التحقيقات
مايحدث هو نتيجة تحريف المفاهيم والسلوك المرتبط بها \ أسامة إسماعيل

ما يحدث اليوم على أرض الواقع هو نتيجة تحريف مفاهيم الدين والسياسة والمجتمع والإقتصاد والإعلام والفن والتكنولوجيا والأداء والسلوك المرتبطين بها. هذا التحريف أو التشويه الذي طال كل شيء، أدى إلى الظلم الإجتماعي والإقتصادي، والفساد المالي والإداري والإجتماعي والأزمات المتتالية والحروب، كما أدى إلى التعصب والإستبداد والفوضى والتفلت والإسفاف والسخف. فالمشكلة ليست مشكلة شخص أو حزب أو فئة معينة بل هي مشكلة إنحطاط المفاهيم والسلوك والأداء والتحريفات والتشويهات. فلو لم تكن هنالك تحريفات وتشويهات في الدين اليهودي لما نشأت "الحركة الصهيونية" ولما أقدمت على احتلال فلسطين وأجزاء من الأراضي العربية المجاورة لها ولما قامت بشن الحروب العدوانية في فلسطين وجوارها وآخرها حرب غزة ، ولولا التحريف والتشويه والأنظمة السيئة لما كان هنالك فساد وفاسدون وسياسيون سيئون وأحزاب سيئة وافتعال أزمات مالية ونقدية واقتصادية واجتماعية كماحدث ولايزال يحدث في لبنان.
في الأصل، جوهر الدين هو توحيد الله بالعبادة والتقديس والولاء والصفات ولكن التحريف والتشويه طالا الأديان بنسب متفاوتة وتحولت الأديان إلى مذاهب وطوائف، بعضها يؤله أشخاصاً بشريين وبعضها الآخر يقدس أشخاصاً ويقدم الولاء لهم، وكانت ولاتزال السلطات السياسية والأحزاب و"رجال الدين" التابعون لهم سبب تحويل الأديان إلى مذاهب وطوائف، ولديهم مصلحة في التركيز على الجانب المذهبي والطائفي والمسيّس للدين وحالة الغلو في هذا الجانب، وباسم المذاهب والطوائف تدار مسرحيات الصراع، وكذلك ينسب إلى الدين السلوك السيء والعادات السيئة التي أتت من التحريفات والتشويهات التي طالت الأديان وليست من جوهر الدين.وتمتلئ بعض مواقع الإنترنت والتواصل الإجتماعي بالكلام والصور والرسوم التي تقوم على هذا الأساس. وقد برعت "الحركة الصهيونية" في استثمار تحريفات الدين اليهودي وشوائبه والسلوك السيء. وكان مفهوم السياسة لدى بعض الفلاسفة القدماء يعني حكم النخبة المثقفة لاحكم العامة والجهلة والسخفاء والغوغاء كمايحدث اليوم، وبخاصة في الأنظمة الديموقراطية الإنتخابية العددية الطائفية الحزبية العشائرية، ونتائج هذه السياسة السيئة ملموسة ومحسوسة في لبنان كل يوم. وفي الأصل، مفهوم المجتمع لدى بعض الفلاسفة هو تكوين مدني يقوم على أساس تنظيم العلاقات بين الأفراد والتوزيع العادل للمنافع، وتأمين الإحتياجات وليس تكوينا"قبليا" أو عشائريا"أو حزبيا" أو طائفيا"حيث يحصل المدعوم والمستقوي والتابع والتقليدي والطائفي على المنافع والإحتياجات أكثر من غيره أو على ظهر غيره، وحيث الفوضى والعشوائية والتسلط والتعصب والجمود، تخل بالتوازن بين الأفراد والحقوق والمسؤوليات و" تخنق "الإبداع والإنتاج وتمنع التطور والتنمية، وتكثر محاولات التدخل في شؤون الفرد الشخصية والفكرية والمهنية والإقتصادية وكشف أسراره، و تتراوح حالة هذا المجتمع_القطيع بين الجمود والضجيج المزعج والمؤذي والعقيم. وفي الأصل، الإقتصاد هو علم إدارة موارد محدودة لإشباع حاجات غير محدودة وتنظيمها وتوزيعها بعدالة والتنمية وتحسين الأوضاع المعيشية والإجتماعية، ولكن التحريف والتشويه بالمفهوم والنظرية والممارسة أديا إلى جعل الإقتصاد أداة ولعبة بأيدي الأثرياء والمستغلين والمضاربين العالميين والمحليين، و لايقتصر هدف هذه اللعبة على المحافظة على ثرواتهم وزيادتها بل يتعداه إلى أهداف التفوق السياسي والمعنوي والتكنولوجي والعسكري على الغير والتوسع والسيطرة والنفوذ والوصول إلى السلطة أو الإحتفاظ بها، ولأجل ذلك يستعمل المال والإقتصاد لإثارة الأزمات والإضطرابات وأحيانا"لإشعال الحروب،وعلى الصعيد المحلي، أدى الفساد المالي والإداري والهدر والدين العام وتهريب ودائع بالعملة الصعبة، قدّرت بأكثر من ١٠ مليارات دولار أميركي إلى الخارج (نسبة الودائع إلى الناتج المحلي ٣٠٠٪)، والتلاعب بسعر صرف الدولار الأميركي إلى أزمة مالية نقدية إقتصادية حيث انخفضت القدرة الشرائية لذي الدخل المحدود والمنخفض بالليرة اللبنانية إلى نحو ٩٥٪ فيما استفاد البعض من ارتفاع سعر صرف الدولار ليحققوا أرباحا"طائلة ويثروا على حساب ذي الدخل المحدود والمنخفض ووصلت نسبة القدرة الشرائية لدى أصحاب المداخيل بالدولار الأميركي إلى ٨٦٥٪. وإن تحريف مفهوم الإقتصاد ودوره وأهدافه أدى إلى الإخلال بمبدأ العدالة والتوازن والمعايير الصحيحة للإستثمار والتوظيف، وأصبحت معايير التبعية و"المحسوبية" و"الواسطة" Favoratisme تتفوق على معايير الكفاءة والعلم والإختصاص والثقافة والنزاهة والتحرر والإستقلال في التعيين والتوظيف والإستثمارات والتعهدات، مما يؤدي إلى أداء سيء للإقتصاد العام والمرافق العامة. وذلك كله بسبب تحريف مفهوم الإقتصاد الذي يقوم على التوسط في الإنفاق والإستهلاك والإدخار.
ماينطبق على الدين والسياسة والمجتمع والإقتصاد ينطبق على الإعلام والفن اللذين لحقهما التحريف والتشويه في المفهوم والأداء والأهداف. فالإعلام في الأصل هو نقل المعرفة ونشرها في صيغة مناسبة، وأصبح مفهوم الإعلام لدى شريحة واسعة، بالواقع والأداء والأهداف، نقل السياسة الآنية والإنتخابية والحزبية والطائفية والشعبوية وأخبار الحروب والبرامج السطحية والسخيفة والفن الهابط والصاخب خلافا"للإعلام المتخصص والثقافي والإرشادي والتغييري الحر المستقل الذي يتمثل بنسبة قليلة من وسائل الإعلام والتواصل، وبدل أن يقوم الإعلام (Information) والإتصال والتواصل (Communication) بدور فعال ضد التحريفات والتشويهات والشوائب التي ألحقت بالأديان والسياسة والمجتمع والإقتصاد والفن في المفاهيم والنظريات والسلوك والأداء والأهداف، يقوم الكثير من وسائل الإعلام والتواصل بالترويج لها وتشجيعها عبر الأخبار والصور والآراء والتعليقات والتوقعات والدعاية والإشاعات فتحول دور الإعلام وفق هذا الواقع من نقل المعرفة، والتثقيف والإرشاد والمساعدة على تغيير الواقع الديني والإيديولوجي والسياسي والإجتماعي والإقتصادي والفني السيء، وتحقيق التنمية إلى دور نقل الواقع السيء والترويج لمن ومايسهم في استمرار هذا الواقع وترسيخه!!!
أسامة إسماعيل




Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development