المقالات

الحادي عشر من أيلول
الإنقلاب الكوني \ د. قصي الحسين

يوم ولا كل الأيام، هو يوم الحادي عشر من أيلول. يوم سقوط البرجين في منهاتن بنيويورك، يوم تهاوي أعظم برجين في العالم. يوم الإنقلاب الكوني. يوم إنقلاب كوني، هو يوم الإنقلاب الكبير. يوم محوري في تاريخ الألفية الثانية. يوم إفتتاح الألفية الثالثة.

كان يجب، على صناع التاريخ، أن يختتموا ألفية، وأن يدشنوا في الوقت عينه ألفية، فإختاروا مثل هذا النوع من الإحتفال. إختاروا مثل هذا النوع من التدشين. حتى يليق الأمر بإنقلاب الكوني. بإنقلاب الحياة العسكرية، على الحياة المدنية.

يوم الحادي عشر من أيلول، فتح الباب على مصراعيه لتغيير العالم. خرج “الحادي عشر من أيلول”، بقلبقه العسكري، ليغزو العالم. ليغير وجه العالم. ليضع العالم كله، على سكة جديدة: سكة القطارات والقاطرات العسكرية. سكة الأرتال العسكرية. سكة الافواج، سكة الثكنات. سكة حاملات الطائرات سكك الدرون المسيرة. سكك الغواصات والقوعد العسكرية. كان الأمر ضروريا: عسكرة كل شيء. حتى رغيف الخبز، وقلم الرصاص. والدفتر المدرسي.

لا شيء يمر بعد الحادي عشر من أيلول، إلا من فوهة المدفع. إلا من بطن طائرة عسكرية. إلا من صرر القنابل، وصرير الرصاص. ودروب الحروب، وخطوط الجبهات، ودشمها المحورية.

بعد الحادي عشر من أيلول، لم تعد الأيام بحت مدنية. صارت كلها عسكرية. صادرها العسكر، ووضعها في جعابه. وصار يري الناس، ما يحلو له أن يروه من طوابع الحياة المدنية المعسكرة.

بطعم العسكر الذهاب إلى المدينة. الذهاب إلى القرية. الذهاب إلى المدرسة. الذهاب إلى السوق. الذهاب إلى صومعة القمح. والذهاب إلى المطحنة.

بطعم العسكر، هذا الشارع الممتد من نيويورك إلى موسكو. ومن باب بيتي القديم في قريتي المنسية، حتى باب قريتي المجاورة. صارت العسكرة جزءا عظيما، بل أصلا عظيما، من أصول التحية الصباحية اليومية. من أصول التحية المسائية. من الهجوع. من النهوض. من فرصة الغداء، وفنجان القهوة، والجلوس على المقاعد الخشبية في المقهى. وإدارة الكلام. وإستدارة السلام على المحبين، بعد طول إنقطاع. بعد طول غياب.

بطعم العسكرة، غدت جميع الإجتماعات في الغرف السرية. في الغرف المغلقة. وسرير الطفولة، أرجوحة من حرب مدبرة. أرجوحة من حرب مقبلة. وأمي تحن إلى الحروب القديمة، كيف كانت لها وجوها من جيوش، تستريح ذات يوم. فصارت بعد الحادي عشر من أيلول، بلا وجه. صار العالم كله بوجه حرب لا ترى. صار وجهها، مرآة خوف للزحوف العسكرية، في منديلها الذي يغطي قسما من وجهها. في منديلها الذي يغطي جزءا من الكتف التي حملت جرار الماء من النهر القريب، لأطفالها.

كل شيء تغير بعد الحادي عشر من أيلول. حمل العالم آلة الحرب على ظهره، وسار بها. يحرث بها المدن. يحرث بها القرى. يحرث بها الحقول. يحرث بها الكواكب والنجوم. وخطوط الحظ لدى عاشقين، خانهما القمر.

كل شيء تغير بعد الحادي عشر من أيلول. حتى حبة القمح في منقار حسون، صارت لها نكهة البارود. صارت في حراثة الثكنات. صارت في حراسة المخابرات. تسلك الطرق العسكرية، بحراسة قوى العسكر.

سيكتب التاريخ: يوم الحادي عشر من أيلول، غير وجه العالم. وضع على رأسه خوذة الحرب. وعلى ظهره وفضة فيها نبل. وفي يده لواء. يجر الشعوب كلها، من أذنها الصغرى، إلى خيمة مرقطة، تحت حراسة العسكر.

الحادي عشر من أيلول، يسلك اليوم على خط النار، بين موسكو وواشنطن. صار أبعد منهما. حمل الحرب إلى كل البيوت الآمنة. حمل الحرب إلى كل النفوس. غدت إنشودة النائمين، وإنشودة الذاهبين إلى النوم. وإنشودة العابرين في المنام. غدت الحرب في حليب الأطفال، وفي عيد العشاق. وفي كتاب الألفباء.

كل شيء في العالم تغير، بعدالحادي عشر من أيلول. كل شيء صار بثمن حرب. ننام على حرب. ونصحو على حرب. وحين نسافر، نحلم ألا نعثر. أن نتعثر. بحرب في الطريق.

الحادي عشر من أيلول، يوم إنقلاب كوني هو. يوم الإنقلاب الكوني. قل وداعا أيها الطفل للحياة الهادئة. قل وداعا أيها الأب، أيتها الأم. أيها الشيخ العجوز. أيها المدرس. أيها العامل. أيها الذاهب إلى الإدارة. قولوا جميعا: وداعا للحياة المدنية. فقد فرض عليكم الحادي عشر من أيلول الحياة الإنقلابية على الحياة المدنية، وجعلها في خيمة عسكرية، على خط واشنطن وموسكو. تنبهوا للأمر. إحتاطوا له. ولا تنسوا أن تحملوا جعب العسكرة، ودفاترها وأقلامها وشاشتها ومذياعها، وأعلامها. وإعلامها. فهي كلها من عدة الحياة المقبلة. من عدة الحياة القادمة.

د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى