترك النوم على الوسادة …
إلى متى يا أهل الفيحاء ، يستمر تجاهلكم .؟؟
إلى متى يبقى قراركم مصادراً بإسمكم .؟؟
إلى متى يتحكم فيكم المتربص والمفسد والغريب؟؟؟
أيهان عليكم الخذي والعار ، حتى لا أحد منكم يغار !!!
إستذكروا عِزُ أجدادكم وآبائِكم ، لتورثوا المجد لأبنائِكم وأحفادِكم …
نعم ..ستظل طرابلس الفيحاء … دون أي إستحياء ورياء … وبكل فخر وإباء ، لرجالها الصامدين والأبناء ، صداً للمتربصين والأعداء ، وببذل الروح والدماء ، لتكون لها فداء ، وهذه هي مهمتكم اليوم أيها الكرماء …


Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development