المقالات

لأننا الطائفة التي تُسمی بالاُمة / كتب: الاعلامي المستشار احمد درويش \ المصدر موقع الشراع

والبعض ارادها أمَة ، عصفت بعمودنا الفقري هشاشة عظام الخوف والترقّب.

ولأننا بعد مسلسل اغتيالات ،ابرزها تغييب رجل الإعتدال والمواقف الحكيمة الرئيس المظلوم رشيد كرامي ، وبعد هندسات لتركيع وتطويع مدن اهل السنّة في لبنان، وفي مقدمها فيحاء لبنان والعرب “طرابلس” من أحقاد نهبتها ،وسرقت هويتها وبيّتت إستخارة شيطانية لسحل كرامتها ، كان ضباب الخوف الرمادي يسكن الرئة الطرابلسية والسنيّة، والحذر ظل كلٌ منّا وزوار الفجر قلق علی مدار الساعة .

لم ينفع طقس أيّار، في نهائيات ربيعه البركاني ،ان يضمد انين الترقب من اي حدث ، حتی تناهی لأسماعنا كانه الوهم الرُهاب ،ونميل ونطلب ان نكون في أضغاث احلام او الإفتراض القاتل ولكن ..

عشية 16أيار 1989 ،تمّ إغتيال سماحة المرجعية السنّية الاولی الشيخ حسن خالد ، وعلينا ان نصدق انها ليست أحلام اليقظة ،بل رعب وإرعاب اللحظة .
سقط السقف علی اطفال امنياتنا الخديجة ..

هل نهرب لنتخفی وراء الرجفة ،ونحن نعلم ان مَنْ فعلها كالشيطان يرانا من حيث لانراه؟

واحتسبنا بكاء وتلحفنا خوفا ،الی ان دعاني الاخ الكريم والصديق الصدوق الاستاذ فؤاد مطرجي (مدير مصرف لبنان / طرابلس) للقاء في دارة مفتي طرابلس والشمال سماحة الشيخ طه الصابونجي يرحمه الله .

كان الحشد كبيرا،
واجما صامتا متلفتا من اي عفريت يفاجئنا بتهمة اللقاء ممنوع الاّ بإذن ، تقرر بعدها تجميع وفد كبير للمشاركة بتشييع الراحل الكبير، بإتفاق بين المفتي والاستاذ فؤاد نديم مطرجي، ولعله لن يسامحني إن اعلنت انه تكفّل بكافة نفقات الوفد والسيارات وعلی سلوك الطريق الطويل بين طرابلس وعكار فالهرمل بعلبك، نزولا للعاصمة المنكوبة، علی ان تبدأ رحلة الحزن بعد صلاة الفجر فورا لضمان الوصول باكرا، والقيام بواجب العزاء والتشييع .

عند الصباح فوجئ الاستاذ فؤاد مطرجي بأن الذين حضروا الموعد كان اقل بكثير من الذين وافقوا على المشاركة ، إذ كنّا بحدود اربع سيارات فقط،
وكانت غصة جديدة من تلكؤ وحذر وحيطة غير واجبة ، فالحدث جلل صاخب .

توكلنا علی الله، ودلفنا عمق ظلمة لم تنجلِ بعد، وشققنا السراب شقّا ودلفنا الوعر دلفا، ووصلنا واخبرنا الاستاذ فؤاد مطرجي ان شقيقه الاستاذ غسان مطرجي هيّأ لنا إفطار الصباح في دارته العامرة حيث استقبلنا بحفاوته البالغه وكرمه المشهود وشهامته المشهودة ، واسترحنا قليلا للتهيؤ للمسيرة الطرابلسية نحو قاعات العزاء ،غير اني لمست ان الاستاذ غسان حفظه الرحمان يتمهل ويتصل ويراقب، كأنه ينتظر رسالة ما احسسنا ان امرا قد وقع من منع مسيرتنا، اوالتحفظ عليها من اولياء الامر الواقع ، غير ان قناعة تسكننا ان الاستاذ غسان نديم مطرجي يملك ذراعا عصيّة علی الليّ والإلتواء وعلينا الانتظار ، وبعدها طلب الينا الاستعداد لمسيرة طرابلس.

ولما وصلنا باب العمارة فوجئنا بعشرات الرجال والشباب ينتظروننا حيث انطلقنا في تظاهرة كبيرة ،وكأن لسان حال الاستاذ غسان يقول ( هكذا تُمثّل طرابلس الأبيّة) …

اخذتني العزة من حَلِق الوجع ،ومشينا والناس تتساءل من نكون لتكون طرابلس تشارك بوفد يليق بها ؟؟

صليّنا صلاة الجنازة في مسجد امير المؤمنين سيدنا عليّ ابن ابي طالب ،وشيّعنا الفقيد الی مثواه الاخير في مقابر الإمام الأوزاعي وسط حشود سياسية ومن كافة اطياف الطوائف والقيادات، ومن بينهم شاهدت بين صفوف المعزّين رئيس إستطلاع قوات الردع العربية اللواء غازي كنعان ،
ووري في الثری الجثمان الطاهر، وشعرنا اننا نشاركه اول منازل الآخرة ، حالة من الضياع والارتياب والصداع السنّي المخيف وان جدرانا من قلاعنا نزفت حتی الرهاب..

..اتفق سماحة الشيخ طه والاستاذ فؤاد مطرجي علی تقبّل التعازي في قاعة مكارم الاخلاق الاسلامية في طرابلس ،خلافا لرأي سياسي واحد أراد العزاء في مكان آخر ، ولكن الحشود التزمت المكارم ،

شكرنا الرجل الشهم الاستاذ غسان مطرجي الذي كلّل هامة طرابلس بالفخر ، وساعة المغادرة نحو طرابلس طرأ علی خاطر المفتي الصابونجي امرا مستغربا، حيث خاطبنا اننا قمنا بواجبنا الاسلامي والطرابلسي واری انه لا مانع من العودة علی الطريق الساحلي الذي تحاشيناه في مقصدنا العاصمة ، وكأن الامر لم يعد مهمّا مهما حصل لنا من مضايقات واخواتها، ووافقنا بسعادة واضحة كأننا نتحدی من كان سيمنعنا .

وقبيل مقاربة محافظة الشمال،
و هنا المفارقة الكبيرة المقصودة او العفوية،
استوقفنا حاجز وسألنا ، وكان المفتي رحمه الله كلّفني التعامل مع الاسئلة، فجاوبت العنصر اننا وفد (علماء) طرابلس، وكان معلمه يقف علی ربوة قريبة ينتظر جوابا عن هويّتنا حيث اخبره اننا وفد (عملاء طرابلس) لنفاجأ بالكلمة الصاعقة ..دعهم يمرّون !!!!

نوبات الضحك سيطرت علينا من قلب وجعنا ان العلماء اضحوا عملاء ، وربّما كانت الكلمة المقلوبة جواز مرورنا الی طرابلس .

تحية لروح سماحة الشيخ طه، وتحية لكل من شاركنا رحلة الترقب من حدوث اي شئ .

شكرا للشهامة والاصالة والرجولة للسيدين غسان وفؤاد مطرجي واخوانهم وشبابهم ،كنّا يومها بحاجة الی موقف من اسياد المواقف البطولية، وما زلنا قيد البحث والتحري اليوم عن رجال يتكاتفون مع رجال البلد الاوفياء.

رحمك الله شيخ مظلومي لبنان
وعدت قرّاء (الشراع )ان اكتب عن هذه الحادثة ووفيت بما عاهدت عليه .
اننا تحدينا الحظر والخطر حيث قمنا بطباعة صور المظلوم الشيخ المفتي حسن خالد وزرعناها في كل طرابلس وذلك عن روح الوالد الكبير نديم مطرجي والد الاستاذين غسان وفؤاد مطرجي..

الاعلامي المستشار احمد درويش

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى