الأخبار العربية والدولية

مؤتمر سويسرا للسلام حول أوكرانيا.. لماذا فشِل ولم يؤتِ ثماره؟| بقلم ناجح النجار- صحفي وباحث في الشأن الدولي والإقليمي

لقد حاولت سويسرا أن تتخذ موقفًا محايدًا قدر المستطاع منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية مع روسيا، رغم الضغوط عليها كونها عضوًا في الاتحاد الأوروبي؛ إذ كانت تحاول ألا تقطع حبل الودّ مع الجانب الروسي، ولكن أعتقد أنه لا يمكن نجاح أي حوار لإنهاء خلاف سياسي أو حتى عسكري بين طرفين ودعوة طرف دون الآخر وحتى إن كانت الغَلَبة لأحدهما.

وبالتالي فإن دلّ على شيئ إنما يدلّ على التحيز لطرف على حساب الآخر الذي بدا يطفو ولو قليلا في موقف “برن” تجاه الحرب الدائرة بين كييف وموسكو، بالضبط هذا ما فعلته سويسرا إحدى دول الاتحاد الأوروبي عندما نظمت “مؤتمر للسلام حول أوكرانيا” دون دعوة الطرف الآخر في الصراع وهى روسيا وهو ما لقيّ خلافًا داخل أروقة البرلمان في العاصمة “برن” وربما خلافًا حول البيان الختامي.

وهذا ما بدا واضحًا من خلاف حاد حتى داخل البرلمان السويسري نفسه بتجاهل روسيا في الحوار، فكيف لحوار أن ينجح بدعوة طرف دون الآخر وحتى إن كان معتديا، لقد تبنت الحكومة والبرلمان في سويسرا الدعوة لقمة سلام بين روسيا وأوكرانيا والجلوس للتفاوض بعدما خاطب الرئيس زيلينسكي المنتهية ولايته في 20 مايو الماضي البرلمان الفدرالي السويسري في عام 2023. قائلاً: “إنني أناشدكم جميعا إقامة قمة سلام عالمية”.

وقد عقدت سويسرا مؤتمرا حول أوكرانيا يومي 15 و16 يونيو الماضيين، في منتجع بورغنستوك، بالقرب من مدينة لوسيرن، وقد أكدت 80 دولة مشاركتها، مع العلم إنه لم يحضر شركاء فاعلين أو دول مثل: الرئيس الأمريكي جو بايدن، وكذلك الرئيس الصيني شي جين بينغ، والرئيس البرازيلي لويز إيناسيو لولا دا سيلفا.

سويسرا تسير على حبلين

لقد شكلت العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا استفزازا لحياد سويسرا منذ البداية، فمن ناحية كان عليها اتخاذ موقف حيال أوكرانيا، بصفتها عضوًا في الاتحاد الأوروبي، وانطلاقا من القانون الدولي، وكونها دولة غربية كذلك، إذ مورست ضغوط عليها من الاتحاد الأوروبي ومن الولايات المتحدة في هذا الشأن، لكن في المقابل كانت الكونفدرالية الثرية والصغيرة تدافع في كل مرة عن دورها الخاص، كدولة محايدة، مشيرة دوما إلى تقاليدها العريقة كوسيط محتمل للسلام وبالتالي لا يمكن لسويسرا أن تنحاز لطرف على حساب الآخر.

ورغم ذلك الانحياز، إلا أن اتهامات قد وُجهت من بعض الدول الشريكة للموقف السويسري، وعدم قيامها بتتبع الثروات الروسية، أو سماحها للدول الأخرى بتصدير الأسلحة التي اشترتها من سويسرا قبل عقود إلى أوكرانيا في الحرب مع روسيا.

بالطبع تعرضت سويسرا لقدر من الحرج بسبب سيرها على حبلين في الأزمة الأوكرانية، وهو ما ظهرَ جليًا في تعامل الحكومة مع الرئيس زيلينسكي نفسه، حتى لا تجرح المشاعر الروسية، حيث قد أحجمت الحكومة السويسرية منذ عام مضى عن حضور كلمة الرئيس الأوكراني التي ألقاها أمام البرلمان الفيدرالي في العام الماضي، كما حاولت أن تحافظ على التباعد الحيادي، ولم تُبدِ أي رد فعل آنذاك.

