بلة الطين \ د. قصي الحسين

منذ الصغر، ونحن نسمع الناس يقولون بهذا القول: “زاد الطين بلة.” أو بهذا القول على الوجه الآخر: “زاد الطين بلا.” وكانت هناك صيغة أخرى للمبالغة: “مما زاد الطين بلا”. وأيضا: “مما زاد الطين بلة”.
أصل المثل وتفريعاته وصيغه المتداولة، هو أن البناء، أو المعماري، كان قبل أن يضع الحجر فوق الحجر. واللبنة فوق اللبنة. والمدماك فوق المدماك، إنما يحضر الطين. يبله بالماء، ليجعل منه جبلة صالحة. يضع منها فوق الأحجار أو اللبنات لتلتصق ببعضها. فبمقدار ما تكون بلة الطين جيدة، بمقدار ما تتماسك الأحجار أو اللبنات، ويصير المدماك أشد وأقوى. وكذلك يصير البناء أشد وأقوى. إذ قوة وشدة تماسك البناء، إنما هو رهن جودة الجبلة، بلة الطين، التي يصنعها البناء بريازة دقيقة. ومن هنا سمي البناء أو المعماري، رائزا، لأنه يروز البناء، ويروز الحجارة. ويروز المداميك والجدران والنوافذ والأبواب والقناطر. ويروز في الأصل بلة الطين.
لبلة الطين أعيرة، يجب تؤخذ في الحسبان، فلا يزيد الماء على الطين المدقوق، حتى لا تفرط البلة بين يدي المعماري. فتصير بالتالي، غير قابلة للإمساك بالحجارة. و غاية ذلك شدها إلى بعضها، بعناصر الطين الذي يلتصق بها. فلا يجعلها عرضة للإنهيار، عند أول إهتزاز للجدار. أو قل عند أول إهتزاز للبناء.
كنا مجموعة من الناس، إلى طاولة، نؤمها للراحة كل ظهيرة، في مقهى إعتدنا إرتياده، في زاروب ضيق من الزواريب المتفرعة من “شارع الحمرا- رأس بيروت”، حين كان أحد الزملاء، يستفيض، في شرح، أو تشريح الأوضاع التي آلت إليها البلاد.
كان يتحدث بألم عن الأسباب التي دفعت الناس إلى “إنتفاضة تشرين1-2018”. وكيف أن هذة الإنتفاضة، تحولت إلى ثورة، كانت تخترق المناطق والقرى والبلدات والمدن. ولا تخرج من الساحات، إلا بعد أن تتحول الأرض إلى ركاميات. وكانت عشايا الإنتفاضة/ الثورة، مليئة بالأحداث الجسام. مليئة بالأحزان.
كان صديقنا يتحدث بحزن، عما أصاب الطرقات. عما أصاب المنشآت. عما أصاب الساحات. عما أصاب دور البلديات ودور المصالح والإدارات. عما أصاب الأسواق. وعما أصاب إشارات السير، على حد سواء. كان يتحدث بألم شديد، عن ردات الفعل. عن المواجهات. عن الشباب الذي كان يصاب. يقتل أو يشوه. أو يفقد بصره. أو يضربه العماء. أو يعوق. أو يعاق.
كان صاحبنا، يتحدث عن إغلاق واجهات البنوك أمام الزبائن، وفتحها من الخلف ليلا، لتهريب الأموال. كان يتحدث عن إنقطاع الكهرباء. عن إنقطاع الماء. عن إقفال المدارس والجامعات.
وكان حين يتحدث عن مشكل من المشاكل، يقول: “زائد هذا المشكل”. “زائد كذا.” يريد أن يقول إن المشكل كان يزيد من حجمها، بكذا وكذا من الأحداث. مثل إضراب الموظفين. ومثل قطع الطرقات. ومثل مهاجمة المطاعم، لإحتجاز بعض الزبائن. لإحتجاز بعض الرواد.
وكان صاحبنا ينتقل من عرض مصيبة وقعت في البلاد، إلى عرض مصيبة مضافة. فيتحدث عن إنهيار العملة الوطنية. وعن سرعة تدهور سعر الصرف. وعن إرتفاع الأسعار. وعن إختفاء السلع من الأسواق.
كان صاحبنا منفعلا لما يسرد من مصائب وأحداث جسام وقعت في لبنان. فيقول مثلا: “مما زاد الطين بلة”، إنقطاع الخبز من المحلات. من الأسواق من الأفران. يتابع فيقول أيضا: مما زاد الطين بلا، توقف محطات البنزين ورفع خراطيمها في وجه السيارات. ويتابع قائلا: مما زاد الطين بلة، إختفاء الأدوية. إغلاق البلاد بسبب موجات كورونا. تعتيم البلاد بسبب إنقطاع الكهرباء الدائم. بسبب إنقطاع الكهرباء الذي صار إنقطاعه مستداما.
ثم ينفعل صديقنا، زميلنا، صاحبنا، ويقول: “مما زاد الطين بلا” أن الشوارع إمتلأت بالنفايات. وغضب وإكفهر وإنفعل، وقال: “رضينا بغراب البين، لكن غراب البين ما رضي بنا”. فما المطلوب منا بعد، حتى نمرر هذين الشهرين المتأخرين عن الإنتخابات.
صار الناس يموتون اليوم على أبواب المستشفيات. صار الناس يشتهون الماء والكهرباء. صار الناس يشتهون الهواء. ومما زاد الطين بلا، أن النفايات، تفسد الهواء وتلوث البيئة، وتجعل الناس يهربون من المدن والقرى، ويسرحون في الجبال.
ويضيف صديقنا في مطالعته الطويلة: سألتكم ما الصحيح في قولنا: “بلة” أم “بلا”.
الصحيح يا صديقي، أن الناس كثيرة التضجر في هذين الشهرين الأخيرين: أيلول وتشرين الأول. وهم متضايقون مما آلت إليه البلاد طيلة السنوات الست التي مرت. فما ترك السادة آبقة إلا إرتكبوها. ولا جريرة إلا جروها على البلاد. حتى وصلت بنا الأمور إلى هذة الحالة المزرية التي نحن فيها. أما بشأن “بلة” و”بلا”، فإن الأولى هي إسم. والثانية هي مصدر. والناس في بلادي، عالقون مثلنا: بين الفعل والمصدر. والعاقل من يعقل الأمور، ولا يستعجل الشهرين المتبقيين، لأن الأمور بخواتيمها.
وأما السؤال عن مصيرنا، فهو -برأيي كمخضرم- يسير حتما وحكما، من السيء إلى الأسوأ.
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.


Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development