المقالات

الجريمة والعقاب – بقلم: فداء عيتاني

يفترض أن يُعدّ رئيس الحكومة نجيب ميقاتي نفسه ليقرن قوله بالعمل، فقوله إن تخريب الوطن جريمة سيتحقق قريباً وقريباً جداً. بمجرد أن ينجلي غبار المعارك الكلامية في المجلس النيابي سيظهر ما كان يعمل عليه فريق 14 آذار، أو، للدقة، ما عمل عليه الرئيس السابق سعد الحريري ونظيره السنيورة وأولئك جيّدو الارتباط بالغرب.
سيكتشف ميقاتي قريباً، إن لم يكن قد علم بعد، أن دعاية شاملة قد بثّت في الخارج، ونفّذت حملة علاقات عامة في الولايات المتحدة، وأوروبا، ولدى المؤسسات الدولية، والأمم المتحدة، لفرض ما يشبه حصاراً مالياً واقتصادياً وسياسياً على لبنان، من بوابة أن الحكومة تابعة لحزب الله، وأنها ترفض الاعتراف بالتزاماتها الدولية ولا سيما تجاه المحكمة.
طبعاً اللعب المعتاد هو أمر متاح ومتوقّع، سواء تحت سقف القانون أو فوقه بقليل أو كثير: تشكيل رأي عام وإطلاق كلام بنبرة عالية، التجول في المناطق وإطلاق وعود أو تحذيرات، كل هذا مفهوم ولا يؤدي الى تخريب جدّي، فكلٌّ على رأس طائفته صيّاح.
لا بأس ببعض الكذب، وإن كان يفضَّل أن يكون بالتبادل والتناوب بين الفريقين، وإن لم يتمكن فريق الثامن من آذار من مجاراة تيار المستقبل بالكذب والدس الداخلي، فلا بأس بتركه يسجل النقاط.
وهنا لا تنفع كثيراً استراتيجية ميقاتي التي أعلنها أخيراً، والتي تتلخص بتجميع كمّ من الهجمات عليه قبل أن يردّ، ثم يصمت مجدداً، والأفضل ألّا يلتفت كثيراً الى الداخل اللبناني، خصوصاً أن ليس لديه ما يعد المواطنين به بعد.
كذلك لا ينفع التكتيك السري الذي يرى ميقاتي وحليفه محمد الصفدي أنهما يراكمانه بهدوء وبعيداً عن الأعين، أي الساحة السنّية في طرابلس والشمال عموماً، فتلك الساحة ستعود عاطفياً، أو مالياً، أو مذهبياً الى موقعها الأول لدى تيار المستقبل ما إن نصل الى أول مفترق طرق، أو الى أول انتخابات أمامنا..
إذ إن تخريب اقتصاد البلد، او ما تبقى سالماً من هذا الاقتصاد يعدّ جريمة، ومن الأسلحة المحرّمة، فهو لا يطاول القطاع المصرفي وحده، الذي سبق أصلاً أن وفّر لأصحابه أرباحاً خيالية من إدانة الدولة وحصد الفوائد المستديمة. لكن تخريب اقتصاد البلد، وضرب موسم سياحي آخر من المواسم العديدة المضروبة حتى اليوم، يطاول كل المواطنين، وكل الأسواق المحلية، ويؤدي الى ما يشبه الدمار الشامل، وإن كان الصراخ لم يصدر بعد من المواطنين فإنه سيصدر قريباً مع بدء موسم المدارس واستحقاق الأقساط المدرسية وشراء الكتب ودفع اقساط الباصات، وشراء الثياب الشتوية للأطفال.
ثمّة خطوات مطلوبة من ميقاتي، ما إن يحصل على الثقة بحكومته؛ عليه أن يُشعر أخصامه، الذين ربما لا يراهم كذلك، بأن الخسائر ستتوزع بالتساوي بين الجميع، وأنهم لن يكونوا بمعزل عن دفع فاتورة خراب البلد.
ميقاتي يعتقد بصدق أنّ ما جاء به هو توافقات دولية، تبدأ من فريق الأمم المتحدة، وصولاً الى واشنطن، وبعض وزارات الخارجية الأوروبية، لكنه من يوم 25 كانون الثاني الماضي اصبح رئيس حكومة لبنان، وعليه ألّا يعمل على الدفاع عن نفسه فقط، بل أيضاً عن مواطنيه ومصالحهم، علماً أنها من المرات النادرة التي سيكون فيها مصير رئيس الحكومة السياسي مرتبطاً بمصير مواطنيه المعيشي، ليس لأن المواطنين سيثورون على حاكمهم، بل لأن من يعمل على ضرب حياة الناس يريد تدمير هذه الحكومة، وهذا الرئيس الذي يرى أنه سدد إليه طعنة في الظهر.
لا يفترض أن يوافق ميقاتي على ترك من يخرب لبنان يمضي اجازته على شواطئ موناكو مرفّهاً عن نفسه بعدما أحكم عمله لحصار لبنان وكل مواطنيه بغية تسديد ضربة سياسية لحكومة ميقاتي ولحزب الله. ومن يمضي اوقاته متنقلاً في طائراته الخاصة لا يفهم الا بلغة المال، ولا شيء يؤلمه في هذه الدنيا إلا مالُه وسلطاته.
وفي نقطتي القوة لدى هذا الفريق، أي المال والسلطة، الكثير مما يمكن أن يقال، ومما يمكن أن ينجز، إذ يكفي مراجعة سجلات وزارة المالي، والكهرباء، والهاتف، وأي وزارة سبق أن عمل فريقه فيها. وقبل أن يستكمل هؤلاء عملهم في تطويق لبنان، على رئيس الحكومة أن يقوم بخطوات استباقية، واضحة، وقاسية تُفهم من لا يتردد في قتل مواطنيه وتدمير ارزاقهم بأن العيش في سردينيا قد لا يتاح لهم بنفس البذخ إذا ما استمروا في العبث بالبلد وتخريب سمعته في الخارج.
وقبل كل شيء، يجب ألّا ينتظر ميقاتي وقوع الفأس في الرأس، وبعدها يخاطبنا قائلاً إنه يريد السترة، فالهجوم لا يزال أفضل وسيلة للدفاع. ومن تحدث عن الجريمة عليه أن يلوّح بالعقاب.
– الاخبار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى