المقالات

ماذا بعد استقالة رياض سلامة؟ كتبت: رفقة ابراهيم

في إطار إصدار مذكّرات توقيفٍ بحقّ حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، أجمع العديد من السّياسيّين على ضرورة تنحّي سلامة من منصبه حتّى ولو قبل فترةٍ قصيرةٍ من انتهاء ولايته. فإصدار ألمانيا مذكّرة توقيف بحقّ سلامة بتهمة اختلاس ٣٠٠ مليون دولار، وإصدار فرنسا مذكّرة توقيف للتّحقيق معه حول شبهاتٍ بقيامه بالاختلاس وتبييض الأموال والإثراء غير المشروع، بالإضافة إلى عدم تعاون الدّولة بجدّيّةٍ مع صندوق النّقد والبنك الدّوليّ، ساهموا بتوجيه الشّرطة الدّوليّة إشارةً حمراء للبنان، فازداد خطر إدراج اسمه على القائمة الرّماديّة للدّول الخاضعة لرقابة خاصّة بسبب ممارسات غير مرضية من غسل الأموال وتمويل الإرهاب، الأمر الّذي جعل العديد من السّياسيّين يطالبون بتنحّي رياض سلامة من أجل تفادي هذا الخطر.
ومع اقتراب فترة انتهاء ولاية حكم رياض سلامة الّتي ستكون في أوائل شهر تمّوز، لم يتمّ إدراج لبنان على القائمة الرّماديّة حتّى الآن، وتعامل المصارف الدّوليّة مع المصرف المركزيّ ما زال مستمرّاً بالرّغم من مذكّرات التّوقيف والوضع الماليّ المتدهور. ولكن، السّؤال الأهمّ هو: ماذا سيحدث بعد انتهاء ولاية رياض سلامة الّذي أكّد أنّه سيذهب إلى التّقاعد؟
إنّ تعيين حاكمٍ للمصرف المركزيّ في أسوأ أزمة ماليّة يشهدها لبنان، هو قرارٌ مصيريٌّ، لكن في حال استمرّ الفراغ الرئاسيّ، لن يتمّ تعيين حاكم جديد من قِبَل رئيس الجمهوريّة. فبحسب المادّة 25، يلي حاكم مصرف لبنان في هذه الحالة نائبه الأوّل، وهو اليوم وسيم منصوري. إلّا أنّ الأمر ليس بهذه البساطة، فمنصوري ينتمي إلى الطّائفة الشّيعيّة، بينما يجب أن يكون حاكم مصرف لبنان مارونيّاً بحسب التّوازنات الطّائفيّة المُتَّفَق عليها، الأمر الّذي خَلَقَ لدى رئيس مجلس النّوّاب نبيه برّي توجّهاً للطّلب من منصوري الانسحاب من أجل تفادي الكرة النّاريّة الّتي صنعها رياض سلامة في فترة حكمه وكذلك تفادي الدّخول في مشاكل طائفيّة. كما هناك الكثير من الأخبار عن احتمال أن يتمّ تحريف المادّة 27 الّتي تنصّ على تسلّم النّائب الثّاني لحاكم مصرف لبنان مهامّ النّائب الأوّل في حال غيابه، بشكل أن تُطبَّق على أنّه يحقّ للنّائب الثّاني الاستلام في حال استقالة النّائب الأوّل. وفي حال تمّ تطبيق المادّة 27 بهذا الشّكل، يستلم النّائب الثّاني بشير يقظان الحاكميّة، وهو من الطّائفة الدّرزيّة، ممّا يرجّح استقالته أيضاً. حصول فراغٍ في موقع حاكم مصرف لبنان قد يضغط لتسريع انتخاب رئيسٍ للجمهوريّة ليعيّن بنفسه حاكماً جديداً أو قد يدفع حكومة تصريف الأعمال للمطالبة باجتهادٍ من مجلس شورى الدّولة لإعطائها صلاحيّة تعيين حاكم جديد، غير أنّ نجاح هذه الخطّة البديلة شبه مستحيلٍ، إذ من الصّعب أن تقبل التّكتّلات المسيحيّة بهذا الأمر كونَ تعيين الحاكم هو من صلاحيّات رئيس الجمهوريّة المارونيّ. إذاً، الوسيلة الوحيدة الّتي يمكن أن تبقى لتفادي الشّغور في منصب حاكم مصرف لبنان هي انتخاب رئيس جمهوريّةٍ يعيّن حاكماً جديداً ليس له علاقةٌ بأيٍّ من نوّاب الحاكم الحاليّ رياض سلامة.
فماذا عن مواصفات الحاكم الجديد الّتي يحتاج إليه لبنان؟
إنّ المهامّ الرّئيسيّة لحاكم مصرف لبنان بحسب المادّة 70 من قانون النّقد هي المحافظة على سلامة النقد اللبنانيّ، تطوير السّوق النّقديّة والماليّة، المحافظة على سلامة أوضاع النظام الاقتصاديّ، المحافظة على الاستقرار الاقتصاديّ والمحافظة على سلامة أوضاع النظام الاقتصاديّ. إذاً، على الحاكم الجديد أن يلتزم بهذه المهام دون تخطّيها كما فعل رياض سلامة الّذي ساعد الدّولة على سدّ ديونها من خلال أموال المصرف المركزيّ، بل عليه استعمال معرفته وخبرته بالمجال الماليّ للمحافظة على الودائع بدل احتجازها ووضعها تحت الخطر.
ولكن، بحسب ما قاله منصوري لبرّي، كما تشير بعض المعلومات، فإنّ الخروج من السّياسة النّقديّة الّتي اعتمدها سلامة أمرٌ مستحيلٌ بسبب شحّ الدولارات. إذاً، على الحاكم المقبل أن يكون قادراً على إيجاد خطّةٍ متينةٍ وتطبيقها لإعادة ضخّ الدولارات إلى لبنان.
وتشير مصادر مطّلعة إلى أنّ وزير العمل السّابق كميل أبو سليمان هو المرشّح الأكبر حاليّاً لتولّي منصب حاكم مصرف لبنان لأنّه حظي بتأييد حزب القوّات اللّبنانيّة والتّيار الوطنيّ الحرّ، على الرّغم من أنّ التّيّار الوطنيّ الحرّ كان قد نفى في شهر نيسان أن يكون قد طرح أحدٌ عليه اسم بو سليمان. أبو سليمان هو محامٍ متخصّصٌ في المجال المصرفيّ والماليّ وشريكٌ في مكتب محاماة معروف في الولايات المتّحدة الأميركيّة، وكان قد وُكِّل محامياً لعدّة مصارف لبنانيّة في قضايا ماليّة ومصرفيّة خارج لبنان.
في النّهاية، تعيين أبو سليمان يحتاج إلى موافقة باقي الأطراف السّياسيّة الّتي لم تُعرَف وجهة نظرها بعد، كما يحتاج تعيينه أو تعيين أيّ مرشّح آخر في هذا المنصب إلى انتخاب رئيسٍ للجمهوريّة. فهل نشهد مع اقتراب نهاية ولاية رياض سلامة واحتمال شغور منصبه، حلحلةً في الملفّ الرئاسيّ وانتخابَ رئيسٍ جمهوريّة في القريب العاجل؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى