الإخلاص وموافقة الشرع سر قبول العمل

بقلم : الدكتورة منى سالم محمد
مدرس الفقه بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بالقليوبية
كل ما يعمله الإنسان في حياته، من قول وفعل وترك، إما أن يكون عادة له، وإما أن يكون عبادة لله تعالى، ويفصل هذا عن ذاك نيته في العمل والقول والترك، فالعادة قد تتحول إلى عبادة شرط وجود النية فمن غسل أعضاء الوضوء قاصدًا التبرد فلا يصح له صلاة بهذا الوضوء، أما إنوى حين غسلها الوضوء، حصلت له عبادة الوضوء، وصح بوضوءه هذا كل ما اشترط له الوضوء كصلاة وطواف ومس المصحف.
ولكي يقع هذا العمل محل القبول فلابد من توافر شرطان فيه:
الشرط الأول: إخلاص النية فيه لله؛ وذلك لقول الله تعالى:” وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ “( سورة البينة، آية: 5)، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: “«إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى “.(متفق عليه).
فلا يقبل عمل بدون إخلاص، وذلك كمن صلى أو تلا القرآن، أو تصدق بقصد الرياء والسمعة، فالنبي صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ” إِذَا جَمَعَ اللهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ، نَادَى مُنَادٍ: مَنْ كَانَ أَشْرَكَ فِي عَمَلٍ عَمِلَهُ لِلَّهِ أَحَدًا، فَلْيَطْلُبْ ثَوَابَهُ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ، فَإِنَّ اللهَ أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ “.
وللعلماء في هذا تفصيل حسن: وذلك أن يقع العمل على ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يكون باعثه عليه الله والدار الآخرة، فإن وقع كذلك، أو غلب باعث الآخرة أثيب.
الحالة الثانية: أن يكون باعثه للعمل الدنيا، أو صاحب العمل قصد محرم فهذا لا يثب.
الحالة الثالثة: أن يكون باعثه للعمل مختلط بين إرادة الآخرة، وبين أمور دنيوية غير محرمة، فهذا يثاب بقدر قصده ا الله والدار الآخرة.
قال ابن حجر: ” يؤخذ من قول الشافعي، وأصحابه: أن من حج بنية التجارة كان ثوابه دون ثواب المتخلي عنها، – أي- أن القصد المصاحب للعبادة ،إن كان محرما كالرياء أسقطها مطلقا، وهو محمل الحديث المذكور كما يصرح به لفظه، أو غير محرم، أثيب بقدر قصده الآخرة ، أخذا بعموم قوله تعالى: { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ }. [الزلزلة: 7] اهـ.
الشرط الثاني: أن يكون العمل موافقًا للشرع.
وذلك بموافقته لما جاء في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يكفي أن يكون قصد الإنسان حسنًا، بل لابد أن يكون فعله موافقًا لما جاء في شريعة الله تعالى.
وموافقة العبادة للشرع، تتحقق بتوافر ستة أوصاف فيها:
- الوصف الأول : أن تكون الموافقة للشرع في سببها ، فلا يؤتى بفعل ليس له أصل في الدين،
مثاله: أن يقع البيع على محرم أو على ما لا يجوز، كبيع الخمر والخنزير، فيقع مفسوخًا مردودًا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ” مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ”. - الوصف الثاني: أن تكون الموافقة في قدرها، فلا تصح صلاة الظهر مثلًا خمس ركعات أو ثلاث، لمخالفتها لقدرها وهي أربع.
- الوصف الثالث: أن تكون الموافقة في كيفيتها: وذلك بأن تقع على الصورة المأمور بها، ففي الصلاة مثلًا: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي “.
- الوصف الرابع: أن تكون الموافقة في زمانها، فلا يصح صوم رمضان في شوال، كما لا تصح الصلاة قبل دخول وقتها.
- الوصف الخامس: أن تكون الموافقة في مكانها، فمن حج ووقف بمزدلفة يوم عرفة، فلا يصح حجه، لفوته الوقوف بعرفة في مكانه المأمور به.
- الوصف السادس: أن تكون الموافقة للشرع في ( جنسها )، فمن ضحى بخيل أو فرس، كان فعله هذا مخالفًا للشرع؛ لأن الأضحية لا تكون إلا من بهيمة الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم ) .
وخلاصة القول، كما قال القاضي عياض:” إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصاً صوابا. قال: والخالص إذا كان لله عز وجل، والصواب إذا كان على السنة. وقد دل على هذا قول الله تعالى:” فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا”. [الكهف:110] .

Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development