التحقيقات
سياسيو طرابلس: العجز التام – كتب: عبد الكافي الصمد

أكثر من مؤشر برز في الأيام الماضية التي رافقت الجولة الأخيرة من اشتباكات طرابلس، وأعطى انطباعاً عاماً بأن القوى السياسية في المدينة غير قادرة على إيجاد حلّ للمأزق الأمني، أو أنها لا تريد التوصّل إلى هذا الحل. أحد هذه المؤشرات جرى تلمسه خلال اجتماع سياسي عقد لاحتواء الأزمة، عندما توجّه رئيس فرع استخبارات الجيش في الشمال العميد عامر الحسن إلى النائب محمد كبارة بالقول على مسمع ممّن حضروا الاجتماع المذكور: «لماذا تنتقد الجيش لأنه يطلق النار رداً على مصادر النيران التي تستهدفه، أما قلت أنت: فليدخل الجيش وليضرب بيد من حديد؟»، ما دفع كبارة إلى الانتفاض من مقعده والرد بصوت عال: «أبداً، أنا لم أقل هذا الكلام!».ثاني هذه المؤشرات أن القوى السياسية في عاصمة الشمال لم تكلف نفسها عناء عقد اجتماع لمناقشة التدهور الأمني في المدينة، إلا بعد مرور أربعة أيام على اندلاع الاشتباكات. وهذا الاجتماع لم يعقد إلا بعدما وصلت إلى أسماع هذه القوى انتقادات كثيرة عن تقصيرها. خلال الأيام الماضية، ضجت صالونات طرابلس بأحاديث عن أن المدينة «يتيمة ومتروكة، وأن وجود رئيس حكومة و4 وزراء منها لم يترجم اهتماماً جدّياً بها». ولم يتدخل السياسيون جدياً، رغم أن هذه الجولة من الاشتباكات هي الأطول والأعنف والأكثر ضرراً، منذ اندلاع أول جولة لهذه الاشتباكات في طرابلس بعد أحداث 7 أيار 2008.
الاجتماع السياسي الموسّع الذي عقد في منزل الرئيس نجيب ميقاتي مساء أول من أمس، كان معبّراً جداً عن كثير من هذه المؤشرات، من غير أن يشفع له حضور وزيري الدفاع والداخلية ووزراء المدينة ونوابها، ومفتيها، والمراجع الأمنية فيها.
عندما سُئل الرئيس ميقاتي، عقب الاجتماع، عن سبب غياب ممثل عن الطرف الآخر في جبل محسن، ردّ مبرراً ذلك بأن اللقاء كان مخصصاً فقط لوزراء المدينة ونوابها والمفتي والمراجع الأمنية، وأن هناك لقاءً آخر لكوادر باب التبانة، على أن يتواصل الجيش اللبناني مع الطرف الآخر في جبل محسن.
تغييب الطرف الآخر من المشكلة، الموجود في جبل محسن، أو من يمثله، كان مدار نقاش جدّي داخل اللقاء، إلى حد دفع أحد المشاركين إلى القول إن «المجتمعين ليسوا هم الذين يتقاتل جمهورهم في الشارع، وإن اختلفوا في السياسة. واللقاء ينقصه وجود رؤية أو برنامج لإيجاد حل للمشكلة، وكان من الأفضل عدم عقده لأنه كان سيئاً».
أحد المشاركين الرئيسيين في اجتماع ميقاتي، عندما لم يجد أي طرح لمعالجة المشكلة، عرض فكرته القائمة على 3 قواعد: الأولى، سحب المسلحين من الشوارع ونزع السلاح الظاهر منهم على الأقل. والثانية، دعم الجيش وعدم التهجّم عليه؛ لأنه ليس منطقياً أن نكشف الجيش سياسياً ثم نطلب منه التدخل. والثالثة تخفيف حدّة الخطاب السياسي والإعلامي.
لكن هذا المشارك فوجئ بأن أحد الحاضرين بادره بأن لا إمكان لإيقاف إطلاق النار وحل الأزمة قبل سقوط النظام السوري، فما كان منه إلا أن ردّ عليه: «إذا كان حل الأزمة مستحيلاً، فلماذا نجتمع إذاً؟ وهل علينا أن نترك مدينتنا تحترق حتى سقوط النظام السوري؟ وماذا نفعل لو لم يسقط النظام السوري في وقت قريب، أو لم يسقط؟».
التباين بين المجتمعين في مقاربة أزمة طرابلس لم يقتصر على ذلك، بل إن بعضهم اعترض على صدور البيان الذي رآه «عمومياً ولم يأت بجديد، وكان من الأفضل عدم إصداره لأنه لم يختلف عن البيانات السابقة التي بقيت حبراً على ورق».
لكن هذا التباين بين القوى الطرابلسية الذي دار داخل الغرف المغلقة، امتد لاحقاً ليظهر في قراءة كل طرف منهم للأزمة. وهي قراءات يتضح حجم التناقض فيها. فالنائب سمير الجسر رأى أن «الصراع في المدينة سياسي وليس مذهبياً»، وهو موقف يناقضه فيه النائب السابق مصباح الأحدب الذي رأى أن «الصراع في طرابلس يتحوّل طائفياً ومذهبياً».
وبينما توافق رأي وزير الدولة نقولا نحاس القائل إن «ما يحصل في طرابلس يصبّ في خانة ربطنا بنزاعات إقليمية نحن بغنى عنها»، مع موقف النائب محمد كبارة في أن «المؤامرة السورية على لبنان قائمة منذ سنوات»، ذهب وزير الشباب والرياضة فيصل كرامي في اتجاه أكثر تميزاً وبساطة، عندما أشار إلى أن «الوضع استثنائي ويتطلب إجراءات استثنائية لتثبيت الهدوء والاستقرار في المدينة».
هذا الخلل في تعامل القوى السياسية مع أزمة مدينتهم ظهرت بوادره سريعاً على الأرض، إذ قبل أن تمضي ساعات على اجتماعهم في منزل ميقاتي، كانت الأرض على محاور القتال في باب التبانة وجبل محسن وجوارهما تشتعل من جديد، وبعنف أكبر هذه المرة، وترافقت مع حملة تعدّيات على منازل ومحال يملكها أناس يقيمون في الطرف الآخر، وفي حملة تطهير مذهبي استهدفت العلويين في المدينة خارج جبل محسن، ما أثار القلق وأكد صدق التوقعات والمحاذير من أن الاشتباكات لن يكتب لها هذه المرة أن تنتهي في وقت قريب. فما جرى ترافق مع انتشار كثيف للمسلحين في الشوارع، ما أعاد إلى الأذهان مشاهد الحرب الأهلية، وجعل طرابلس تبدو كمدينة أشباح، وكأن لا سقف سياسياً فوقها يقيها الشرور الحالية أو تلك الآتية إليها في المراحل المقبلة
جريدة الاخبار




Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development