دلالة البعث في اللغة والأدب – بقلم: الدكتور محمد حبلص

فالخطيب أو الأديب يمكن له أن يقدّم في مجموعة كلمات محدّدة صياغات لغوية عديدة، وفي كلّ صياغة توجد صورة معنوية وبلاغية مختلفة عن الأخرى؛ ولكون لغتنا الجميلة تمتاز بهذه الخصائص عن غيرها من اللّغات، فأنا أقمت في هذه الدراسة فصلاً خاصّاً لتبيان معنى البعث في اللّغة، خصوصاً أنّ البحث الموضوعيّ والمنهجيّ يفرض على من يقوم به أن يمهِّد له بتوطئة لغويّة، فالقارئ – وإنْ كان مثقفاً ومطّلعاً -يصعب عليه أن يفهم موضوعاً ما في دراسة معيّنة، وهو يجهل معناه اللّغويّ؛ فاللّغة هي الوسيلة الوحيدة التي بها نفهم حياتنا، ونعبّر عن مشكلاتنا وهواجسنا، وهي العنصر الأهمُّ بين سائر العناصر التي تتشكّل منها شخصيتنا القوميّة، لهذا يجب أن تكون دائماً منطلقنا إلى الكشف عن غاياتنا، وإدراكها.
الفصل الأول
(دلالة البعث في اللّغة)
دلالة البعث في اللّغة
لكي نقف بشكلٍ موضوعيٍّ ومنهجيٍّ عند دلالة البعث في اللّغة والأدب لا بدَّ من أن نشير إلى أنّ العلاقة بين اللّغة والأدب هي علاقة عضوية غير منفصلة، هي كعلاقة المادّة بما ينبثق عنها ويتكوّن منها، فاللّغة هي مادّة الأدب، وهو منها يتكوّن ليغدو رسالة إنسانية جامعة، تحمل في مضامينها أهدافاً متنوّعة؛ وانطلاقاً من هذا التبيين، فإنَّ وجود دلالة البعث في اللّغة لا يكاد يختلف كثيراً عن وجودها في الأدب، وهذا ما جعلني أضع الموضوعين في بحث واحد ولا أبتعد عن الحقيقة البحثية إذا قلت: إنَّ طرقي دلالة البعث في اللغة يعتبر توطئة أكاديمية عرفيّة للحديث عن دلالة البعث في الأدب، وبناءً على هذا القول أبيّن للقارئ والباحث معاً أنّ الفعل الذي يحمل معنى البعث في اللّغة العربية، قد جاء فعلاً ثلاثياً متعديِّاً مجردّاً على وزن (فَعَلَ) = بَعَثَ، ومزيداً لازماً على وزن (انفعل) = انبعث، والفعل (بعث) المتعدّي مصدرهُ (البعث)، وهو يعني الإرسال، الذي هو أيضاً يعني الانتقال من حال إلى حال مختلفة أخرى، كأن نقول: بعث زيدٌ عمرواً برسالة إلى يوسفَ، وهذا المثال يعني أنّ زيداً قد أرسل عمرواً برسالة، وعمرٌو هو الذي انتقل من حالٍ إلى حالٍ بالإرسال، وفي القرآن الكريم ما يوافق هذا المعنى كلَّ الموافقة، حيث قال تعالى: ﭽ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭﭼ (1). والفعل (نبعث) في هذه الآية جاء بمعنى (نرسل) وقال تعالى أيضاً في هذا السياق: ﭽﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆﭼ (2) .
جاء فعل بعث في هذه الآية الكريمة بمعنى (أرسل)، وهذه الحقيقة اللّغوية تتطابق تماماً مع الحقيقة الدينيّة التي بمقتضاها يكون البعثُ يوم القيامةِ خروجَ الموتى من قبورهم، وانتقالهم من رقدة الموت إلى حركة الحياة والشعور، وفي هذا المعنى قال تعالى في القرآن الكريم: ﭽﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭﯮﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵﭼ (1).
إنَّ البعث في هذه الآية الكريمة هو عمليّة خروج الموتى من قبورهم لينتقلوا بعدها إلى حال جديدة، هي حال الحياة.
أمّا الفعل المزيد الّلازم (انبعث) فمصدره انبعاث على وزن (انفعال)، وهو مصدر قياسيٌّ يدلّ على حدوث الفعل حدوثاً تلقائياً وإراديّاً، وهو يعني الخروج والانتقال من وضع إلى وضع آخر، ولكن انطلاقاً من إرادة فرديّة تلقائيّة، كما بيّنتُ آنفاً، وهذا ما يتأكّد لنا في قوله تعالى في الّلذين لم يُعدّوا العدّة للخروج إلى الجهاد: ﭽﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘﭼ (2).
وفي الحديث الشريف قال الرسول العربيُّ الخاتم محمدٌ : (وإنما بُعثتُ لأتمِّمَ مكارم الأخلاق)(1)، والبعث هنا يعني كذلك الإرسال الذي بمقتضاه يكون التغيير على المستوى الاجتماعي والمسلكي، وانتقال الإنسان إلى حال عقائدية جديدة. وفي لسان العرب لم يأتِ معنى الفعل (بعث) مغايراً لما تقدّم في هذا البحث، بل أتى موافقاً له كلَّ الموافقة حيث جاء في الّلسان تحت مادّة (بَعَثَ): بعثَهُ ويبعثُهُ بعْثاً: أرسله وحده، وبعث به: أرسله مع غيره.
وفي حديث ابن زَمْعة: انبعث أشقاها، يقال: انبعث فلانٌ لشأنه إذا ثار ومضى ذاهباً لقضاء حاجته. وبعث الجُنْد يبعثهم بعثاً وجّههم والبعث يكون بعثاً للقوم يُبعثون إلى وجه من الوجوه، مثل السّفر والرَّكْب. وانبعث الشيء اندفع وانبعث في السير أي أسرع.والبعث أيضاً الإحياء من الله للموتى(2).
وأمّا من الناحية الاشتقاقية، فإسم الفاعل لـ (بَعَثَ) هو (باعث) على وزن (فاعل) واسم المفعول هو (مبعوث) على وزن (مفعول)؛ أمّا الفعل (انبعث) فاسم فاعله (مُنْبَعِث) وليس له اسم مفعول، لأنّه لازم غير متعدِّ. فاسم الفاعل (باعث) يدلّ على القيام بفعل البعث المتعدّي ليوقعه على غيره وهو المفعول به، أمّا اسم الفاعل (منبعث) فهو يدلُّ على القيام بفعل البعث (الانبعاث) قياماً تلقائياً وذاتياً دونما الحاجة إلى إلزام غيره به؛ وهكذا يتبيّن لنا أنَّ (الباعث) هو الدّافع الذي يدفع غيره إلى أمرٍ ما، أمّا (المنبعث) فهو المندفع إلى أمرٍ ما من تلقاء نفسه.
مدخل إلى الفصل الثاني
إنَّ أدبنا العربيّ، وخصوصاً الجانب الشعريّ منه، استطاع بجدارة أن يواكب مجريات العصر، وأن يعبّر عن مشكلاتنا القوميّة، والاجتماعيّة، والإنسانية كافّة.
فالشّعر العربيّ الحديث هو انبثاقٌ حقيقيٌ من واقعنا الحياتي بكلّ اتجاهاته وتفاصيله، وهو حركة إبداعية التزمت بالعروبة وقضاياها العادلة، وفي طليعتها قضيّة فلسطين التي هي بحقٍّ قضية الأحرار في العالم كلّه، وجاءت ظاهرة الالتزام القوميّ والنضالي في شعرنا العربيّ الحديث نتيجة لإيمان الشعراء العرب بتاريخهم، وحاضرهم، وحقوق أمّتهم العادلة، ولم يقتصر هذا الالتزام على الشّعر فقط، بل تجلّى في سائر أنواع أدبنا العربيّ المعاصر والحديث، وهكذا يتبيّن لنا أنّ أدبنا هو أدبٌ حيٌّ قادرٌ على أخذ المبادرة في معالجة مشكلاتنا السياسية، والنضالية، والاجتماعية، «وهكذا نرى أنّ الأدب الحقَّ، والأدب الحرَّ الصّادق، والأدب المعبّر، والأدب الناقد، والأدب المعالج – إنّما هو الأدب الذي يحبّذ نفسه باختياره ليقف في صف المناضلين ضد أعداء العروبة، من صهيونية وامبريالية»(1).
ومن هذا المنطلق العقائدي وظّف الشعراء العرب المحدثون قرائحهم الشّعرية في خدمة أمّتهم ومصيرهم القوميّ، ومن هذا المنطلق شُغِفوا شعريّاً بأسطورة الموت والبعث، واعتمدوها بشكل مستمرّ ومكثّف، لأنّهم وجدوا فيها مادّة شعريةً خصبةً تُتيح لهم التعبير عن غاياتهم، وأمانيهم في سياقٍ شعريٍّ فنيٍّ وإبداعيّ متميّز.
الفصل الثاني
(دلالة البعث في الأدب)
دلالة البعث في الأدب
إنَّ اللّفظ اللّغويّ الذي يحمل معنى البعث قد جعله الشعراء العرب المحدثون في نتاجاتهم الشعرية لفظاً مشبعاً بمعانٍ متنوّعة ومتصلةٍ بالحياة الإنسانية ومشكلاتها اتصالاً مباشراً، وقد عبّروا به عن فكرة البعث على المستوى القوميّ، والوطني، والحضاري، والسياديّ، والفرديّ، فتمّ الانتقال من إطار اللّفظ الذي يأخذ مفهوماً معنوياً محدّداً، إلى الدخول في صياغة شعريّة إبداعيّة تأخذ مفاهيم سياسية، وإنسانية شاملة، ومتنوعة، تعبّر تعبيراً فنياً باهراً عن مشكلاتنا التي تعجّ بها حياتنا العربيّة، ثمّ جاء استخدام الأسطورة والرّمز ليُكسبا الشّعر العربيَّ الحديث غنىً، وعمقاً، وشموليةً في التعبير عن فكرة البعث.
إنَّ الشعراء العرب الذين تجلّت في شعرهم هذه الفكرة هم كثرٌ، وأكثرهم شهرةً في هذا المجال الشاعر السوريّ على أحمد سعيد (أدونيس)، واللّبناني خليل حاوي، والعراقيّ بدر شاكر السيّاب، وقد لجأ هؤلاء للتعبير عن أفكارهم ورؤاهم البعثيّة إلى استخدام الأسطورتين البابليتين (الفينيق) و (تمّوز) اللّتين تحملان في مضمونهما معنى البعث من رقدة الموت إلى حركة الحياة.
فطائر (الفينيق) عند البابليين هو طائرٌ أسطوريٌّ يحترق، ثمّ ينبعث من رماده حيّاً، ولهذا نجد أدونيس قد اتخذه رمزاً للبعث القوميّ والإنسانيّ والحضاريّ في قصيدته الرائعة (ترتيلة البعث) حيث يقول فيها:
فينيقُ، يا فينيقْ
يا طائر الحنين والحريق
يا ريشةً ساحبةً وراءَها الظّلامَ والبريقْ
مسافرٌ خطاكَ عمرُ زهرةٍ
لفتتكَ انخطافةٌ وناظراكَ منجمٌ،
مسافرٌ زمانكَ الغدُ – الحضورُ السرمديُّ في الغدِ
لموعدِ:
به تصير خالقاً، به تصير طينةً
تتحد السماءُ فيكَ والثّرى
فينيقُ في طريقكَ التفتْ لنا فينيقُ حنَّ واتئدْ…
فينيقُ متْ، فينيقُ متْ
فينيقُ، ولتبدأْ بكَ الحرائقُ
لتبدأَ الحياةُ
فينيقُ، يا رمادُ، يا صلاةُ.(1)
إنَّ فكرة البعث القوميّ والإنسانيّ والحضاريّ تتجلّى لنا بشكل يقينيّ في هذا المقطع من قصيدة شاعرنا، حيث يطلب الشاعر من الفينيق أن يموت، ويأتي الطلّب بصيغة الأمر المكرّر، لأنَّ موت الفينيق احتراقاً، وفْق فحوى الأسطورة، يؤدّي إلى بعثه من جديد إلى عالم الحياة، وبعثُ الفينيق بعد موته، هو رمزٌ شعريٌّ إبداعيٌ عنى به الشاعر بعث الأمّة من خمولها، وتخلّفها، لتعاود سيرها في ركب الحضارة والحياة والألق؛ والمستقبل الزّاهر المتفتّح الذي يتوخّاه الشاعر يتمثّل في لفظتي (الشقائق) و(الحياة) اللّتين وردتا في نهاية المقطع.
فالشقائق هي رمز النّماء والربيع اللّذين يعيدان إلى الأرض نشاطها، فتصبح أكثر قدرةً على العطاء، والحياة هي النتيجة الحتميّة التي تعقب الموت وذلك بحدوث فعل البعث، لهذا ألحّ أدونيس في المقطع السابق من قصيدته (ترتيلة البعث) على الفينيق طالباً منه أن يموت احتراقاً، وكأنّي بشاعرنا يريد أن يؤكّد أنّ بعث الأمّة الجديد ، لا بدّ من أن يسبقه موت حاضرها المتخلّف المترع بالتردّي والضياع، كما أنّ شاعرنا يريد أن يؤكّد أنّ البعث يحتاج إلى أسلوب تضحية وتفانٍ لبلوغ الغاية، وما أحوج واقعنا العربيّ اليوم إلى أن يحترق الفينيقُ في كلِّ ميدان من ميادينه!.
لم يلجأ أدونيس إلى هذه الأسطورة البابلية، لأنّه مولعٌ بالأساطير، الضبابيّة والغموض، إنّما لجأ إليها لأنّه وجدها تخدم فكرته الشعريّة العقائدية خدمةً إبداعيةً قويّة، ولأنّه وجدها مادّة جديدة تمكّنه من ولوج جوهر الحداثة.
وفي الحقيقة أنّ أدونيس لو لجأ في التعبير عن فكرته هذه إلى غير الفينيق لما استطاع أن يملك الفاعلية، والروعة المضمونيّتين اللّتين امتلكهما في (ترتيلة البعث)، ولم يقتصرْ استخدام أدونيس لهذا الطائر الأسطوري على هذه القصيدة وحسب، بل استخدمه في قصائد أخرى، وهذا ما يُثبت صوابية رأينا في أنَّ شاعرنا لجأ إلى هذا الرمز الأسطوريّ، نظراً لما فيه من غنىً معنويٍ ومضمونيٍ. ففي قصيدة (البعث والرماد) تجلّى الفينيق بقوّة حيث تحوّل من رمز يُسهم في إغناء القصيدة، إلى محور جوهريّ تغدو القصيدة بدونه فارغة من أيّ مضمون، ولا تفضي بالقارئ إلى أية نتيجة أو غاية، ففي قصيدة (البعث والرماد) يقول أدونيس:
أحلمُ أنَّ رئتيَّ جمرةٌ
يخطفني بخورُها يطير بي لبعلبكَّ، –
بعلبكُّ مذبحٌ،
يقال فيه طائرٌ مولّه بموته
وقيل باسم غدهِ الجديد باسم بعثهِ يحترقُ
والشَّمسُ من حصادِهِ والأُفُقُ
يكبرُ فيَّ الأُفُقُ – يولد فيَّ الأُفُقُ
وحينما يستيقظ الصّباحُ
يطلعُ لي، من أوّلٍ، جناحُ
مثلك يا فينيقْ
يا أيّها الرفيقْ.
مثلك يا فينيقْ
يا حاضنَ الربيع واللّهبْ
يا طيريَ الوديعَ كالتَّعبْ،
يا رائدَ الطّريق(1).
نلاحظ في (البعث والرّماد) – كما في غيرها من القصائد – أنّ فكرة البعث تلحّ على الشاعر إلحاحاً شديداً ومستمّراً، فالفينيق في هذه القصيدة يتخطّى وظيفته المحوريّة ليغدو القدوة التي يُقتدى بها في طريق البعث، فهو عند شاعرنا الرّفيق الذي يعوِّلُ عليه، والرّائد الذي يستشرف للأجيال المستقبل، وبذلك فهو جديرٌ بأن يُتَّبعَ لكي يتحقّق البعث الحياتيّ الشموليّ، ولأنَّ الفينيق هو القدوة وجدنا شاعرنا شبّه نفسه به دلالةً منه على أنّ كلّ فرد من أفراد المجتمع يجب أن يكون في موقعه فاعلاً في حركة البعث، لا أن يكون متأثراً أو مرتقباً، يجب أن يكون كلُّ فردٍ، يحمل في نفسه روح الفينيق؛ فقانون الحياة يقضي ابتداع الوسيلة لبلوغ الغاية، وعليه لا يكون بعثنا السياديّ، والحضاريّ، والعلميُّ، والمعرفيُّ إلاّ إذا كنا فاعلين جميعاً في حركة البعث.
إنَّ هذه الحقيقة الواجبة يجدها القارئ في ديواني (زئير العاصفة) متجليّةً في قصيدة (طريق السيف) حيث قولي في مطلعها:
السيف يبقى طريقاً أقوم الطرقِ / للبعثِ يوصلُ للتحرير والأَلَقِ(1).
في هذا البيت يبدو السيف للقارئ الدارس، الوسيلة الوحيدة التي توصل إلى البعث، والسيفُ في هذا البيت ليس رمزاً للقوّة السياديّة وحسب، وإنّما هو رمزٌ للقوّة العلمية أيضاً، إذ لا يمكن على الإطلاق انطلاقاً من قانون الحياة – أن تتحقّق قوّة السيف دون القوّة العلميّة والمعرفيّة، وفي الشطر الثاني من البيت يجد القارئ أنَّ عملية البعث مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالتحرير، والألق، والترقّي، فلا بعثٌ دون انتقالة حياتية تغييريّة، فحبّذا لو أنّنا في مجتمعنا العربيّ خرجنا من غوغائيّتنا، وعملنا بالوسيلة الناجحة التي تحقّق لنا طموحاتنا القوميّة على الصعد كافّة.
إنَّ سيف المعتصم الذي مجّده أبو تمّام لم يكن لو لم يسرْ بنو العبّاس في طريق العلم والحضارة والاكتشاف، كما أنَّ بعثنا من القبور لا يمكن أن يحصل إلاّ إذا نُفِخَ في الصور بأمر الله، وبفعل إرادته. فالوسيلة التي تخرجنا من عالم الموت والفناء والاندثار إلى عالم الحياة الجديدة والبقاء هي قدرة الله، عزَّ وجلَّ، فلعلَّنا نأخذ بالأسباب التي تمكّننا من جعلِ أمّتنا تتبّوأ المكانة السامية بينَ سائر الأمم، ولعلّنا نخرج من سباتنا العميق والثقيل، ونرى الحقيقة المؤلمة ببصر ثاقب يخترق الخداع والوهم؛ أمّا إذا نظرنا إلى حقيقتنا بعين الجهل والغباء، فسنرى ضعفنا قوّةً، وتخلّفنا تقدّماً، وانهزامنا انتصاراً، ونحن لو أمعنا النظر في مجريات أحداثنا المعاصرة لوجدنا هذا التعبير ينطبق علينا انطباقاً تامّاً؛ أمّا الشاعر العراقي بدر شاكر السيّاب، فقد عبّر أيضاً عن فكرة البعث في أكثر من قصيدة، وكان، كأدونيس، شاعر البعث بامتياز، ففي قصيدة بديعة له، عنوانها (قصيدة إلى العراق الثائر) يعبّر عن فكرة البعث على المستوى الفرديّ، والوطنيّ، والقوميّ في سياق شعريّ واحد حيث يقول:
هرع الطبيبُ إليَّ – آهِ، لعلّه عرف الدّواءْ
للدّاء في جسدي فجاء؟ –
هرع الطبيبُ إليّ وهو يقول: «ماذا في العراق؟
الجيش ثار ومات قاسم«…» أيّ بشرى بالشفاء!
ولكدتُ من فرحي أقوم، أسير، أعدو دون داء.
مرحى له … أيّ انطلاقْ!؟
مرحى لجيش الأمّة العربيّة انتزع الوثاق!
يا إخوتي بالله، بالدّم، بالعروبة، بالرجاء،
هُبّوا فقد صُرِعَ الطّغاةُ وبدّد اللّيلَ الضياء!
فلتحرسوها ثورةً عربيّةً صُعِق «الرّفاقْ» منها وخرَّ الظالمون،
لأنَّ تموز، استفاقْ
من بعدِ ما سرق العميل سناه، فانبعث العراقْ(1).
إنَّ الثورة التي أطاحت بعبد الكريم قاسم ونظامه في العراق، جعلت السياب يرى فيها بعثاً على المستوى الفرديّ، والوطني، والقوميّ، كما نوّهتُ آنفاً. فخبر انتصار الثورة على النظام الجائر، منح الشاعر قدرة التغلّب على المرض العضال الذي أقعده في الفراش، فانتصار الثورة منحه العافية، والقوّة الجسدية، وحقّق له الشفاء، وفي هذا التعبير يكمن البعث الفرديّ، أمّا البعث الوطني، فيتمثّل في استفاقة تمّوز الذي يعتبر رمزاً من رموز البعث في الميتولوجيا البابليّة، واستفاقة تمّوز هي التي حقّقت انبعاث العراق، أمّا البعث القوميّ العربي، فيتمثل في جيش الأمّة العربيّة الذي انتزع الوثاق، وفي الثورة العربية التي بانتصارها تكون قضت على العقم السياسيّ الذي طالما أعاق حركة الأمّة في مسيرة التقدّم، والترقّي، والانبعاث، كما أنّ البعث العربي الذي عبّر عنه السياب في قصيدته هذه، يجده القارئ بصورة مختلفة في ديواني (زئير العاصفة) في قصيدة (خطاب موجّه إلى دمشق) حيث قولي في أحد أبياتها:
فأنـتِ فينـا انبعاثٌ للقديـم ولا
بعثٌ بدونكِ فوق الأرض للعربِ(1)
إنّ دمشق المدينة الأمويّة العربيّة بالمطلق تبدو في هذا البيت رمزاً للبعث كالفينيق وتمّوز تماماً، فهي الانبعاث للأمّة العربيّة وماضيها المجيد، ولا يمكن أن يتحقّق الانبعاث العربيّ بدونها؛ ودمشق بثقلها التاريخي تغدو في هذا البيت رمزاً إلى البعث العربي السياسيّ، والسياديّ، والحضاري، والعلميّ، كما أنّها يمكن أن تكون رمزاً إلى بعث الإمبراطوريّة الأمويّة التي هي ترمز بدورها إلى المجد، والقوّة، والمعرفة، والتقدّم.
ولكنَّ الذي لا بدّ من التنويه به هو أنّ الأسطورة كانت الأكثر استخداماً في التعبير عن فكرة البعث، ولم يقتصر استخدام الأسطورة في الصياغة الشعرية على الشعراء العرب وحدهم بل هناك الشعراء الغربيّون قد استخدموا الأسطورة في شعرهم وفي طليعتهم الشاعر الانكليزيّ (إليوت) الذي «تكمن أهميته الشعرية في أنّه جعل الأسطورة القديمة وجهاً جديداً لواقع جديد يستوعبها ويتخطّاها في آن واحد»(1). وممّا لا ريب فيه أنّ الأسلوب الأسطوريّ لدى (إليوت) كان له تأثيره في الشعر العربيّ الحديث. فالعرب توافقاً مع سنّة الحياة، يتأثرون ويؤثرون بغيرهم من الأمم، وهم، بالإضافة إلى عملية التأثير والتأثّر، أصحابُ تاريخٍ طويلٍ حافلٍ بالأساطيرِ المتنوّعة، وليس هذا وحسب، بل تعتبر الأسطورة وجهاً بارزاً من وجوه حضارتهم القديمة.
فالفينيق الذي لجأ إليه علي أحمد سعيد، ليس أسطورة غربيّة، وتمّوز الذي استخدمه السياب كثيراً في شعره، ليس أسطورة غربية، وكذلك (عشتار) و (العنقاء) ليستا من نتاج الغرب؛ إنّما هذه الأساطير كلُّها منبثقةٌ من تاريخنا القديم، وقد لجأ الشعراء العرب إلى الأسطورة في شعرهم ليس فقط ليتخفَوْا وراء رمزيّتها، إنّما ليبتدعوا لغةً شعريةً جديدة تُخرجهم من إطار المألوف، والتقليد، وتمنحهم القدرة على التعبير عن واقعهم ومشكلاته المعقّدة الكثيرة، وإذا ما وقفنا وقفة تأمليّة في الأسطورة عند أدونيس وبدر شاكر السياب، نجدها قد أكسبتهما صياغة لغوية جديدة، بالإضافة إلى عمق المضمون، وبعد الدلالة، وغزارة المعنى؛ وهكذا تكون أسطورة الموت والبعث عند هذين الشاعرين قد حقّقت لهما بعثاً في لغتهما الشعرية، جعلهما يعبّران عن معاناة الواقع الإنساني تعبيراً خلاّقاً، أتاح لهما تبوُّأ الصدارة في طابور الحداثة، إذْ لا يمكن لأيّ شاعر أن يعبّر عن أفكاره البعثيّة بلغة ميْتة، أو بائدة، فوحدها اللّغة الحيّة يمكنها محاكاة الحياة ومواكبتها بشكل دائم؛ امّا اللّغة البائدة فهي لغةٌ كانت سائدة بين أجيال بائدة، وتعبّر عن موضوعات هي أيضاً بائدة.
فالشاعر الأريب هو ذاك الذي يتخيّر لغته بتأنٍّ وعناية لكي يمتاز عن غيره من الشعراء بامتيازها، ويتألّق بتألّقها، واللّغة الممتازة هي التي تُدخل صاحبها في دائرة الخلود، وتُبقيه حيّاً في ذاكرة الدّهر؛ ووِفْقَ هذا المعيار كان المتنبّي الفرقد الأكثر سطوعاً في أفق الشعر بين سائر معاصريه، وقد ترسّخ في ذاكرة الأجيال المتعاقبة، بينما اندثر الكثير ممّن عاصره، وسبقه، وأتى بعده؛ فهو فرض شاعريته بلغته الجديدة الأنيقة المتينة، فاستمرّت إلى يومنا هذا دون أيّ منازع.
فالمتنبّي أحدث حركة بعث في اللّغة العربية، ولكن من دون اللّجوء إلى الغريب عن الثقافة العربيّة، فليس البعث اللّغويّ في أن نلجأ إلى ثقافة أجنبيّة، أو أن نستخدم أساطير الأمم البائدة ورموزها، بل هو في أن نحسن استخدام الأساطير والرموز الغربية في كتابة شعرية إبداعيّة، تعمل لخدمة حياتنا وثقافتنا، وهذا ما فعله أدونيس والسيَّاب.
مدخل إلى الفصل الثالث
إنَّ للبعث في الأدب علاقة مباشرة ومستمرّة بالواقع السياسيّ العربيّ، لأنَّ مفهوم البعث في الأدب ليس مفهوماً ضيّقاً ومحدوداً بل هو مفهومٌ واسعٌ ومفتوحٌ يشمل الحياة بكلِّ جوانبها، هذا لأنَّ الأدب صادرٌ عن الحياة، ومتكوّن منها، وعائدٌ إليها «فلا أدب بدون حياة، وفناء الأدب دليلٌ على فناء الحياة نفسها»(1).
إنَّ الشعراء العرب قد أعطَوْا فكرة البعث في نتاجاتهم الشعرية أبعاداً سياسيّة بحتة، وغالباً ما كانت قصائدهم في هذا السياق نقداً لاذعاً للواقع السياسيّ، وثورةً عليه، ودعوةً جديّةً إلى تغييره، والتزاماً ثابتاً بالعروبة والوطنيّة والقضايا الإنسانية العادلة؛ «والتزام الشاعر بموقف فكريّ لا يضير الشعر ذاته في شيء، أو يناقض طبيعته، بل هو – على العكس – يضمن له الفعالية والأهميّة، ويحقّق للشاعر الوصف القديم، أنّه نبيُّ قومه، وطفلهم، وخادمهم في آن واحد»(1).
ونحن إذا ما عدنا إلى أسطورة الموت والبعث في شعرنا العربي الحديث، نجدها على أنواعها قد جاءت في قصائد ثورية ناقمة، نظمت في أجواء سياسيّة مفعمة بالتردّي القوميّ، والظلم والممارسات القمعيّة ضد النّخبة الثوريّة المثقّفة والواعية؛ ومن هنا فهم البعض ميول الشعراء إلى الأسطورة في أجواء سياسيّة خطيرةٍ وغير آمنة، على أنّه تخفٍّ وراء ضبابيّة الأسطورة، وأسلوبٌ جديدٌ يقيهم الأخطار، ويجعلهم في مأمن من ظلم الحكّام، ومهما كانت الدوافع التي دفعت شعراءنا إلى توظيف أسطورة البعث في قصائدهم، إلاّ أنّهم جعلوا، بجرأة ونضج، قصائدهم البعثيّة ذات علاقة ناقدة وثائرة بالواقع السياسي العربيّ.
الفصل الثالث
(فكرة البعث في الأدب – علاقتها بالواقع العربيّ)
فكرة البعث في الأدب – علاقتها بالواقع العربيّ
إنَّ انكباب الشعراء العرب المحدثين على معالجة فكرة البعث في نتاجاتهم الشعريّة، لم يكن لولا أن رأوا افتقار الواقع العربيّ لعملية بعث حقيقيّ على كلّ المستويات، فلا يخفى على أحد أنّنا، نحن العرب، قد أصبحنا في آخر الركب الذي تسير فيه الأمّم إلى الترقيّ العلمي، والصناعي، والاجتماعي.
فنظرة واقعيّة واحدة إلى ذاتنا تكفي لأن نرى عجزنا عن مواكبة الحياة، وتخلّفنا عن سائر الأمم المتقدمّة؛ فنحن صحيح أنّنا امّة ذات مخزون حضاريّ، وثقافيِّ، وعلميِّ كبير، إلاّ أنَّ هذا المخزون قد غدا تراثاً، والاكتفاء به فقط يعني عجزاً في قدرتنا على الابتكار والعطاء، ولكوننا اكتفينا بما تركه الأجداد لنا، عجزنا في واقعنا العربي عن تأكيد ذاتنا القوميّة التي من عناصرها الحريّة والسيادة؛ فها نحن الأمّة الوحيدة التي تغتصب حقوقها، ويُنكَّلُ بأبنائها، وتُدنَّس مقدّساتها، وتُرسم لها في الأوساط الغربية المخططّات التقسيميّة، وليس منّا مقابل كلِّ هذا سوى الشجب، والنّدْب، والميل إلى ملامسة النساء، وتتبّع الشهوات الرخيصة، والتشبّث بالعروش الواهية، التي فقدت عزّها وهيبتها مع ضياع كرامة الأمّة.
فالمسجد الأقصى الذي بناه الوليد يُدنَّسُ بنجس اليهود، وسيف المعتصم أكله الصدأ، وغمامة الرشيد تبدّدت في الأفق وبركة المتوكِّل تعطّلت، وسيادة سيف الدولة لم يعد لها وجودٌ إلاَ في شعر المتنبي، والصليبيّون عادوا إلى فلسطين بأسلوب احتلاليّ جديد، هو أكثرُ إجراماً، وطغياناً، وعدواناً وفساداً من الأسلوب القديم، وحطّين تنادي صلاح الدين، وتنتظر عودته ثانيةً.
إنّ هذا الواقع العربيّ المحزن المبكي قد نظر إليه الشعراء العرب المحدثون، فوجدوه بحاجة ماسّة إلى بعث ماضيه المجيد، فراحوا يعبّرون عن أفكارهم البعثيّة بغيرة وإيمان؛ من هنا تظهر لنا العلاقة القائمة بين البعث في الأدب من جهة، والواقع العربيّ من جهة أخرى. فالشعراء العرب لم يعالجوا فكرة البعث في شعرهم إلاّ من أجل النهوض بواقعهم العربيّ المتردي، ولكنَّ الذي يؤسفنا، ويبعث في النفس الأسى، هو أنَّ الواقع العربيّ السياسيّ والاجتماعيّ لم يستطع فهم الرسالة التي وُجّهَت إليه في النتاجات الأدبيّة، ولم يستطع أن يرتقي إلى مستوى الخطاب الشعريّ، فكان غيابُهُ عن المسرح العالميّ، وتقهقرُه أمام الهجمة الصهيونية التوسعيّة.
وذروةُ التقهقرِ العربي كانت في عام ألف وتسع مائة وسبعة وستين حيث احتلّ اليهود القدس عاصمة القداسة العربيّة والإسلاميّة، إضافة إلى أجزاء عربيّة أخرى، ما أحدث صدمة كبيرة للشعراء والمثقفين العرب، وهذا ما جعل نزار قباني ينتقد واقع الأمّة انتقاداً فاضحاً حيث قال في إحدى قصائده إثر هزيمة العرب في عام ألف وتسع مائة وسبعة وستين:
إذا خسرنا الحربَ لا غرابهْ
لأنّنا ندخلُها
بكلّ ما يملكه الشرقيُّ من مواهبِ الخطابهْ
بالعنتريات التي ما قتلت ذبابهْ
لأنّنا ندخلُها
بمنطقِ الطبلةِ والربابهْ
السِّرُّ في مأساتنا
صراخُنا أضخمُ من أصواتنا
وسيفُنا ..
أطولُ من قاماتنا ..
خلاصةُ القضيّهْ
توجزُ في عبارهْ
لقد لبسنا قشرةَ الحضارهْ
والروحُ جاهليهْ(1).
إنَّ نزار قبّاني ههنا، يبيّن للقارئ أنَّ الأمّة العربيّة تجرّعت كأس الهزيمة المرّة، ولبست ثوب الذّل، لأنّها ما زالت تعيش جاهليتها الأولى، ولم تغيّر شيئاً في ذاتها، بل لم تخطُ خطوةً واحدة في طريق التغيير، فهي رضيت بقشرة الحضارة دون بلوغ اللّبّ؛ والشاعر في هذه القصيدة، وإن لم يعالج فكرة البعث بشكل مباشر، كما مرّ معنا عند أدونيس والسياب، إلاّ أنّه عناها وأراد تحقيقها، والذي يؤكّد وجهة نظرنا هو انتقادُهُ الواقعَ العربيَّ الذي لا يرضى به إلاّ البسطاء الجهلاء الذين لا يعرفون الحقيقة القوميّة، التي هي لكلِّ عربيّ حقيقة انتماء، سواء أرغب بها أم لم يرغب.
فنزار متحسّر في دخيلته على أمّته ذات التاريخ السياديّ الطويل الذي بدأ مع ظهور الإسلام وتوقّف عند انهيار الخلافة، ونحن نفهم رغبة الشاعر ببعث مجد العروبة الميْت بتحسّره عليه ونعيه.
لهذا نجده يرفض في قصيدته الروح الجاهلية، لأنّها تعني التّفتّت والصّراع القبليّ الذي يؤدّي بشكلٍ حتميٍّ إلى انهيار المجتمع العربيّ، وجعله مجتمعاً غارقاً في مستنقعات الجهل والضعف؛ ورفضُ الشاعر الروحَ الجاهليةَ، هو رفضٌ للواقع العربيّ الرّاهن، لأنَّ ثمّة مشابهة كبيرة بين واقع العرب في جاهليتهم والعرب اليوم؛ ونحن إذا ما نظرنا إلى الواقع العربيّ السياسيّ الراهن بعين الحقيقة، فسنجده واقعاً ينتمي إلى القرن الواحد والعشرين انتماءً زمنيّاً فقط، لكنّه في جوهره هو واقعٌ قبليٌّ بحت، فهذه، هي، الجمهوريات المتعدّدة قد حلّت محلّ التعدّد القبليّ، فكلّ جمهوريّة في العصر الراهن تقابلها قبيلة في العصر الجاهليَّ، ولا أغالي إذا قلت: إنَّ ثمّة قبائل كانت موجودة في تاريخنا الجاهليّ، هي أكبر من بعض الدول العربيّة الحالية، وأقوى، وأحقّ بالسيادة؛ والخطورةُ كلّها تكمن في أنَّ دويلاتنا اليوم تتمتّع بالسيادة، والاستقلالية تحت رعاية العالم، ووصايته، وبامتياز منه، والأحداث السياسية والأمنيّة التي تجري اليوم على الساحة العربيّة هي دليلٌ ساطعٌ على رأينا هذا.
فها هو الخلاف بين العراق والكويت، قد فشل العربُ في حلّه ضمن منظومتهم، ووفق أساليبهم، لأنَّ النظام العالميّ الجديد المتسلّط رفض أن يكون الحلُّ بإرادة غير إرادته، لأنّه في عقليّته، وقانونه، وعرفه يعتبر كلاًّ من العراق والكويت دولةً مستقلّة مختلفة عن الأخرى وفي هذا الاعتبار يكمن سبب مشكلاتنا ودائنا العضال؛ فنحن العربَ تدفعنا إلى بعضنا اجتماعياً وحياتيّاً عاطفةُ الأخوّة، ولكنَّ أخوّتنا، هي غير شرعيّة في نظر النظام العالميّ الجديد؛ فها هي فلسطيننا العربيّة الأسيرة يُقتل أبناؤها ويشرّدون من قراهم ومدنهم جماعات منذ النكبة الأولى، ويصعب على أيّ نظام عربيّ، مهما كان وفيّاً أن يتبنّى قضيّة فلسطين تبنيّاً رسميّاً في المحافل السياسية العالمية، لأنّ هذه القضيّة تعتبر قضيّة الفلسطينيين والإسرائيليين وحدهم، والصّراع فيها هو صراعٌ فلسطينيٌّ إسرائيليٌّ.
من هنا انطلق العدّو اليهوديُّ الصهيونيُّ انطلاقة الاستفراد بدول الطوق فحقّق انتصاراً باهراً، وقفزةً نوعيّةً حينما أبرم مع مصر معاهدة (كامب ديفيد) التي أفضت إلى السلام بينهما وأخرجت مصر إخراجاً مُذلاًّ من الجبهة العربيّة، وهذا المبدأ ألاستفراديّ قد طبّقهُ العدّو الصهيونيُّ على الفلسطينيين في أوسلو وغيرها.
إنّنا، نحن أمّةَ البعثِ، يجدر بنا أن نؤمن بالبعث إيماناً راسخاً، وأن نفقة معناه، وأن نعمل به لأجل الدّنيا والآخرة، وألاّ نكتفي بتأكيد غاياتنا البعثيّة في نتاجاتنا الأدبيّة والإبداعيّة فقط. بل يجب أن تكون ثمّة علاقة وثيقة بين أدبنا وواقعنا السياسيّ والحياتيّ، حتى تكتمل الرؤية الاستشرافيّة التي تُرينا المستقبل، وتحدّدُ لنا هيئته، فلا يمكن أن تتقدّم أمّةٌ تقدّماً علميّاً ومعرفيّاً بأسلوب غوغائي، وعمل تلقائي، بل يحتاج تقدّمها إلى تخطيط، ودراسة، وإجراء تجارب متعدّدة في ميادين متنوّعة، فعسى الله، ربّنا، يمنّ على أمّتنا بأجيال واعية قادرة على صناعة البعث العربي بجدارة وجرأة وامتياز.