لكن بعد مرور نصف عام، وحينما زار زيلينسكي سويسرا في يناير من العام الجاري 2024، لم تتقبل الحكومة الفيدرالية فكرته فقط، بل تبنتها، حتى وإن كان واضحا أن زيلينسكي كان يرمي من خلال هذه القمة إلى الإعلان عن خطته للسلام بنقاطها العشر، وإلى البحث عن مدى الدعم العالمي لها.

لذلك فإن أى حوار أو مؤتمر للسلام بدون أي من الطرفين فلن يكون مجديًا وسيكون مضيعة للوقت، وهذا ما ذكره زعيم الحزب اليميني في سويسرا، بالقول “بدون روسيا يمكننا نسيان الأمر” وحينها قاطع حزبه كلمة زيلينسكي في البرلمان، وانتقد قمة السلام منذ البداي وأن تلك الخطوة تتطلب وجود كلا الجانبين.

بغضّ النظر عن ازدواجية المعايير والكيل بمكيالين بالنسبة للغرب ما بين الحرب أو العدوان الغاشم على غزة والإبادة الجماعية بحق شعب أعزل، والعملية الروسية في أوكرانيا، إلا أن زعيم حزب الخضر في سويسرا، يرى أن روسيا قد انتهكت القانون الدولي ولا يحق لها إملاء شروط، ولكن ذلك لا يعني عدم دعوتها في الحوار، وهو ما دعا الصين والبرازيل ترفضان الدعوة بدون حضور الجانب الروسي.

وهذا ما أيدته صحف سويسرية بعدم نجاح “قمة سويسرا للسلام في أوكرانيا”، فقد كشفت صحيفة Temps السويسرية أن المؤتمر الذي عُقد حول أوكرانيا ربما فشِل، لأن برن لعبت لصالح زيلينسكي على حساب سياساتها الخاصة، وذكرت في المقال: “هناك خطر كبير، خطر أن يكون المؤتمر قد تحول إلى مناورة فاشلة ليست في صالح لسويسرا، التي خدمت مصالح زيلينسكي بدلا من تفعيل الفكر السليم”.

وأضافت الصحيفة: “سويسرا التي انشغلت بالإعداد للمؤتمر السابق لأوانه كان من الأجدر بها أن تعمل بهدوء بعقد مشاورات مع الدول الغربية ومع الدول الأعضاء في بريكس، لوضع قائمة بنقاط الالتقاء ونقاط الخلاف، ما يسمح بالخروج بمشروع واقعي لكلا المعسكرين”.

وأشارت إلى أنه لسوء الحظ، سياسة الحياد التي تنتهجها برن أصبحت في موضع شك سواء في داخل البلاد أو خارجها، واختار المجلس الاتحادي (الحكومة السويسرية) أن يخاطر بفقدان المصداقية في خضم سعيه لاكتساب صفة الباحث عن السلام.

ولفتت إلى أن “صيغة السلام” التي اقترحها زيلينسكي تبدو وكأنها طلب إعلان استسلام من جانب روسيا، في حين أن أوكرانيا هي “في الواقع” في وضع صعب للغاية.

وأضافت أن “دول الجنوب العالمي فضلت عدم الانخراط في هذا الأمر، تاركة المؤتمر في بيئة غربية عقيمة. لأن تحقيق السلام .. يستوجب أن يكون هناك طرفان، ما لم يكن أحدهما يملك اليد العليا في ساحة المعركة، ويقوم فقط بصياغة شروط الاستسلام”.

أرى. أن الحل في الصراع الروسي الأوكراني لن يُحل بشكل عسكري؛ إلا في حال استخدام السلاح النووي؛ إنما سيتم حله فقط من خلال المفاوضات والحوار السياسي بين الطرفين، مشروطًا بمدى نيّة وجديّة الولايات المتحدة الأمريكية في الحوار، لأنها ببساطة من تستخدم الشعب الأوكراني كـ وقود في الحرب مع روسيا بشكل غير مباشر، بهدف إضعافها عسكريًا واقتصاديًا وهذا ما صرح به مسؤولون وسياسيون أمريكيون وغربيون. ولكن العكس ما حدث وهو مزيد من التقارب الروسي العربي الأفريقي من جهة، وأيضا التقارب الروسي الصيني وبعض دول أمريكا اللاتينية وعلى رأسهم البرازيل من جهةٍ أخرى، الأمر الذي ساعدها في التغلب على آلاف العقوبات الغربية وجعلها صامدة أمام الغرب في ساحة المعركة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى