ليل الإنقلاب – د. قصي الحسين

كنت أبيت في أوتيل ديو، حين عاد النقيب فؤاد عوض، إبن بلدة عندقت، من الجنوب، على رأس كتيبة من المصفحات، وحاصر وزارة الدفاع، التي كانت تقع بقربنا، على طريق الشام، قبالة المتحف الوطني.
وفي منتصف تلك الليلة، إهتز مستشفى أوتيل ديو كله، على وقع رشقات الرصاص، حين دخل النقيب عوض، لإحتلال وزارة الدفاع. كانت الكتيبة، تتموقع حول الوزارة وتحاصرها. فنزل فرانسو جنادري، ليمسح مدافعها، فنزع منها “الإبر”. ولم نلبث ان سمعنا جنازير الدبابات، تحاصر كتيبة المصفحات المنزوعة المدافع. ويتقدم جندها فيحاصرون النقيب المتمرد، فيجد مخرجا، ويتوارى، ، إلى حين إلقاء القبض عليه لاحقا، على جسر نهر إبراهيم، مختبئا في صندوق سيارة، متوجها إلى بلدته عندقت المجاورة لبلدتي مشتى حسن، في عكار.
سمعت الناس في المستشفى، يلهجون بإسمه. وقد نال منهم الهلع والفزع والخوف، ليل الإنقلاب. وكنت أنا أستغرق في نفسي، وأنا أسلم عليه بصحبة والدي، الذي كانت تجمعه به، معرفة ومودة، وحسن جوار.
كنت أستعيد صورته أمامي، طوال ليل الإنقلاب: وسامته وحسن إستقبله للناس، في إجازته الأسبوعية، في بلدته عندقت، وحوله إخوته الأطباء، المعروفون، الذين جعلوا من دارتهم مستوصفا للناس في منطقة الدريب كلها. فكانت دارة النقيب عوض، ملاذا ومرجعا ومستوصفا، من صباح السبت حتى عصر الأحد، على الدوام.
دارة مفتوحة للضيافة والإستشارة والسياسة والوساطة. وكانت مأدبة الغداء للجفلى، لا للنقرة. فكل الموجودين في دارته، إلى مائدة الغداء بلا إستثناء.
كنت أستعيد قامته الممشوقة، وإبتسامته المرحبة بالناس، وتهلله وأخوته وأهله لهم.
ليل الإنقلاب، نهضت فزعا، ولم أحسن العودة للنوم، لشدة قلقي عليه، وأنا إبن الثالثة عشرة.
كنت أستعيد دماثته، وهو يربت على كتفي، ويسألني عن دراستي، فأشعر أني واحد من أفراد أسرته.
كان ليل الإنقلاب ثقيلا علي في مستشفى “أوتيل ديو”، بجوار وزارة الدفاع، وأنا على قلق وحزن وخوف.
شعرت بإضطراب عظيم. وأني فقدت سندا معنويا، يشد من أزري، ويقوي عزيمتي، ويحضني على التحصيل العلمي. وأنظر وأنا أقف تحت مصباح الغرفة، فلا أرى إلا ظلي ضيئلا، هزيلا خائفا مرتعدا، مختبئا تحت قدمي.
وما هي إلا بضعة أيام، حتى خرجت من المسشفى وعدت إلى بلدتي.
كانت سيارة الخط، تشق بنا الطربق، بين حواجز الجيش التي إنتشرت في بلدة عندقت. وكنت أرى من شباك السيارة، الطريق المؤدية إلى دارة النقيب عوض، محصنة بالجنود.
هزتني شبابيكها المغلقة، وهزني بابها الحزين. وهزتني ذكرياتي عنها هزا عنيفا.
دارة فرت عنها عصافير الفرح. وغادرها الناس. وأغلقت الأبواب وراءهم على هم وحزن. وغرقت بلدة عندقت الضاحكة في سوقها وعلى التلال، في ليل الإنقلاب.
تقدمت السيارة تشق بنا الطريق بين “كروم عندقت” إلى مفرق بلدة العوينات، المطل على بيادر بلدة شدرا، وتوقفت على حاجز مستحدث للجيش. نزل جميع الركاب إلى الأرض، يبحثون عن “فؤاد عوض”، المختبئ في ملابسنا.
قال لنا أبو محمود، صاحب السيارة: إن الجيش، يملأ شدرا ومشتى حسن ومشتى حمود والعوينات والبقيعة، على الحدود.
بعد ليل الإنقلاب، لاذ الأهالي بالصمت. صار الأخ يفر من أخيه ومن صاحبته وبنيه. وما كان يجرؤ، على الجهار بإسم فؤاد عوض، لئلا تسمع به الشعبة الثانية.
كان سائق جيب فؤاد عوض، الذي تقدم كتيبة المصفحات، المعاون أحمد قدويح، من بلدتي. وكان قد مضى أكثر من عشر سنوات، على ليل الإنقلاب. وكنت قبالته، في دكانه، يصلح لي مذياعا صغيرا. وكنت آنذاك مدرسا في قريتي. كنا نتحدث عن مآلات الأوضاع في البلدة والجوار، بعد حل الشعبة في عهد الرئس سليمان فرنجية. قال لي: إنه خرج بالنقيب فؤاد عوض من صور، يتقدم كتيبة المصفحات كشهاب من نار، يخرج على الرئيس فؤاد شهاب، بعد عصر ذلك اليوم المشهود. وكان طوال الطريق، متشنجا على غير عادته. كان قبل وصوله إلى وزارة الدفاع، قد أخذ بثلاث زجاجات. وحين وصل إلى بوابة الوزارة، طلب التوقف والحذر. ونزل من الجيب سهما مندفعا، يجر الذيل تيها، كأنه على الرئيس، رئيس.
ليل الإنقلاب، قلب العهد لوجه الدريب، ظهر المجن. فوضعت البلدات تحت المجهر، ينقبون في الدارت وفي السيارات وفي الحقول وفي البساتين، وفي القاطرات، عن النقيب، فلا يعثرون إلا على وجه خائف حزين كئيب.
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية

Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development