مدخل إلى الفصل الرابع
لا شكَّ في أنَّ بدر شاكر السيّاب هو من طليعة الشعراء العرب البعثيين الذين آمنوا بفكرة البعث وجسّدوها كتابةً شعريّةً فنيّةً إبداعيّةً، أعطت الشعر العربيّ الحديث زخماً وحركة وحياة جديدة. لقد ألحّت فكرة البعث على السيّاب إلحاحاً شديداً وطرحها – رغم عمره الوجيز – في قصائد عديدة، ويأتي ارتباط الشاعر بفكرة البعث في الكتابة الشعريّة، لأنّه كان يعيش حالة الخوف من الموت الذي راح شبحه يطارده في ليله ونهاره، بسبب المرض العضال الذي فتك به، وأنهك جسده، وهو في بداية العمر وريعان الشباب، إذْ وجد شاعرنا نفسه في قبضة الموت المحتّم، وكلُّ شيء حوله يتفاعل مع الحياة، كلُّ شيءٍ حوله في الكون يؤدّي وظيفته الحياتيّة، إلاّ هو أجبره الموت على ترك رسالة الكلمة الشعريّة التي شُغف بحملها إلى الإنسان.
إنّ إحساس السيّاب بأنَّ الموت القريب حَتْمٌ عليه، وحقيقةٌ مرّةٌ ومؤلمة لا هروب منها ولا مناص، هو الذي جعله يعود بذاكرته البيضاء إلى الطفولة الجميلة البريئة التي كانت تلعب في دار جدّه، وحقول جيكور، حيث الطبيعة الخضراء، وكروم النخيل، ونهر (بويب)، والعصافير، والفراشات، والشمس. وما عودة الشاعر السيّاب إلى الطفولة وعالمها الغابر إلاّ محاولة هروب من الموت، من شبحه المخيف: (طفولتي، صبايَ، أين … أين كلّ ذاكْ؟/ أين حياةٌ لا يحدّ من طريقها الطويل سورْ / كشّر عن بوابةٍ كأعين الشباكْ / تُفضي إلى القبورْ)(1). نلاحظ هنا تألّم الشاعر الشديد من إحساسه اليقينيّ بدنّو الأجل، نلاحظ تألّمه من وصوله فجأة إلى نهاية طريق العمر والحياة، وهو لم يمش فيه سوى خطوات قليلة، إنّه لم يختر الحياة ولم يتسنَّ له أن يعرف معناها، فقد كانت رحلته فيها قصيرة جدّاً.
إنّ طريق الطفولة التي كان يمشيها بفرح وسرور وأمل أفضت به فجأة إلى مشهد القبور وصورة الموت، في حين كان الكون كلّه حوله ينبض بالحياة؛ (أين حياة لا يحدّ من طريقها الطويل سورْ / كشّر عن بوابةٍ كأعين الشباكْ / تفضي إلى القبورْ؟ /والكون بالحياة ينبض: المياه الصخورْ / وذرّةُ الغبار والنمال والحديدْ. / وكلُّ لحنٍ، كلُّ موسمٍ جديدْ: / الحرثُ والبذارُ والزهورْ)(1) .
كلّ عناصر الكون عناصر حيّة، حتى الصخور تتفجرّ منها الينابيع والأنهار، فتسقي الأرض الظمأى التي تهتزّ منتشية بالماء وتربو، وتحيا بعد موتها، والحديد كان وما زال عنصراً أساساً من عناصر حياة الإنسان، فهو في عصرنا يستخدم في بناء المنازل، وتُصنع منه آلات الإنتاج والتكنولوجيا التي تسهم إسهاماً كبيراً في خدمة الإنسان وتقدّم حياته، المواسم هي مادّة الحياة، وكذلك البذار والزهور، إلاّ السيّاب يرتقب بحسرة وألم لحظة الموت.
وحاله هذه هي التي جعلته يعيش فكرة البعث في تعبيره الشعريّ، وهي التي جعلته يرى في ولادة ابنه (غيلان) بعثاً لجسده المنهك الهزيل الذي فتك به الداء العضال، بعثاً لروحه التي صارت تشمّ رائحة الموت لدنّوه منها؛ فمن البديهيّ أن يرى الأب – وخصوصاً الذي يفترسه الداء – في ولادة ابنه بعثاً جديداً لحياته: وهذا المعنى سوف يتجلّى لنا في الدراسة التي خصّصناها لقصيدة شاعرنا السيّاب (مرحى غيلان)، إنّها قصيدة بديعة على المستوى الفنيّ ومفعمة بالمعاني الوجوديّة، وتتمحور حول فكرة البعث.
الفصل الرابع
دراسة قصيدة (مرحى غيلان)
لبدر شاكر السيّاب
دراسة قصيدة (مرحى غيلان) لبدر شاكر السيّاب
إنّ هذه القصيدة تبدو لي من أجمل القصائد التي كتبها السيّاب، ومن أجمل القصائد التي تعالج فكرة البعث في الشعر العربيّ الحديث، وهي من حيث هويّتها الانتمائيّة قصيدةٌ حديثةٌ بامتياز شكلاً ومضموناً؛ ولكنّها رغم حداثتها وكثافة الرموز فيها تبدو واضحة المعاني والمضمون والدلالات، غير مبهمة وغير غامضة.
إنّ الشاعر السيّاب – كما مرّ معنا في مقدمة هذا الفصل – يبتهج بولادة ابنه (غيلان) ويرى فيها بعث نفسه واستمراريّة حياته، والشاعر يشعر بالنشوة الرائعة، نشوة الأرض العطشى بنزول الماء، حين يناديه ولده: (بابا … بابا ….)، وقد استهلّ قصيدته (مرحى غيلان) بنداء ولده: (بابا …. بابا ….) / العبارةِ الساحرةِ العجيبةِ التي بعثت الأب من حطامه، وجعلته يعود إلى ميدان الحياة بألق وقوة.
إنها الصوت الملائكيُّ الذي ينساب في روح الشاعر كالمطر الغضير، ويزفُّ إليها البشرى بالبعث، ويعطيها الفرح والأمل. فلنُصغِ إلى السيّاب قائلاً في مستهلّ قصيدته: (بابا… بابا…
ينساب صوتُكَ في الظلامِ إليّ كالمطر الغضيرِ،
ينساب من خلل النعاس وأنت ترقدُ في السريرِ،
من أيِّ رؤيا جاء؟ أيِّ سماوةٍ؟ أيِّ انطلاق؟)(1)
إنّ الفعل المضارع (ينساب) يدلّ على الحاضر المستمّر، وانسيابُ صوتِ (غيلان)، هو انسيابٌ حاضرٌ ومستمرٌَ، وقد شبّه الشاعر انسياب صوت ولده بانسياب المطر، ليعطيه دلالة الحياة والنماء والاستمرار.
وهكذا يصبح (غيلان) بوجوده وصوته رمزاً لحياة أبيه واستمرار بقائه، ولأنّ صوتَ (غيلان) يكتسب هذه الأهميّة الرمزيّة، فقد راح الشاعر يسأل بدهشة وغبطة عن مصدره الذي جاء منه: (من أيِّ رؤيا جاء؟ أيِّ سماوةٍ أيِّ انطلاق؟)(1).
والذي تجدر الإشارة إليه، هو أنّ صوت (غيلان) ينساب في سمع أبيه وفي روحه انسياباً تصاعديّاً إذ يتدرّج الشاعر من النشوة الأولى، نداء ولده / المطر الغضير، إلى شعوره وكأنّه يسبح بنهر الصوت الرخيم، أو بنهر من عبير، وصولاً إلى شعوره بأنّه يُبعث من موته، كما تُبعث حبّة الحنطة من تحت التراب بقوّة الماء، وهذه المعاني والصور البعثيّة نجدها في قول السيّاب:
(وأظلُّ أسبح في رشاشٍ منه، أسبح في عبير /
فكأنَّ أوديةَ العراق / فتحت نوافذَ من رؤاكَ على سهادي:
كلُّ وادِ / وهبته عشتارُ الأزاهرَ والثمار.
كأنَّ روحي / في تربةِ الظلماءِ حبّةُ حنطةٍ وصداك ماءُ. /
أعلنتِ بعثي يا سماء. /
هذا خلودي في الحياة تكنّ معناها الدماء.)(1) .
إنّ الشاعر في هذا المقطع يطرح فكرة البعث على المستوى الفرديّ الوجوديّ، ويأتي هذا الطرح التعبيريّ – كما بيّنا آنفاً – نتيجة المرض والشعور اليقينيّ بحتميّة الموت، وهو ينطلق من رمزٍ شعريٍّ يحمل معنى البعث، ويشير إليه، وهو صوت (غيلان) الذي فعل في روح أبيه فع المطر الغضير في الأرض العطشى، فعلَ (عشتار) في أودية العراق، حيث وهبتها الأزاهرَ والثمار، فعلَ الماء في حبّة الحنطة النائمة تحت التراب؛ وهكذا يكون صوتُ (غيلان) قد مثَّل رمزي البعث الرئيسين: (عشتار – والماء) بواسطة المشابهة التي أقامها الشاعر بين صوت ولده من جهة وعشتار والماء من جهة أخرى: (ينساب صوتك … كالمطر الغضير)، (فكأنّ أودية العراق فتحت نوافذ من رؤاك على سهادي: كلّ وادِ وهبته عشتار الأزاهر والثمار)، (كأنَّ روحي في تربة الظلماء حبّة حنطةٍ وصداك ماءُ). لقد أقام الشاعر هذه المشابهة الإبداعيّة الرائعة بين صوت ولده و(عشتار)، بين صوت ولده و(الماء) بواسطة حرفي التشبيه: (الكاف كأنَّ … كالمطر الغضير … فكأنَّ أودية العراق… كأنَّ روحي). وبعد هذا الإحساس المتصاعد بنشوة الفرح والسعادة والنماء يصل الشاعر إلى الإحساس بنشوة البعث، وإيمانه بخلوده في الحياة:
(أعلنتِ بعثي يا سماءُ / هذا خلودي في الحياة تكنّ معناه الدماءُ).
إنّ الشاعر تحقّق له الخلود، وما عاد يخاف الموت والفناء، لأنّه مستمر في ولده (غيلان)؛ وهذا الشعور من السيّاب هو فطرة الله فينا، نحن البشر، فكلُّ إنسان تستقرّ نفسه برؤيته ولدَهُ يخلفُهُ، وكلُّ شاعر في مثل هذه الحال هو أحرى الناس شعوراً بالاستقرار، لأنَّ الخَلَفَ يمنحه الطمأنينة، إنّه يرى نفسه في خَلَفِهِ الذي هو جزء منه، وهذا المعنى أشار إليه السيّاب في قوله: (هذا خلودي في الحياة تكنّ معناه الدماءُ).
إنّ دماء السيّاب تجري في عروق (غيلان)، لهذا اعتبر شاعرنا نفسه مستمّراً في وجود ولده وحياته، واعتبر نفسه انتصر على الموت الذي لم يستطع رغم قوّته أن يوقف دماءه عن الجريان والتفاعل مع الحياة.
ولم يكتفِ شاعرنا بأن منح صوت ولده كلّ هذه المعاني والدلالات الرمزيّة، بل منحه دلالة أخرى، إذ شبّهه بالمسيح الذي أحيا الموتى بإذن الله، وهذه الدلالة الرمزيّة المفعمة بمعنى البعث والحياة نلحظها في قول السيّاب: (« بابا …» كأنّ يد المسيح / فيها، كأنَّ جماجمَ الموتى تبرعمُ في الضريحِ / تمّوز عاد بكلِّ سنبلةٍ تعابث كلَّ ريحِ)(1).
لقد امتلك صوت (غيلان) في رأي السيّاب القدرة على إحياء الموتى، كما امتلكها المسيح (ع) بإذن ربّه، وكأنّ جماجم الموتى تبرعم في الضريح. والفعل (تبرعم) هنا يشير إشارة رمزيّة بعثيّة إلى التفتّح والحياة الجديدة، فالشاعر لم يحسّ بأنه انبعث وحده في ولادة ابنه وحسب، بل انتقل في هذه الصورة الشعريّة الجميلة إلى الإحساس بانبعاث عامّ؛ فها هم موتى آخرون تبرعم جماجمهم، ويخرجون من أضرحتهم مبعوثين إلى الحياة الجديدة.
وفي المقطع الشعريّ الذي يلي هذه الصورة يتحوّل شاعرنا من التعبير عن فرحه ببعث نفسه، ليصبح هو رمزاً للبعث. إنّ نداء (غيلان): «بابا … بابا..» نداءٌ سحريٌّ، بل أسطوريّ جعل الأب يملك قدرة (بويب)(1) و (بعل) و(عشتار) على الإخصاب والإحياء، فلنسمع السيّاب قائلاً في هذا السياق:
«بابا … بابا …
أنا في قرار بويب أرقد في فراشٍ من رمالِهْ،
من طينه المعطور، والدم من عروقي في زلاله
ينسالُ كي يهبَ الحياةَ لكلِّ أعراقِ النخيلِ
أنا بعل أخطر في الجليلِ …
على المياه، أنثّ في الورقات روحي والثمارِ
والماء يهمس بالخرير، يصل حولي بالمحارِ
وأنا بويب أذوب في فرحي وأرقد في قراري(1) .
الشاعر في هذا المقطع الرائع المفعم بمعاني البعث وصوره يبدو نائماً على فراش من رمال نهر (بويب)، وهو بهذا التحوّل لم يعد نائماً على فراش الداء والاعتلال، فراش الألم والكآبة، إنّه يرقد في قرار (بويب)، في قرار البعث والحياة، فما (بويب) إلاّ رمزٌ للبعث والتجدّد كما مرّ معنا آنفاً، وهكذا ينصهر الشاعر في النهر الجميل ليؤدّيا معاً وظيفة بعثيّة حياتيّة واحدة: (والدم من عروقي في زلاله / ينثال كي يهب الحياة لكلِّ أعراق النخيلِ).
إنّ السيّاب، وهو مقيمٌ في قرار (بويب) يتدفّق دمه من عروقه ويمتزج بماء النهر، وهكذا يصير دم الشاعر مادّة حياتيّة تشابه الماء، وتتفق معه في صناعة الحياة، ويجري بعدئذ في أعراق النخيل واهباً الطبيعة التفتّح والنماء؛ وبهذا المعنى التحليلي يؤدّي دم شاعرنا وظيفة (عشتار) التي منحت أودية العراق الأزاهر والثمار، كما مرّ معنا آنفاً.
إنَّ (عشتار) في الميثولوجيا البابليّة (تقوم بواجب آلهة الحبِّ والخصب والرفاهيّة والازدهار للبلاد)(1). ودم السيّاب في المقطع الشعري السابق يتوافق مع (عشتار) في تأدية واجب الخصب، إذ جرى في أعراق النخيل فوهبها الحياة.
وما النخيل في هذا السياق الشعريّ إلاّ رمزٌ لجيكور(2)، رمزٌ لوطنه العراق، ورمزٌ للعروبة؛ ووفق هذا المعنى يكون دم الشاعر قد أدّى واجب الخصب تأدية شمولية.
ويتابع شاعرنا هذه القصيدة الرائعة (مرحى غيلان) جاعلاً فكرة البعث محورها، والمنطلق الرئيسي لكلِّ مقاطعها؛ فها هو في مقطع جديد يعتبر أنّ نداء (غيلان): «بابا .. بابا ..» قد أعاد إليه ابتداء حياته بعد أن كانت قد أشرفت على انتهائها، فلنسمعْهُ قائلاً: («بابا .. بابا ..»
يا سلَّمَ الدّم والزمان؛ من المياه إلى السماءِ
غيلان يصعد فيه نحوي، من تراب أبي وجدّي
ويداه تلتمسان، ثمَّ، يدي وتحتضنان خدّي
فأرى ابتدائي في انتهائي(1).
إنّ (غيلان) في هذه الصورة الشعريّة، لا يبدو امتداداً لأبيه الشاعر وحسب، بل هو امتداد للذين سبقوه من الآباء والأجداد، هو امتدادٌ أو استمرارٌ للسلالة السيابيّة، هو ينطلق من هذه السلالة، ويصعد في سلّمها مرتقياً بالوصول إلى الذروة، حيث يداه تلتمسان يد أبيه وتحتضنان خدّه، ولادة (غيلان) ترمز عند الشاعر إلى قيامة أبيه وجدّه من تحت التراب، ترمز إلى تجدّد الدم / السلالة، ولهذا رأى تجدّده في ولده، ورأى ابتداءه في انتهائه، كلُّ هذه الإحساسات التي يعبّر عنها الشاعر بهذه الصور الشعريّة، والدلالات الرمزيّة الجميلة، سببها ومصدرها نداء (غيلان) «بابا…بابا..»، وهذا النداء يتكرّر ستّ مرّات في هذه القصيدة، في بداية كلّ مقطع من مقاطعها؛ ويأتي التكرار مؤدّياً وظيفة معنوّية مهمّة، مشيراً إلى فعل نداء الولد الحيويّ الشديد في نفس الأب ونفوس الأجداد إنّه فعلٌ أسطوريٌّ مقتبسٌ من الميثولوجيا البابليّة، تكمن فيه قوّة البعث الهائلة الجبّارة التي تستطيع أن تُقيم الموتى من تحت التراب
ويتابع الشاعر تعبيره عن فكرة البعث والقيامة في هذا المقطع حيث يقول: (جيكور من شفتيكَ تُولدُ، من دمائكَ، في دمائي / فتُحيلُ أعمدةَ المدينة / أشجارَ توتٍ في الربيع. ومن شوارعها الحزينة / تتفجّر الأنهار، أسمع من شوارعها الحزينة / ورق البراعم وهْو يكبر أو يمصُّ ندى الصباح / والنّسعَ في الشجرات يهمس، والسنابل في الرياح / تعد الرَّحى بطعامهنّ. كأنَّ أوردة السماءِ / تتنفّسُ الدم في عروقي والكواكب في دمائي)(1).
نداءُ (غيلان) لم يؤدِّ إلى بعث الأب والأجداد وحسب، بل هو أدّى إلى بعث الطبيعة الجامدة الميتة (المدينة)؛ وهو في هذا المقطع الشعريّ يملك رمزية (عشتار) عند البابليين، إنّه مثلها وهبَ البلادَ الازدهارَ والحياة، وهب (جيكور زخماً حياتيّاً جديداً) (جيكور من شفتيك تولَدُ)، فأثّر نماؤها في عقم المدينة، وحوّل جمادَها كائناتٍ حيّةً، فها هي (جيكور) بالقوة التي اكتسبتها من نداء (غيلان) – (جيكور من شفتيك تولد) – تُحيل أعمدةَ المدينةِ أشجارَ توتٍ نضرة في أيام الربيع.
إنّ القوة البعثية هنا قوّة أسطوريّة خارقة، فهي استطاعت أن تجعل الأعمدة الحجريّة والاسمنتيّة في المدينة أشجار توت، ولماذا اختار السيّاب هذا النوع من الأشجار من بين الأنواع الأخرى الكثيرة؟. الجواب: لأنَّ أشجار التوت في أيّام الربيع تبدو أكثر من غيرها نضرة واخضراراً، وهي أيضاً ذات ثمر لذيذ ومشتهى؛ والدلالة التي نصل إليها في هذا السياق التحليليّ تعني أنَّ ولادة (غيلان)، هي ولادة للعراق الجديد، وولادةٌ للخير والمواسم، فهذا الولد بثّ الحركة والقوّة في (جيكور)، فاستطاعت – كما مرّ معنا سابقاً – أن تبعث المدينة حيّة من موتها وجمادها وعقمها، إذ حوّلت أعمدتها الجامدة الميتة أشجار توت زاهية ومثمرة، ولم تقف قوّة (جيكور) البعثيّة عند هذا الحدّ، بل تجاوزته وجعلت شوارع المدينة تتفجّر منها الأنهار، ويكبر فيها ورق البراعم، وهو يمصُّ الندى الذي يسقط على الشجر الأخضر عند السحر.
إنَّ المدينة وفْق هذه الصورة الشعريّة تبدو جنّة من جنّات عدن، بخلاف صورها القبيحة الكثيرة التي نجدها في شعر السيّاب، لم تعد مدينة الزحام، والضوضاء، والمكر، والخداع، لم تعد أشجارها دائمة الخضرة كأنّها أعمدةٌ من رخام لا تتأثر بتغيّر الفصول والمناخ، كما صوّرها الشاعر في قصيدة (جيكور وأشجار المدينة):
(أشجارُها دائمةُ الخضرةْ / كأنّها أعمدةٌ من رخامْ / لا عُرْيَ يعروها ولا صفرةْ / وليلُها لا ينامْ / يُطلعُ من أقداحِهِ فجرُه)(1). ولم تعد المدينة بعد ولادة (غيلان) وحشاً مفترساً يهجم على (جيكور)/ الطبيعة الجميلة ويفترسها، كما صوّرها الشاعر في قصيدته (تموز جيكور)؛ (هيهات أتولد جيكور / من حقد الخنزير المدثر بالليل / والقبلةُ برعمة القتل)(2). لم تعد مكاناً يشعر فيه السياب بالاكتئاب والتعب النفسيّ، بل تحوّلت إلى جنّة خضراء وارفة الظلال، زاخرة بالمواسم والثمار، وهذا التحوّل الذي طرأ على المدينة سببُهُ القوّةُ البعثيّةُ الكامنةُ في (غيلان) و(جيكور). إنَّ الشاعر السياب يتابع في المقطع السابق من قصيدته (مرحى غيلان) تعبيره عن فكرة البعث قائلاً: (يا ظلّيَ الممتدَّ حين أموت، يا ميلاد عمري من جديد)(3).
الشاعر ينادي في هذا الشطر الشعريّ ظلّه، والظلُّ هنا هو كناية عن (غيلان)؛ فكما الظلّ هو امتداد للشجرة، كذلك (غيلان) هو امتداد أبيه بعد موته، هو ميلادٌ جديد لعمره الفاني. الشاعر في هذا النداء يبدو مطمئنّاً على مصيره الوجودّي، وفي حال نفسيّة مستقرّة، ويبدو، على غير عادته، كما في قصيدته (دار جدي)، غيرَ خائفٍ منَ الموتِ والرحيل، وسببُ طمأنينته ولادةُ (غيلان). إنّه، وإن مات، فسيبقى حيّاً في ولده، وكأنّ الكلمة الشعريّة الإبداعيّة التي حمل رسالتها إلى شعبه والإنسان لم تكفه، رغم أنّها خلّدته في ذاكرة التاريخ والأمّة التي إليها ينتمي في العرق والحضارة والثقافة؛ وهذا الشعور يشير إلى أنّ السيّاب، هو كسائر الرجال العرب خاصّة، والشرقيين عامّة لا يؤمن ببقائه بعد الموت إلاَ بوجود ولده الذي يخلفه.
فالكلمة تخلّد فكر صاحبها وثقافته، أمّا الولد، فيخلّد دم أبيه ويبقيه مستمّراً في السلالة، وانطلاقاً من هذا المعنى التحليليّ يتضح لنا السبب الذي جعل الشاعر غيرَ خائفٍ منَ الموتِ وغير متشائم، فليس ثمّة ما يجعله يشعر بالخوف، والقلق والتشاؤم، وهو يرى حياته تبتدئ في حياة (غيلان)، وهو يرى نفسه التعبى في جسده الهزيل تنتصر على الموت قاهر الإنسان، بديهيٌّ منه أن يعيش هذه الحال الملأى بالفرح والغبطة والبشرى، لأنّ وجود الولد هو أساس السعادة في حياة أبيه، والذي يُحرم الولد، لا ريب، يكون غيرَ راضٍ بحظه، ويُمضي عمره، وهو ينتظر مجيء الخلف. هذه هي حقيقة الإنسان وطبيعته وفطرة الله فيه. ففي الغرب وإن كان الناس لا يهتمّون كثيراً، أو يرغبون بإنجاب الأولاد الكثر كالشرقيين، ولا يهللّون لمجيء الذكر أكثر من مجيء الأنثى، بيد أنّهم يرغبون بالولد / الخلف ويسعدون؛ وهذه المسألة تندرج ضمن إطار الرغبة الوراثيّة والتسليّة التي خلقها الله في كائناته لضمان بقاء الأجناس واستمرارها، فحتى الطير والأنعام والوحوش ترعى أولادها وتحافظ عليها وتحميها ما استطاعت أن تحميها – من أيّ أذى أو خطر، أو عدوان. هذه السنّة الإلهيّة (الرغبة الوراثيّة والتّسليّة) خضع لها شاعرنا السيّاب بغير إرادته أو قراره، فكان أن عبّر في قصيدته البعثية الرائعة (مرحى غيلان) عن سعادته العارمة بولده، سعادته التي جعلته يرى الوجود جميلاً، فصورةُ الوجودِ من بعدُ ليست كصورتِهِ من قبلُ، إذ إنَّ المدينة الجامدة الخالية من العمّال، والمفتقرة إلى الحياة الطبيعية والفطرة صارت في عيني شاعرنا جنّة خضراء زاخرة بالجمال الطبيعيّ الذي يتجلّى فيه إبداع الخالق.
إنّ الرضى الوجدانيَّ الداخليَّ الذي عاشه بدرٌ بولادة ابنه انسحب على الوجود الخارجيّ، فرضي بدر عن محيطه، وصار القبيح فيه جميلاً، حتى المدينة تفجّرت من شوارعها الأنهار، وتحوّلت أعمدتها أشجار توت، وربّما كان ينقص شاعرنا أن يعتبر أنّ الضوضاء في المدينة صارت خرير جداول وزقزقة عصافير، وأنّ الدخان المنبعث من مصانعها صار بخوراً ومسكاً.
التحوّل الداخلي الذي عاشه بدرٌ عقب ولادة (غيلان) انعكس تحوّلاً على محيطه الخارجي، فتحوّلت الأشياء حوله والكائنات من قبيحة إلى جميلة، وتحوّل الجدب خصباً والموت بعثاً وحياة، حتّى الزمن صار أفضل وأجمل، وما عاد شاعرنا ينظر إلى الغد متشائماً مكتئباً، بل صار يراه مورقاً في روحه ودمائه، وهذا الشعور التفاؤليّ يعبّر عنه في المقطع الأخير من قصيدته قائلاً: (« بابا … بابا…» من أيّ شمسٍ جاء دفؤك أيِّ نجم في السماء؟ / ينسل للقفص الحديد، فيورق الغدُ في دمائي)(1).
القفص / الحديد ههنا، هو كناية عن الجسدِ المريضِ الهزيل الذي فتك به الداء العضال، جسدِ السيّابِ الذي مات فيه الإحساس بالسعادة والأمل بالحياة، ولكنّ (غيلان) بندائه الأسطوري (بابا … بابا…) جعل دفئه ينسلّ إلى أبيه ويحوّله متفائلاً بالغد والمستقبل.
السياب بنداء ولده يشعر بأنّ الغد يورق في دمائه، وهذا الشعور يعني أنّ المستقبل صار مستقبلاً أخضر، فيه النماء والخير والعطاء. الفعل (يورق) هنا يحمل دلالة رمزيّة، إذ الإيراق يعني الاخضرار والتفتّح والتجدّد. وهذه المعاني تلتقي وتتوافق مع معنى البعث الذي يعني الحياة، وكما لا تورق الشجرة إلاّ بعد عُرْيها ، ومرورها في فترة استراحة وتوقّف عن النموّ، كذلك لا يكون البعث إلاّ بعد الموت، ومن هذا المنطلق يتبيّن لنا أنّ غد الشاعر قبل ولادة (غيلان) كان كالشجرة التي توقّف نمّوها، وتجمّدت الحياة في فروعها، ولكنّه بعد الولادة دبّت الحياة فيه، فصار غداً مورقاً نضراً.
والغدُ في الشاهد الشعريّ الذي سبق، هو رمزٌ زمنيّ يشير إلى المستقبل، وقد أراد الشاعر به أن يعبّر عن طمأنينته في حياته وتفاؤله بالزمن القادم / المستقبل، لأنَّ الغد المورق يشير رمزياّ إلى أنّ الأيّام الجديدة ستكون خضراء مورقة.
هذا التعبير الشعريّ من السيّاب تعبير عن فكرة البعث، تعبير عن معنى البعث الذي كان يحلم أن يراه فعلاً محقَّقاً، وقد تحقّق حلمه بولادة (غيلان)، فعاش البعث على المستوى الفردّي، وابتدأت حياته في حياة ولده: (فأرى ابتدائي في انتهائي)، ولكنّ حلمه بأن يرى البعث فعلاً محقّقاً على المستوى الوطنيّ والقوميّ والإنسانيّ لم يتحقّق رغم مُضيِّ زمن طويل على رحيله، وليس هذا وحسب، بل إنّ تحقيق هذا الحلم السيّابي صار أكثر صعوبة؛ فها هو العراق اليوم قد احترق كطائر (الفينيق) وأصبح رماداً، ولكنّه إلى الآن لم يستطع أن ينبعث من رماده، وقد يعيش زمناً طويلاً حتى يصل إلى انبعاثه الذي طالما حلم به الشاعر السياب.
إنَّ الاحتلال الأميركيّ قطّع أوصاله، وأرهب أهله وقتلهم قتلاً جماعياً وحشيّاً بغير سبب أو حقّ، ونهب ثرواته، وهدم بنيانه، وزرع الفتنة بين أبناء شعبه، وما زال الرماد ينتظر بعثه وحياته الجديدة، وها هي العروبة ليست أفضل من العراق حالاً، إذْ تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى بعثها حضاريّاً وعلميّاً وفكريّاً، قد كانت في الزمن الغابر مصدر الإشعاع والعلم والإبداع، وحملت رسالة الكلمة والنور والهداية إلى العالم كلّه، بيد أنّها اليوم تتخبّط في مستنقع الفتن والخلافات الطائفيّة والمذهبية، وهي تنظر إلى ما يجري لأبنائها في غزّة وسائر بلاد فلسطين من قتل وتهجير وسجن وتعذيب بعين الاستسلام والانهزام.
إنّها مقطّعة الأوصال، مقسّمة الأرض والرأي والقرار؛ والوحدة بين أقطارها تبقى حلماً عظيماً يسعى إلى تحقيقه الأحرار المكافحون من أبنائها، ولهذا هي بحاجة إلى بعثها كالعراق من حطامها ورمادها؛ بحاجة إلى بعث ماضيها المجيد الذي كان في القادسيّة واليرموك وحطّين ، لتظهر من جديد على المسرح العالميّ، وتؤدي دورها الحضاريّ والعلميّ والفكريّ بنشاط وقوّة. ومن واقع العروبة المتردّي ننتقل إلى واقع الآدميّة جمعاء، فهو كذلك مليءٌ بالصراعات والحروب والفتن، مليء بالعدوان والطغيان، مليء بالجياع والفقراء والمعذبين والمتألّمين، وهو بحاجة ماسّة إلى البعث الإنسانيّ والحضاريّ لتصير الحياة فيه أحلى وليحلّ بين الناس السلام.
وفي خلاصة هذه الدراسة الأدبيّة التحليليّة التي أقمناها حول قصيدة (مرحى غيلان) لبدر شاكر السيّاب لا بدّ لنا من أن نبيّن أنَّ شاعرنا قد اعتمد في قصيدته هذه الكثير من رموز البعث: (عشتار – المسيح – بعل – بويب – الماء)، لأنّه كان مولعاً بالرموز، وكان غالباً ما يعمد إلى حشدها في القصيدة الواحدة، ولكنّه، رغم ولعه باستخدام الرموز ذات الدلالة البعثيّة في شعره، قد عبّر عن إيمانه المطلق بقدرة السماء على صناعة البعث، (كأنّ روحي في تربة الظلماء حبّة حنطةٍ وصداك ماءُ / أعلنتِ بعثي يا سماءُ)(1) . السماءُ هي التي بعثت الشاعر السيّاب من حطامه، ونصرته على الموت، لأنّها رزقته (غيلان)، والسماء هنا في هذا السياق الشعريّ، هي رمزٌ إلى الخالق العظيم، وهكذا يكون (غيلان) وفْق هذا التأويل هبةَ الله إلى الشاعر الذي تلقّفها بفرح وسعادة وابتهاج، وأقرّ بمنّة السماء عليه.
الخـاتـمة
عقب انهيار الخلافة العربيّة الإسلاميّة عاش العرب قروناً طويلة في ظلّ السلطنة العثمانيّة، لاقَوْا خلالها صنوفاً من الاضطهاد السياسيّ، والاجتماعيّ حيث، استأثر الأتراك بالسلطة، وعملوا جاهدين لإبعاد العرب عنها بتجهيلهم، ونشر الخزعبلات والهرطقات بين أوساطهم الاجتماعيّة، وفي المرحلة الأخيرة من عمر السلطنة العثمانية ازداد تعصّب العنصر التركيّ ضدّ العنصر العربيّ بشكل كبير ومعلن، خصوصاً بعد أن «استبدّت جمعيّة تركيا الفتاة بالحكم ونحّت السلطان الجديد محمد رشاد وأقامت حكماً عنصرياً بعيداً عن مبادئ الثورة الفرنسيّة التي رفعها نبهاء الجمعيّة طيلة السنوات المنصرمة الأخيرة»(1). وفي ظلّ هذه الأجواء العنصرية البغيضة كان لا بدّ للعرب، وخصوصاً المثقّفين منهم أن يفكّروا تفكيراً جدّيّاً بالعودة إلى أصولهم القوميّة التي هي أصولٌ يُفتخَرُ بها بين سائر الأمّم والشعوب، فراح المثقفون العرب ينشئون الجمعيّات السياسيّة والأدبيّة التي عملوا في إطارها ضدَّ سياسة التتريك، وطالبوا بالاستقلال القوميّ، كما لعبوا دوراً مهمّاً جدّاً في نشر الوعيّ السياسيّ بين صفوف الجماهير من خلال قصائدهم ومقالاتهم التي كانت تدعو العرب إلى اليقظة والخروج من سبات ثقيل طال أمدُهُ، وكان إبراهيم اليازجيّ في طليعة المثقفين العرب الذين حملوا الهموم القومية، ودافعوا عنها بشكل جريء، كما كان متفرِّداً بين أبناء جيله بالدّعوة إلى اليقظة العربية التي بها وحدها يستعيد العرب دورهم القياديَّ، والمعرفي، والثقافي، وهذا ما نلحظه في قوله:
تنبّهـوا واستفيقـوا أيّهـا العـربُ فقد طمى الخطْبُ حتّى غاصتِ الركبُ
بـالله يـا قومنـا هُبـّوا لشأنِكُـمُ فكـم تنـاديكـمُ الأسفـارُ والكـتبُ
أَلستُمُ مَنْ سَطَوْا في الأرض واقتحموا شرقـاً وغربـاً وعزّوا أينما ذهبـوا(1)
إنَّ دعوة إبراهيم اليازجي العربَ إلى اليقظة في هذه الأبيات هي بمثابة الدعوة إلى بعثهم من حال الموت، فالنّوم يرمز إلى الرقود والموت، واليقظة ترمز إلى الانبعاث.
إنَّ دعوة اليازجيّ هذه جاءت في غمرة الضّياع القوميّ العربي، لتكون، مع ما شابهها من الدعوات، عامل توعيةٍ للجماهير الغافلة، ولكنّ المأساة القومية ازدادت تفاقماً في نفوس العرب، ولم تقف عند هذا الحدّ، وقد بلغت الذروة عقب تقهقر الوجود العثماني في المشرق العربي، ليحلَّ محلّه الاستعمار الأوروبيّ الجديد ممثّلاً بالاحتلالين الفرنسي والانكليزي اللّذين قسّما مشرقنا العربيّ إلى دويلات صغيرة وضعيفة وفق مؤامرة (سايكس بيكو) الحاقدة والمغرضة ليمّهدوا، السبيل لقيام دولة إسرائيل الصهيونيّة المزيفة على أرض فلسطين العربيّة، وقد تحقّق لهم الذي أرادوه، حيث بدأت الزّمر اليهوديّة الصهيونيّة بالمجيء من كلِّ أصقاع الدنيا إلى فلسطين، وشرّدت أهلها، وذبحتهم، وارتكبت بحقّهم أبشع الجرائم التي شهدها التاريخ الإنسانيُّ بتغطية سياسية، ودعم عسكري من الاحتلال الانكليزي آنذاك، واستمرّت الزّمر اليهودية الصهيونية بالتوافد إلى فلسطين ما أدّى إلى قيام دولة إسرائيل المزيفة عام ألف وتسع مائة وثمانية وأربعين تحقيقاً لوعد بلفور المشؤوم والكريه الذي أتاح لليهود إقامة وطن لهم على أرض فلسطين العربية.
وقد كان بحق عام ألف وتسع مائة وثمانية وأربعين عام النكبة لفلسطين والعروبة، كما كان ذلك الحدثُ الرهيبُ جرحاً دامياً في قلب الشعراء والأدباء والمثقفين العرب الذين روّعتهم الفاجعة القوميّة، وصدمتهم صدمةً أخرجتهم من جمودهم، ودفعتهم للتفكير بإحداث حركة شعرية وإبداعية جديدة، تمكّنهم من التعبير عن الخطْب الفادح المؤلم الذي حلَّ بالأمّة في لحظة غفلتها عن أمرها ومصيرها، فكان انقلابُهم على النُظُمِ الشعرية القديمة، وخلقُهم لحركة شعرية عربية جديدة عُرِفَتْ لدى الأوساط الأدبيّة بحركة الحداثة، كما كان منهم إيمانُهم بضرورة بعث الماضي المجيد الذي تمتاز به أمتنا بين سائر الأمم، فطرحوا فكرة البعث في نتاجاتهم الشعريّة، لعلَّ المجتمع العربيَّ يتلقّفها، ويعمل بمقتضاها.
ولكنّ المجتمع العربي، رغم مرور اثنين وستين عاماً على حدث النكبة، ما زال بشريحته الكبرى مغيّباً ومُحبَطاً، لأنّه لم يأخذ المبادرة، مبادرة المقاومة والممانعة، ما خلا الشريحة الصّغيرة المرابطة في لبنان وفلسطين. فليتنا نعود عودةً جامعة إلى تاريخنا القديم والحديث بما فيه من أحداث تريحنا، وأحداث توجعنا، لنستخلص منه الدروس والعبر التي تجعلنا أكثر حنكةً وذكاءً في التعاطي مع ما يحيط بنا من مؤامرات ومخطّطات عدوانية، ولنستطيع بعدها أن نقيم أسس المجابهة مع العدّو على امتداد الأرض العربيّة، فأمّتنا العربية قدرُها أن تكون أمّة الجهاد والمرابطة خاصّة في إقليمها الشاميّ الذي أراده الله أن يظلَّ رأس حربةٍ بوجه الغزاة الطّامعين حتى إحقاق الحقِّ ودحرِ الباطلِ وزوالِه .



Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development