طرابلس لبنان.. بورتريه بالفوتوغرافي العاصمة الثقافة العربية 2024تحقيق وتصوير:كارم يحيى \ مصر \ القاهرة

انطلقت في 24 مايو / أيار 2024 فعاليات طرابلس لبنان عاصمة الثقافة العربية لعام 2024. قبلها ذهبت إليها لأن أصدقاء في بيروت نصحوني بالذهاب إلى شمال، وتحديدا طرابلس، مداواة لآثار ما أصبح عليه حال بيروت "والبيارتة" جراء الأزمة الاقتصادية والمعيشية.
قبل مغادرة لبنان بحلول رمضان مارس من هذا العام، قضيت ستة أيام في المدينة، وهكذا كنت في طرابلس على بعد نحو 10 أسابيع فقط من إطلاق هذه الفعاليات ، ودون أن تبدو على استعداد للمناسبة، مجردة من إمكانيات تليق، وأهلها كأنهم غير مكترثين، وفي ظروف معيشية اقتصادية زادتها صعوبة حرب الإبادة على غزة التي تمتد إلى جنوب لبنان في قتال استنزاف يومي. ومع هذا، فالمدينة تجهر بتراثها المادي واللامادي بمايجعلها أهلا لمناسبة الثقافة العربية وعن استحقاق وجدارة، وأيضا عن تميز وخصوصية.
“تكاتك” وموتوسيكل
يدخل لمحل حلاقة
طرابلس تبدو للوهلة الأولى مدينة ملغزة محيرة، تشتهر “بالفيحاء”، لكنني لم أجد في الهواء فور الوصول إليها رائحة أزهار الليمون المسمى “بالمراكبي” لتصديره للخارج بالمراكب.
لا أزهار رأيت ولا أريجها الموعود تنسمت، حين ألقت بي سيارة الأجرة، قبل أن نبلغ موقفها، في خضم شارع ضاج بحركة الناس والسيارات، ودخانها. وأيضا “بالتكاتك”، وسرعان ما اكتشفت أنها مع سيارت “السرفيس” وسيلة المواصلات الأولى في مدينة، يقطنها نحو المليون نسمة. وتعد الثانية بعد العاصمة بيروت من حيث التعداد والمساحة، لكنها محرومة من مواصلات داخلية عامة.
وتتميز “تكاتك” طرابلس عن أخواتها في مصر بتنوع ألوان، لايخلو من حيوية وحرارة وبهجة، وعلى خلاف سيادة اللونين الأسود والأصفر القاتم عندنا. ولاينافس “تكاتك” طرابلس في مناوراتها المزعجة للمارة أحيانا سوى الدراجات النارية” الموتور/ الموتوسيكلات” المغطاة بكبائن”بالمشمع” لحماية قادتها من الأمطار، ملون مزركش من أعلى وشفاف من الأمام.
لكنني تبينت بمرور الوقت أن قادة الدراجات البخارية و”التكاتك” هنا، وكذا السيارات، أكثر رحمة بالمارة وعطفا عليهم من أقرانهم المتهورين اللامبالين في بيروت، وبخاصة عندما تغمر مياه الأمطار الشوراع الضيقة التي تشغل أرصفتها سيارات أو غيرها.
مع هذا، صادفت مالا أراه في مكان من قبل، حين فاجأني شاب في وضح النهار بالدخول أمامي بالموتوسيكل إلى محل حلاقة. ولما تنبه إلى أنني أشهرت الكاميرا، اكتفى، والحمد لله، بأن أبدى دهشته بتعبيرات الوجه لاغير مواجها دهشة العدسة وصاحبها. ولعل في هذا الموقف، مايعزز ماقيل لي من أصدقاء في بيروت عن طبيعة أهل طرابلس الأكثر هدوء وأريحية وبساطة.
ولأنها مشهورة بين اللبنانيين “بأم الفقير”، فأسعار السلع والخدمات، بما في ذلك المواصلات والتاكسيات “السرفيس” في الأغلب هنا أكثر رحمة بالناس من جنون وفوضى بيروت، وطمع الطامعين من سائقيها، وتوحش لغة الدولار بها، خصوصا بعد أزمة المصارف ( البنوك) اعتبارا من 2019.
برج الساعة
وحول شجرة التنابل
استقبلتني المدينة بمعلمين على طرفي نقيض، أولا صدمني مبنى جهم ككتلة صماء مخضبة بلون علم لبنان فاقدة لأي حس جمالي، وعليها عبارات كتبت كيفما اتفق تحيي القادمين، وتقول بأن “طرابلس جنة لبنان”. ويطل المبنى على ساحة/ ميدان تضطرب فيه حركة السيارات، ولايترك انطباعا بالراحة عند من يترجل. وتحول اسم الساحة من “عبد الحميد كرامي” ابن المدينة وأحد أبطال استقلال لبنان، وبعد نسف تمثاله بالميدان في 1976 بعد عام واحد من اندلاع الحرب الأهلية ،إلى “ساحة الله” ثم الآن “النور”.
وثانيا ما إن قطعت مسافة غير بعيدة إلا وانبهرت وانشرح الصدر بساحة رحبة تريح الأعين والأنفس، معلمها الرئيسي “برج ساعة التل”، والذي يعود بناؤه إلى 1901 تخليدا لمرور ربع قرن على تولى السلطان “عبد الحميد” السلطنة العثمانية. ولذا يسمى عند الطرابلسيين أيضا “بالبرج الحميدي”.
وتتخذ الساحة/ الميدان شكل مستطيل مترامي الأطراف، يحيط به خليط من العمارات، بعضها يقارب الأبراج، والأخرى والأهم تلك الجميلة منخفضة الارتفاع، التي تحمل عبق الماضي. ومنها ما يذكر القاهري القادم للمدينة بطرز معمارية مشابهة في حي “الكوربة” بمصر الجديدة أو “ببورفؤاد” من ضواحي مدينة بورسعيد، حيث تزاوج بين الأوروبي والعربي الإسلامي، وخاصة عندما يتأمل هندسة الشرفات، وما تحويه من نقوش وفراغات.
في أحد أطراف الميدان الوسيع، بإمكانك أن تعيد النظر إلى معلم البرج من داخل حديقة البلدية، فتبصره هذه المرة في إطار من لون أخضر، نخيل وأشجار سامقة. وتدرك “خفة الدم”، حين تعلم بأن أهل المدينة يقرنون إحدى أشجارها “بالتنابل”، حيث اعتاد المتعطلون قديما التحلق حولها و”التسكع” بالحديقة قتلا للوقت.
“قصر نوفل”
ومكتبته تحت الإعداد
أمام الباب الرئيسي للحديقة، ينهض “قصر نوفل” بطرازه الأيطالي، وأعلاه سقف خارجي من القرميد الأحمر، أحد أبرز المعالم الثقافية بالمدينة، وكذا الأثرية التي تعود للقرن التاسع عشر.
صعدت أحد السلمين الاثنين الخارجين ، ثم سلما داخليا، فانفتحت أمام النظر قاعة رحبة جرى ترميمها بعناية لتبرز جمال نقوش الجدران والسقف بألوان وقورة تجللها الثريات، مع حسن توزيع ضوء النهار القادم من النوافذ المعتبرة.
دلفت إلى فضاء آخر تشغله المكتبة التابعة للمركز الثقافي، الذي يسمى “بالبلدي” أو “رشيد كرامي”، فانتبهت إلى أعمال تصنيف وترقيم يدوية جارية على قدم وساق لمقتنياتها. وأبلغني مديرها الدكتور “فؤاد طرابلسي” بأنها تتوفر على نحو 20 ألف كتاب، معظمها بالعربية، والقليل منها بالإنجليزية و الفرنسية والألمانية والتركية. وتوقع الانتهاء من هذه الأعمال، وإعادة فتح المكتبة أمام الجمهور بين شهري يونيو/ حزيران ويوليو/ تموز هذا العام ( 2024)، كي تواكب مناسبة مدينة العرب الثقافية.
وعندما سألت، أجابني بمايفيد بتفرق مجلدات مجلات وصحف كانت تصدر من المدينة بإشعاعها الثقافي والسياسي على مدى القرن العشرين، كـ “الإنشاء” و”التمدن” و”البيان” و”طرابلس الشام” و”التربية الإصلاحية”، على أماكن عديدة بالمدينة. وبعضها طواه النسيان بموت أصحابها أو مع اختفاء أبنية وعقارات. وكأنه لن يبقى من أثر لصفحاتها هنا في موطنها إلا عند من تذكرها وذكرها شفاهة، وتعقب سيرتها وأصحابها، كما هو الحال في الجزء الأخير من ثلاثية “مدينة على المتوسط” للمؤرخ ابن المدينة الدكتور”خالد زيادة”.
في الطريق
إلى لأسواق
يلي الطرف الآخر من “ساحة برج التل”، وفي الطريق إلى أسواق طرابلس العتيقة، ستمر بشوارع تجارية عامرة بالمحلات، وبالمقاهي، ومن بينها مقهى “فهيم” العتيق، والذي يرتبط تاريخه بالحركة الوطنية والقومية ورموزها. وعلى طاولاتها على مدى عقود خلت صيغت مبادرات بيانات سياسية وثقافية، وربما جلس هنا يوما ما ابن المدينة قائد جيش الإنقاذ لفلسطين 1948 “فوزي القاوقجي”.
وعندما اجتزت طاولات الرصيف إلى داخل المقهى الفسيح مرتفع الأسقف متعدد الصالات والأجنحة، أخذتني سكينة جراء تسلل الضوء برفق عبر الزجاج الملون لنوافذه العملاقة في النهار، وانعكاسه الساحر المثير للخيال على الشخوص وكافة الموجودات بالداخل.
لكنني، كزائر للمرة الأولى، اندهشت أيضا حين صادفني بداخل المقهى عدد معتبر من “موتوسيكلات” تركها أصحابها هكذا. ومازلت حائرا هل يعكس هذا شدة الارتباط بين الإنسان و”ماكينته”؟ أم يشى لاقدر الله بأمر آخر؟، وإن كانت المدينة تبدو بالطبع أكثر أمنا من بيروت.
في الطريق إلى الأسواق، ابتسم لي بائع قهوة على الرصيف، فلم استطع خذلانه. ووقفت أرقب كيف يصنعها، ويقوم بصبها بتؤدة وبتفنن. وحينها اكتشف أن هذا “البزنيس المتواضع”، كغيره مثل بيع الفطائر والمخبوزات وتجهيزها بإضافة الملح والتوابل أمام الزبائن والمارة، يحافظ على التراث اللامادي، ويحييه مع كل حركة جسد وإيماءه من الصانع البائع.
الأسواق وما أدراك
ما أسواق طرابلس
زرت العديد من الأسواق العتيقة في عواصم كالقاهرة ودمشق وتونس و الرباط، وها أنا أعثر هنا على ما يضاهيها وربما يفوق بعضها عراقة وإتساعا وتشعبا وتنوعا وحفاظا على الحرف التقليدية. وبالقطع هي السوق العتيقة الأعظم بين مدن لبنان كافة، وحيث بيروت العاصمة نفسها بلا عنوان لسوق من هذا النوع.
شوارع تفضى إلى ممرات متشعبة ومتقاطعة تضرب بك هنا وهناك، وبأسماء الحرف والمنتجات، أرضيتها من مربعات البازلت الأملس المميز وفضاءاتها العليا بعضها مغطى بأقبية حجرية على هيئة أقواس، وأخرى مفتوحة للسماء أو مغطاة بالأخشاب والأقمشة. وتحتها حركة ذاهبين وغادين ومساومات صغيرة بين بائعين ومشترين أو من جاء وفقط لمتعة الفرجة وهذا الجدال.
لكن “الحلو مايكملش”، كما يقول المثل الشعبي المصري، فجدران السوق وأسقفها مهملة تلتصق بها عوادي التلوث، دون أن تظهر كرامة لصيانة أو تجديد، مع أنها عامرة بالبيع والشراء والكسب، وبفيض من محلات تبادل الذهب والفضة.
لفت نظري هنا، أيضا كثرة الباعة بلاحوانيت. يعترضون الطرق، ولو كانت ضيقة، بحوامل بدائية لبضائعهم، وبعضها لا يخلو من جمال أخاذ عند أولئك الذين رصوا حلواهم الشعبية بعناية وبألوانها المبهجة داخل “فتارين” زجاج أنيقة صغيرة. وبالأصل تتميز طرابلس بصناعة حلوى شرقية لها معاملها وتقاليد وأسرار صناعتها واسماء سلاسل محلاتها، التي يقصدها عشاقها حتى من خارج لبنان.
كما لا تخلو معروضات الباعة بلا حوانيت من جرأة، بالنسبة للقادم من مصر، حين يبصر الملابس الداخلية للنساء معروضة فوق عربات يد متواضعة، أو لوح خشب بقوائم، بما في ذلك حملات الصدر. وهكذا هي بضاعة شعبية في الهواء الطلق، تتفحصها الأيدي والعيون، بدون أن تقف عند حد أوتستتر خلف زجاج “فاترينة” بواجهة محل في حي بورجوازي. لكن هذه الظاهرة الجريئة كنت لاحظتها تتسلل منذ نحو ثلاثة عقود إلى بعض أحياء ءالقاهرة والإسكندرية.
أريح القدمين من المشي في أسواق تبدو بلا نهاية، فأجلس إلى مقهى تحتل ساحة تتقاطع عندها الطرقات. وأتجاذب الحديث مع نساء محجبات لأسرة طرابلسية جئن بأطفالهن، فأدرك عندهن فخرا ووعيا بأهمية المدينة وخصوصيتها، دون علم بأنها هذا العام عاصمة للثقافة العربية. وثمة من خلف كلمات الحوار بتلقائيته فلسفة شعبية مفادها أن “الحياة تسير عندنا ولأنها أم الفقير” مع الشكوى من البطالة بين الشباب ، مع بعض مرارة بأن الهجرة أصبحت للمحظوظ من البنات والأبناء خيارا وحيدا.
ولا تغفل الشكوى إهمال أغنياء المدينة لها، وأخذهم في العقود الأخيرة في التقتير على أعمال الخير، أو الفحش في اتسغلالها لأغراض سياسية انتخابية. ناهيك عن الشكوى من تزايد أعداد القادمين إليها وساكنيها من سورية ومناطق أخرى بلبنان ، ما أنعكس على تكاليف السكن والعيش.
حمامات نادرة
وخان للصابون
بالأسواق العتيقة نحو سبعة حمامات، معظمها مغلق ويحتاج إلى ترميم و صيانة لإعادة التشغيل. وثمة اعتقاد شائع هنا بأن هذه الحمامات لم يعد هناك ما يضاهيها في أي مدينة لبنانية.
وثمة حمامان في حالة تسمح بالزيارة، هما :” “عز الدين” والعبد” والأخير يجرى تشغيله بعد تمام ترميمه وتزويده بكل الإمكانات اللازمة لرفاهة مرتاديه. ولفت نظري، علاوة على حسن تقسيم كل حمام منهما لمتابعة مراحل عملية الاستحمام والراحة بعده، ثقوب إخراج البخار الساخن وإدخال الهواء هينا بلا ضرر في قباب تعلو فضاءات الاستحمام. والملاحظ أن هذه الثقوب تقتفي هندسة مدروسة متقنة.
وعلى مقربة من الحمامات، يقع “خان الصابون”، وحيث تجرى صناعة أنواع منه، معجونة ومعطرة بزيوت الزيتون وأشجار الأرز والغار، و بطرق تقليدية، يحافظ عليها ويرعاها أجيال تتوراث المهنة وورشها وحوانيتها. وكان بإمكاني أن أطلع في إحداها على مراحل التصنيع اليدوي للصابون، واستعيد من الذاكرة ما شاهدت قبل نحو عشر سنوات “بمتحف الصابون” في صيدا.
في طرابلس لا “متحف للصابون”، على الرغم من اشتهار صابونها إلى جانب العديد من مدن المنطقة فلسطينيا وسوريا. لكنهذا الخان، وهو في حد ذاته مبنى أثرى معتني به، يتميز باستراحة لمرتاديه على الطراز العربي ، وبالإمكان هنا أن تحتسي مشروبات شعبية خلال راحتك مستمتعا تحت الفئ والظل صيفا ومتوقيا المطر شتاء.
قلعة
نادرة المثال
اتجه يمينا، وخلفي الأسواق الشعبية العتيقة، التي يقال بأن عمر أقدمها يعود إلى 1100 سنة. ويأخذني طريق صاعد يشق على كبار السن إلى قلعة طرابلس. وإلى جانب الطريق الأيمن حارات يهبط إليها أهلها بمجموعات درجات متتالية، تتميز بشدة الإنحدار طبقة تلو أخرى.
أما إلى اليسار، وفيما يلى حديقة في بداية الطريق أمامها موقف عامر “بالتكاتك”، ترتقع عمارات سكنية فوق هضبة تعلو بعد نهر “أبو على” الصغير المتواضع ( حي القبة). وهكذا كأنها قد جرى رصها رصا فوق بعضها البعض، وهي تخفى ما بينها من شوارع وطرقات.
أبلغ القلعة إلى اليسار من الطريق، واجتاز بابها الأثري العملاق، فأدرك مدى ضآلتي وكل من مر بها غازيا أو كحالي زائرا. تدرك العين والروح معا طوال جولتي بربوعها الفسيحة ومستوياتها المتعددة صعودا وهبوطا “لعبة استغماية” بين الضوء والعتمة، مع راحة تنتاب الزائر جراء مساحات خضراء عشبا ونخيلا تتناغم مع اللون الأصفر الهادئ لأحجار القلعة، والتي تعود إلى عصور توالت ترمميا وتوسعة بناء منذ بداية القرن الثاني عشر الميلادي بواسطة الحملة الصليبية الأولى.
وقد إتسعت القلعة لاحقا لتبلغ ثمانية آلاف متر مربع، كما تسمح ارتفاعاتها بإطلالة ساحرة على الجانب الشرقي لطرابلس الأكثر حداثة من الأسواق وساحة التل وجورهما، وحيث تلك العمارات التي تقفز فوق أكتاف بعضها البعض في تزاحم و عدم تناسق وكآبة، تلك التي أشرت لها سابقا.
بين مسجد “طينال”
والجامع المنصوري الكبير
تعاقب على طرابلس خلال نحو ثلاثة آلاف سنة الحضارات والعصور الفينيقية والأغريقية والرومانية و البيزنطية و الفاطمية و الصليبية والمملوكية والعثمانية. ثم كان لحركة الاستقلال الوطني اللبناني فالعروبة تمثلاتها وبصماتها على تاريخ المدينة ومثقفيها وناسها، وعموم البلاد.
وتحتوي المدينة على مجموعة مساجد أثرية، وقبل الغروب، زرت جامع “طينال”،على اسم أمير مملوكي، الذي مر على تشييده نحو ثمانية قرون. وتناهت إلى الأسماع وأنا في طريقي إلى الداخل، تواشيح بصوت خاشع شجي، تملأ فضاء الساحة الخارجية وحديقتها الرحبة الغناء، بينما استراح البصر إلى خمسة قباب خضراء فوق كتلة المسجد، لا يمل الرائي من النظر إليها.
من الداخل، بدت الحجارة العتيقة والأعمدة الأثرية، التي تعلوها تيجان مورقة ( من أوراق الشجر) مع أعمال الخشب والزخرفة، تحفة تزيدها السنون تألقا. وعندما غادرت تنبهت إلى أضرحة معتني بها خلف المسجد تماما، وكأن سكانها يلتمسون الظلال و الرحمة من مجاورته على هذا النحو.
على خلاف “طينال”، الذي بدا في موقعه جنوبي المدينة بعيدا نائيا عن حركة الناس والضوضاء، لاحظت إلى أي حد ينغرس “الجامع المنصوري الكبير” بين أهل طرابلس، وعلى مقربة من الأسواق العتيقة. وينسب بناء أكبر مساجد المدينة هذا إلى عصر السلطان المنصور “قلاوون”. ويتميز جذع مئذنة بوجه شبه مع تلك المربعة الأضلاع الشائعة في المغرب الكبير.
كان المسجد مغلقا وقت زيارته، فلم أتمكن من معاينة باحته الداخلية التي تشتهر بتوسط نافورة مياة لها. لكنني جبت حوله من الجهات الأربع، فأدركت أنه جزء لايتجزأ من محيطه الحي. و لمست مدى قربه من حياة الأسواق وتناغمه معها، وبما في ذلك سوق للخضروات والفواكه، وأسواق غيره عامرة بمستلزمات المعيشة وبالحركة والناس وبضجيجهم.
وعندما أعدت النظر غير مرة إلى الجامع، من جوانب متعددة، بدا أشبه بتاج يتوج منطقة ثرية بالبيوت الأثرية والقديمة تحكي أزمنة تعاقبت، دون أن تهجرها الحياة لليوم.
عامرة بالكنائس
لطوائف متعددة
على البعد ثمة انطباع بأن طرابلس مدينة للمسلمين السنة ليس إلا، تولى وجهها نحو سورية الشام. ولليوم تربط محطة ركوب سيارات زهيدة الأجرة بجوار “برج ساعة التل” المدينة “بحمص” في حركة لاتهدأ حتى الغروب.
ومن قريب وعلى الأرض يدرك زائرها تجذر المسيحيين بالمدينة وتنوعهم، كما تدلل كنائسها، من أرثوزوكسية تنتسب لليونان، إلى مارونية وكاثوليكية، وحتى القليل النادر من البروتستانتية.
مررت بكنسيتين بوسط المدينة، تجاور أحداهما شارع معلق عليه لافته تحمل اسم “المطران طوبيا”. وهما أيضا منغرستان بين الناس وحركة البيع والشراء.
حي الميناء
بطابعه البحر متوسطي
تسمح الإقامة في فندق بحي أو مدينة المينا ( الميناء) شرقي طرابلس بزيارة المزيد من الكنائس ذات الطابع الأثري. وهذا الحي جرى تشييده فوق أقدم عمران بالمدينة أو مدينتها الأولى الفينيقية، وقبل أن ينتقل قلب طرابلس إلى ساحة ساعة التل والأسواق العتيقة.
وهنا تظهر عراقة الطبيعة الكوزموبوليتانية لمدينة البحر المتوسط، بتعدد أصول ساكنيها، وأصحاب المنازل الصغيرة العتيقة بين أزقتها (زواريبها) المبلطة بالبازلت، والتي تحول العديد منها إلى فنادق صغيرة أنيقة ( بنسيونات).
يشق هذا الحي التاريخي، الأقرب إلى أجواء اليونان وقبرص، شارع لايتجاوز عرضه الأربعة أمتار، يحمل اسم “مينو”. لكنه عامر بالمقاهي والمطاعم البعيدة عن عولمة عصرنا. وفي الليل تضيء الشارع والأزقة المتفرعة مصابيح تضفى مسحة أصالة وجمال.
يبدأ هذا الشارع سياحيا “كوزموبوليتانيا” وعلى مقربة من كورنيش البحر الذي يتميز برصيف للمشاة وسيع، وهو إلى حد كبير عصري. ومنه تنطلق مراكب إلى “جزيرة الأرانب”.
وعندما توغلت بالداخل إلى نهاية الشارع، الذي يشق في العمق حي الميناء وعكس الواجهة البحرية، انقلب الشارع نفسه إلى حاضنة محافظة للمسلمين. فكثرت مرتديات الحجاب والنقاب، مع آيات قرآنية وعبارات دينية على الجدران، بعضها لايخلو من أمر ونهي. وانتهى الشارع إلى سوق شعبية للخضروات والفواكه، ليست في تناسق وتنظيم السوق المجاور للجامع المنصوري الكبير.
إلى جانب ثلاث كنائس أرثوزوكسية ومارونية وكاثوليكية ذات أهمية أثرية ومعمارية وفنية بحي الميناء، يقع “بيت الفن” حيث يشغله “مركز العزم الثقافي” مع المركز الثقافي الأسباني “سرفانتس”. ولقد بدا لي وكأنه أكثر مكان يقيم ويستضيف الأنشطة الثقافية والفنية بطرابلس، وبعدما اختفت أو اندثرت وأغلقت أبوابها عشرات من دور السينما والمسرح كانت تتركز بوسط المدينة (*).
ولحي “المينا” واجهة بحرية مفتوحة ينظمها ويضبطها شارع “الكورنيش” الوسيع، على خلاف أزقته الضيقة وشارعه الأشهر العتيق”مينو” المتعرج المستدق. وأبرز معالم الكورنيش تمثال مبتكر للفنان التشكيلي اللبناني الراحل “ماريو سابا” يحمل عنوان “الإعصار”، ينطوي على جماليات تفكيك وتركيب وتدمير للوحات الرقن على الكومبيوتر “الكيبورد”.
وعلى بعد أمتار معدودة من التمثال، يتفرع شارع، يعلن في مدخله بصورة ولافتة تذكاريتين عن الاحتفاء”بفرح أنطون”، أحد رواد النهضة العربية المولود بالميناء 1874 والمتوفى بالقاهرة 1922.
الإعداد لحدث
العاصمة الثقافية
في قصر البلدية الجديد بالميناء، شاهدت أيضا استعدادات لتنظيم مكتبتها، ولكن على نحو أكثر بدائية وتأخرا عن مكتبة “قصر نوفل”. والأهم أنني التقيت الدكتور مهندس “باسم بخاش” عضو مجلس البلدية المنتخب ورئيس لجنتها الثقافية، وهو منخرط في التجهيز لفعاليات طرابلس عاصمة الثقافة العربية 2024.
قال لي أن من بين مؤهلات تقدم المدينة إلى منظمة “الألكسو” لهذه المناسبة وقبوله هو غناها بنحو 300 من المعالم الأثرية والتراثية والتاريخية. وعزا صمود الثروة المعمارية للمدينة، على الرغم من أن الحرب الأهلية طالتها وبخاصة بين سنوات 82 و 1985، إلى كون الدمار لم يلحق بها أضرارا بحجم العاصمة بيروت والعديد من مدن لبنان.
ومن بين المؤهلات أيضا، “كورال الفيحاء” الذي حصد العديد من الجوائز الإقليمية والعالمية، واستمرار تقليد “الحكواتي ” بها وببعض مقاهيها، وعلى نحو خاص “براق صبيح” الملقب “بحكواتي البلد”.
ولا يخفى “بخاش” اضمحلال عروض السينما والمسرح بطرابلس عن عصر ذهبي كان بين 45 و 1975، ومع أن مهرجانها السينمائي أتم عامه العاشر. ناهيك عن أن التراث المعماري في الأحياء الفقيرة عرضة للضياع والتلف جراء الإهمال وتكاثر أعداد ورثة العقارات.
وأشار إلى صعوبات عديدة تعترض الإعدادا لطرابلس عاصمة للثقافة العربية، ومن بينها ضعف الإمكانات والتمويل وتأخر الإجراءات التنظيمية.
المعرض الدولي
مكان إطلاق الفعاليات
اصطحبني “بخاش” إلى معرض طرابلس ( رشيد كرامي سابقا ) الدولي، والذي تنطلق منه فعاليات المناسبة بحفل وبرنامج افتتاح. مررنا بسيارته حول المعرض، فظهر على مساحة عظيمة. وعندما طلب من الحارس فتح الباب الرئيسي لندخل، بدا المكان مهجورا منذ قام بتصميمه المعماري البرازيلي العالمي “أوسكار نيماير” والانتهاء من تشييد مرافقه منتصف الستينييات، وإن مازال يتطلب ترميمات وصيانة ولمسات نهائية. ولاأدل على حال هذا المعرض العملاق التحفة المعمارية من كون منظمة “اليونسكو” في يوم إدراجه على قائمة التراث العالمي 25 يناير 2023، أصدرت تحذيرا لكونه عرضة للخطر وفي حاجة للإنقاذ.
إلى يسار فضاء المعرض، تقع قاعة مستطيلة كبرى مغلقة من المقرر أن تشهد حفل الافتتاح، ولكن أبرز معالم المعرض هو هذا المسرح المفتوح، وقاعة عملاقة دائرية أسمنتية لم يكتمل تجهيزها، وإلى حد أنها تفتقد إلى مصدر إضاءة وتتدلى من سقفها أسياخ الحديد. وكان من المدهشات أن يخبرني “بخاش” بأن هذا الصرح لم يشهد استضافة أي نشاط أقيم لأجله بعد.
*
على مدى نحو عام مضى، تشكو كتابات منشورة في الصحافة اللبنانية لابناء “طرابلس” مظلومية المدينة وإنكارها والتنكر لها بين أهلها الأقربين بالبلاد. هي عند هذه الكتابات: “مهملة” و”منسية” و”مضطهدة” و “بائسة” و”منكوبة بالفقر والتطرف” وتغص “بأحياء الغرباء”.
وربما كان هذه صحيحا أو ينطوى على مبالغات، لكن الموثوق به أن المدينة غنية بالتراث المادي واللامادي وأهل لعاصمة العرب الثقافية، لو توافرت الإمكانات والتخطيط وحسن الإدارة.
وفي كل الأحوال، ثمة مشاهد وذكريات وصور حلوة اصطحبتها عائدا إلى مصر أخالها باقية إلى نهاية العمر. لن أنساها. تماما كما لن أنسى عيون طفل بأزقة حي الميناء التفت إلى كهولتي وابتسم، ورفع سبابته مشجعا دون تبادل كلمة واحدة. وأيضا طفلان بشارع مؤدي للأسواق ينهمكان في اللعب فوق طاولة خضراء بخطوط بيضاء تحاكي كرة القدم، ولايشعران بمروري العابر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ الكاتب صحفي مصري، عمل محررا بالقسم الثقافي بجريدة “الأهرام” بين 2007 و2016، ثم مراسلا لها بتونس لعامين. وله إسهامات في الثقافة والفنون منشورة بدورية “جريدة الفنون” الكويتية بين عامي 2002 و2019 وغيرها.
(*) كما ورد بمقدمة النص أنه يتأسس على زيارة لطرابلس في ربيع 2024، لكن عندما عاد الكاتب إليها في زيارة ثانية خلال ديسمبر كانون الثاني 2025 اكتشف أهمية “الرابطة الثقافية” وتنوع نشاطاتها ومكتبتها العامرة ومعرض كتبها السنوي. وتأسست الرابطة في عام 1943 مع إعلان استقلال لبنان، وتقع بعيدا عن حي الميناء في وسط مدينة طرابلس بشارع الثقافة.




Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development