الواقع العربي و القطبية الهندية المحتملة – بقلم : د محمد علي الحلبي

وأبسط تعريف للحقيقة إنها الصدق في معارضة الكذب والواقع في تعارضه مع الوهم ، وهي المُساعدة لوصول الإنسان إلى الحرية والعدالة،وبذلك يُحقق إنسانيته .
الثانية: حيث يوجد الحب توجد الحياة.
الثالثة: الحق بالسؤال هو أساس تقدم الإنسان.
ولإدراك حكم التاريخ يُشد الرحيل نحوها،وتصعُب دروبها , لكن في الوصول والركون لها،والعيش تحت ظلالها عطاء مستمر،غير منقطع ، وغيرمجذوذ.
لقد ازداد إيماني بهذه الحكم في الإطار النظري عندما دعمها قائلوها بالإرادة الواعية مستجيبين وعاملين لمضامينها بأجمل صورها…..كانوا من الهند, فكان الإبداع الحضاري مجدداً إحياء لحضارتها القديمة العريقة، ومفجراً ومسهما في عوامل التشييد القائم حاليا لبنيانها الأساسي بفروعه السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، والعسكرية أيضاً.
أما الحكمة الأولى فهي الشعار الوطني للهند، بينما الثانية،والثالثة قالتها الراحلة«أنديرا غاندي» رئيسة وزرائها ، إنما الزعيم الروحي«المهاتما غاندي»سبق الجميع في نسكه وتعبده لبلده،وتمسكه بمبدأ (الأهمسا) في العقيدة الهندية،وهو الامتناع عن أذى أي مخلوق،واعتماده أيضاً مبدأ (السانيا غراهام) أي المقاومة السلمية والعصيان المدني في مناهضته للاحتلال البريطاني.
لقد ردد دائماً الكلمة الهندية«شوماخا»والتي تعني أن أصل كل ما هو صغير جميل،ونهاية رحلة حياته كانت في عام1948دفعها ثمناً لإيمانه ببلده ،فقد قتله هندوسي.
غاندي هو من النماذج القلة بين قادة العالم في ربطه بين ما آمن به من قيم،والعمل من أجلها….كان في صورة إنسان نحيل الجسم كما تظهره الصور متخذاً من الفقر خياراً له في معيشته….سُجن مرات لنضاله ضد الظلم الاجتماعي، وضد الاستعمار….قطع المسافات الطوال في مسيراته ، وخلفه مؤيدوه , منها ما سُمي – مسيرة الملح – والتي بلغت400كم احتجاجا على فرض بريطانيا رسوماً على هذه السلعة مرتدياً كعادته الشال الهندي المنسوج بيديه ، ولعظمة تاريخه ولمواقفه النضالية ودفاعه عن شعبه , وهو أصلا المحامي أمام المحاكم العليا،ولمسيرة حياته الحافلة بالتضحيات منحه كل الشعب الهندي المتيم بحبه لقب «بابو» أي الأب.
ليس غريبا توجهي في اتجاه الشرق من وطننا العربي الكبير لأتنسم عبق الحضارة القديمة،فعيناي معلقتان فوق قمم الهملايا ، لكنني مصمم على معرفة المزيد من خبايا ضريح (تاج محل) أحد عجائب الدنيا السبع،الصرح خالد الروعة من روائع فن العمارة الإسلامية،وفيه قبر زوجة الإمبراطور شاه جيهان المتيّم بحبها لوفائها له…. وعملها معه،ومشاركته،وحملها جانبا من مسؤولية خدمه الشعب وخاصة الفقراء والمعوزين.، فبني لها هذا المعلم بناء على رغبتها العزيزة عليه ، رخام البناء من اللون الأبيض دليل الحب الصافي, وفي الهند شواهد قديمة لا تعد ولا تحصى تتحدث عن مكنونات الماضي وعظمته في شتى المجالات .
والتاريخ يعترف بمشاركة أمتنا العربية الشعب الهندي، والعديد من شعوب العالم عبر غابر الزمن بالإسهام الحضاري والإبداع، لكننا اليوم وكنا حتى منتصف القرن الماضي ولحد ما في أوضاع متشابهة، لا بل وبينما كنا ننعم في بحبوحة من العيش…..كان الكثير من الهنود يحلم بالخلاص من البؤس وشظف العيش….لقد استقلت بلداننا من الاستعمار في وقت متقارب ،فالهند استقلت عام1947وكذلك العديد من البلدان العربية،إنما في أيامنا الحالية تستعد الهند للحصول على لقب قطب من أقطاب العالم الجديد بينما تتراجع الأوضاع العربية القهقرى في أغلب المجالات والأسوأ أن قتل العشرات يومياً بات خبراً مألوفاً اعتادت آذاننا على سماعه أو قراءته عبر أجهزة الإعلام ، وبينما تمتلئ شوارع العواصم والمدن العربية بآلاف المحتجين المطالبين بحريتهم،ورفضهم لكل أنواع الظلم والقهر التي تمارسها الأنظمة الشمولية،لا بل رفضهم لها بالمطلق…..بالمقابل نجد أن عقيدة الحقيقة تسيطر على أغلب أبناء الهند قيادات ومنظمات،وأفراداً تأصلت في تجربتهم الديمقراطية،فالهند دولة فيدرالية تتكون من21ولاية،و9أقاليم تديرها حكومة مركزية،وحكومات للولايات، حدد الدستور الاختصاصات التي تمارسها الحكومة المركزية منفردة،كما حدد وبثلاث قوائم صلاحيات حكومات الولايات،وما هو مشترك بين الحكومة المركزية والولايات،والثالثة حق المحكمة العليا بفصل النزاعات التي تنشأ بين الحكومات، ولمزيد من الحرص والالتزام والتقيد الشامل والدقيق ببنوده استغرق وضع الدستور من قبل الجمعية التأسيسية المنتخبة للهند حوالي أربع سنوات كانت نهايتها في عام1950،ورئيس الجمهورية هو الرئيس الرسمي،وكل السلطات التنفيذية مخولة له لكنه يمارسها بمساعدة ونصيحة مجلس الوزراء،وله حق الطلب بإعادة النظر في توصية مجلس الوزراء،فإذا تمسك بها المجلس فليس أمام الرئيس سوى العمل بها،والسلطة التشريعية مكونة من مجلسين-مجلس الشعب،ومجلس لكل ولاية , يتكون مجلس الشعب من530عضواً يُختارون بالانتخاب المباشر،وعدد لا يزيد عن20عضواً يمثلون الأقاليم يُختارون بالطريقة التي يحددها البرلمان،أما مجلس الولاية فيتكون من250عضواً منهم238عضواً منتخبين،و12عضواً يعيّنهم رئيس الجمهورية،ومدة مجلس الشعب خمس سنوات بينما مجلس الولايات دائم ولا يجوز حله،ومدة العضو فيه ست سنوات إلا أن ثلث أعضائه يتجدد كل سنتين،وفي جميع الولايات مجالس منتخبة،ويقترع في الانتخابات أكثر من714مليون ناخب أي أكثر من سكان أوروبا،فعدد سكانها تجاوز المليار و200مليون نسمة،متعددة قومياتهم وعقائدهم الدينية ،وكذلك اللغات فهناك أربع عشرة لغة رئيسية إضافة إلى أربع وعشرين لغة أخرى , ينضوي العديد منهم في تشكيلات حزبية سياسية متعددة التوجهات…من اليسار المتطرف إلى اليمين المتشدد،وبعضها إقليمي وحتى طائفي إنما تبادل السلطة السمة المميزة للحريات السياسية،فلا تبق السلطة في يد حزب واحد،وفي مثل هذه الأجواء من الحرية الجماعية المنظمة لابد وأن تحدث الطفرة في نماء البلد في جميع المجالات ،وانطلاقات البناء في كل إرجائها متجاوزة مراحل البدء،الدافع لها تسارع المريدين لوطنهم لاحتضانها،والعمل من أجلها دافعين بسرعة أشرعة النماء إلى أقصى حدوده،ففي حكايا المعجزات الإبداعية،فــ«بيل غيتس» ،وأثناء زيارة له لمدينة(حيدر آباد)عرض عليه حاكم الولاية أثناء مأدبة عشاء أن يقدم له قلعتها ليقيم فيها مشروعاً للبرمجيات فوافق ووعد بتوسيع المركز على مدى ثلاث سنوات ليبلغ عدد المتخصصين به في وظائف البرمجة500موظفاً، درجت بعدها صور الابتكارات العلمية في مجالات الثورة المعلوماتية في منحيين:
1- صناعة الحواسب ضمن الدوائر المتكاملة معداتها.
2- التوسع في خدمات تكنولوجيا المعلومات والتي تحتاج فقط لخريجين جامعيين في استطاعتهم إتقان البرمجيات المبتكرة دوماً،وتوزيعها على الشركات العالمية عبر الحدود متضمنة مراكز الاتصال،وإجراءات عمليات الاقتراض،والرهن،وحسابات الرواتب.
وفي دراسة أعدها الكاتب«زكريا عبد الجواد»عن زيارته للهند وإطلاعه على بعض من التطور الذي شاهده في هذا الإطار يقول:«في مبنى سابر آباد وجدنا البنك الذي يقع في صالة كبيرة ليس يتوسطها عمود واحد،وفيه مكاتب ثلاثة موزعة على الزوايا خلف كل واحد منها موظف،وفيها حاسب يمكنّه من أداء مهام وظيفته بكفاءة وسلاسة أيضاً،وعندما لاحظ مرشدنا علامات الاندهاش على وجوهنا أشار بيده قائلا ً:إن بنوك الأشهر المقبلة سوف تصبح هكذا،مبيّناً أن في هذا المكان تتم أعقد العمليات الحسابية البنكية لبنوك تقع مقارها على بعد آلاف الأميال في أمريكا الشمالية،وأوربا».
هذه التجارب الهائلة دفعت بتزايد الطلب على ” السوفت وير ” الهندية تُستخدم في الكثير من المستشفيات،وشركات الهندسة والتصنيع،وأعمال الفضاء،وشركات الطيران والبنوك في أغلب بلدان العالم وحتى في أمريكا دافعة بتزايد الطلب على استيراد الفنيين الهنود في ألمانيا،بريطانيا، وأمريكا تمنح سنوياً200ألف تأشيرة للخبراء حتى وصل عدد العاملين منهم في وادي السيلكون الأمريكي إلى38%،وتوقعات الاقتصاديين أن ترتفع إيرادات هذا القطاع إلى ما فوق58مليار دولار ، والرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون يقول:«كلما أردت الحصول على معلومة في مجال التقنيات من مراكز البحوث يجيبني غالباً هندي،لا أمريكي».
لقد جمعت الهند بين كافة التطورات فازداد بروز نجمها سياسياً،واقتصادياً،وعسكرياً،ففي مجال التنمية الاقتصادية وإضافة لما ذكرنا استطاعت مراكز البحوث الزراعية تحقيق الاكتفاء الذاتي وتصدير الفائض عن احتياجات أبناء الوطن كما أولت عنايتها لسفن الفضاء والأقمار الصناعية،وصناعة السيارات،والسينما،والدواء،فسجل النمو الاقتصادي ما نسبته8،8%، القطاع الصناعي بلغت نسبته وفق الإحصاءات الرسمية12,4مقابل2,8%في الأنشطة الزراعية،والخبير الاقتصادي والاستراتيجي يوري داوش قال:«إن الاقتصاد الهندي مرشح لأن يتجاوز الاقتصاد الأمريكي في بعض معطياته،وأن الهند تمتلك أحد أكبر اقتصاديات ضمن مجموعة العشرين»والخبير الأمريكي ويليام استانسل قال:«إن الصين والولايات المتحدة والهند سوف تصبح أكبر ثلاث اقتصاديات العالم في المستقبل القريب»والحكومة الهندية تبذل جهوداً جبارة لتخفيف العجز في الميزان التجاري الذي ساهم فيه ارتفاع أسعار النفط،فالهند من البلدان المستوردة للنفط ومشتقاته، وعسكريا فهي واحدة من القوى العسكرية الأكبر في العالم،ففيها1,32مليون جندي عامل إضافة إلى نحو2,14مليونا من قوات الاحتياط، , وميزانية الدفاع تصل إلى36,02مليار دولار بنحو1,8%من الناتج المحلي،وفيها منظمة أبحاث الدفاع والتنمية العاملة على تطوير الأسلحة المعقدة والمعدات العسكرية محلياً بما فيها الصواريخ البالستية،والطائرات المقاتلة،والدبابات الحربية الرئيسية لتقليل الاعتماد على الواردات الأجنبية،والهند قوة نووية منذ عام1974.
تقصدت من وراء ما عددت وذكرت تأكيد حقيقة المعلومة المتعلقة ببدايات تكون القطبية الهندية العالمية و إجراء مقارنة بينها وبين واقعنا العربي حيث كانت أوضاعنا في منتصف القرن الماضي أفضل حالا من ذلك البلد ،ورغم الثروات الهائلة التي انهالت علينا نتيجة ارتفاع أسعار النفط لكن راح جزء منها لتكديس السلاح ناهيك عما يفرض من حين لآخر على أنظمة رسمية شراء تقليعات جديدة ,رغم عدم وجود استراتيجية دفاع عربي مشتركة فالمعروف ان اجتماعات مجلس الدفاع المشترك العربي في إطار الجامعة العربية قد توقفت وما زالت متوقفة منذ توقيع اتفاقية ” كامب ديفيد ” بين مصر والعدو الصهيوني في أيلول – سبتمبر- عام 1978, والأخطر التوسع بشراء سندات الخزانة الأمريكية لدعم اقتصادها المتداعي وتغطية عجوز موازناتها المالية وعونها على إنفاقها الهدري في حروبها ، إضافة للفساد الذي غرق في لجاجه بعض من الحكام والمحكومون، والإنفاق الكبير وغير المنتج على مشاريع خدمية كمالية كالأبراج،القصور،والطرقات السريعة ،ويكشف تقرير منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة ” الفاو ” أن حوالي 40 مليونا عربيا يعانون من نقص التغذية ما يعادل 13% من السكان تقريبا بالإضافة الى نحو مائة مليون عربي يعيشون تحت خط الفقر , وما يؤلم الإنسان العربي معرفته أن قياداته ومنذ عام 1955 وتحت غطاء ومظلة الجامعة العربية وافق مجلسها على التعاون الاقتصادي البيني , وعزز ذلك ميثاق العمل الاقتصادي القومي المقر في تشرين الثاني – نوفمبر – 1980 , ولنفس الغاية تحديدا عُقدت قمتان عربيتان بغرض تنفيذ أعمال الخطط التنموية والاقتصادية والاجتماعية الأولى في الكويت عام 2009 والثانية في شرم الشيخ عام 2011 ,وحاليا وأثناء انعقاد مؤتمر قمة بغداد الأخير جاء البيان الختامي له ” لقد تمت الإحاطة علما بالإجراءات التي اتخذتها الدول العربية والأمانة العامة للجامعة , والمجالس الوزارية العربية المتخصصة , ومؤسسات العمل العربي المشترك لمتابعة تنفيذ القرارات الصادرة عن القمم الغربية ” كما واعتمد في قراراته استراتيجية الأمن الغذائي الغربي كواحدة من ثلاث استراتيجيات معتمدة , وهكذا نبقى ندور في دوامة الفراغ منذ أكثر من ستين عاما , اعتاد أبناء الأمة ترداد مقولة تهكمية ” اقرأ تفرح جرب تحزن ” والمصيبة الأخطر والتي يلوح افقها فبينما تعيش شعوب متعددة الانتماء العرقي والديني متضامنة من أجل سعادتها نعود القهقرى في ظل عدد من أنظمة مستبدة حريصة الحرص كله عل مصالحها ومصالح التابعين والمهللين لها . محاولين إحياء ما دفناه في أيامنا الغابرة من صراعات ونزاعات
التاريخ جامعة،وتجارب الشعوب مدارس والهند منها،فلنعد إلى اشراقة العام الذي وُضع دستورها لأطياف شعبها ولنبدأ مثلهم بصيانة الحريات،وإقامة منظمات المجتمع المدني بكل فروعها،ففي ذلك بداية الاتجاه نحو مفهوم الدولة العصرية، توقا الى مستقبل ينتشر الضياء فيه .
محمد علي الحلبي

Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development