التحقيقات

نقد الديموقراطية الإنتخابية العددية ونتائجها السيئة \ أسامة إسماعيل


-     الديموقراطية الإنتخابية العددية هي سبب أساسي لما يحدث على أرض الواقع من انحدار مفاهيم السياسة والدين والمجتمع والإدارة والإقتصاد والإعلام والفن والسلوك والأداء المرتبطين بها. فالديموقراطية هي حكم الشعب "Democracy"Flow أو حكم العامة وليست حكم النخبة المثقفة المستقلة، وهذه الديموقراطية تنطوي على ديموقراطية السياسة وديموقراطية الإعلام والتواصل وديموقراطية المجتمع... ولاتعني الديموقراطية الحرية والإستقلال الفرديين ولاالعدالة والإستقرار والسلام بل هي تنطوي على ديكتاتورية الأكثرية أو الديكتاتورية المخففة والمقنعة، فهي تختلف عن الديكتاتورية بالدرجة لاالنوع، وقد اعتبر الفيلسوف اليوناني أفلاطون الطغيان وهو أحد أشكال الحكم الأكثر فسادا"وسوءا" نتيجة مباشرة للديموقراطية.
    الديموقراطية الإنتخابية العددية تفسح المجال للمساواة التي تتعارض مع العدالة أي المساواة بين الجاهل والسطحي وغير المثقف النخبوي والغوغائي وغير الكفء والفاسد من جهة والمثقف النخبوي الحر المستقل المتمايز والكفء من جهة أخرى، بل يفضل النوع الأول من الناس في كثير من الأحيان على الثاني بالوظائف وفرص العمل والمناصب والدخل المالي والإحترام والتكريم والمركز الإجتماعي، وتمنح  الديموقراطية الإنتخابية للنوع الأول "الحق" في اختيار النائب والحاكم عبر الإنتخابات المباشرة وغير المباشرة والتأثير الشديد في القرار السياسي والإدارة العامة والمجتمع والإقتصاد والإنماء. وإن الديموقراطية الإنتخابية العددية وخاصة ذات التمثيل الطائفي الحزبي، تشجع حالة القطيع الإجتماعي حيث الأكثرية تسير وراء الحكام أو الأحزاب والسياسيين دون نقد أو اعتراض على قراراتهم وخطواتهم وأعمالهم السيئة والخاطئة، وحيث لايكترث الحكام والسياسيون والأحزاب برأي الأقلية أو المستقلين، مهما كانت نتائج سياساتهم وقراراتهم وأعمالهم. وكما هو معلوم، إن الكيان الإسرائيلي يعتمد الديموقراطية الإنتخابية حيث حكم الأكثرية التي تؤيد الحكومة في قراراتها وخطواتها ومشاريعها وأعمالها وإن كانت سيئة وخاطئة وعدوانية. فالأغلبية تؤيد الحكومة الإسرائيلية ورئيسها في حربها المدمرة ضد غزة ولبنان، وتاريخيا", لولا الأكثرية المنتمية إلى" الدين اليهودي " التي سارت في القطيع وراء الحركة الصهيونية لما استطاع الصهيونيون أن يحتلوا فلسطين سنة ١٩٤٨وبعض الأراضي العربية المجاورة ابتداء" من سنة ١٩٦٧، وكذلك الدول الداعمة للكيان الصهيوني تعتمد الديموقراطية الإنتخابية، حيث الأكثرية لاتعترض على سياساتها الخارجية السيئة والخاطئة والداعمة لإسرائيل، وقد تغير الإنتخابات البرلمانية والرئاسية الأشخاص في هذه الدول ولكنها لاتغير استراتيجتها وسياساتها الخارجية التي لاتدعم الحرية والإستقلال الحقيقيين والعدالة والإستقرار الدائم والتنمية في الدول كلها وخاصة دول مايسمى العالم الثالث والمجاورة لفلسطين المحتلة. في المقابل، الأكثرية الصامتة لاتعترض على قرارات وخطوات وأعمال وأداء لسياسيين وأحزاب وتنظيمات، سيئة وخاطئة وتؤدي إلى نتائج سيئة وأضرار كبيرة، سواء"كانت تتعلق بالصراع ضد الكيان الإسرائيلي أو الشأن الداخلي السياسي والإجتماعي والإقتصادي والأمني. وفي الديموقراطية الإنتخابية تسمى الأكثرية إن تكلمت أو صمتت بالرأي العام الذي انتقده زكي نجيب محمود ووصفه" بالإله المزيف الجديد "، معلنا" أن وجود فرد واحد لايرى الرأي الذي هو" رأي عام" ينفي عن الرأي العام عموميته. وإن الديموقراطية الإنتخابية العددية تشجع ديموقراطية الإعلام والتواصل حيث يستطيع أي مشاهد للتلفاز ومتصفح لوسائل التواصل الإجتماعي وأي ملتقط لصورة ومعلق عليها أن يكون إعلاميا" ومحللا" سياسيا"وعسكريا"!!! وقد تفتح الأبواب له للتوظيف والعمل في وسيلة إعلام، إذا كان تابعا"أومحسوبا" لسياسي أو حزب على ظهر صاحب إختصاص الإعلام والصحافة والثقافة النخبوي الحر المستقل وعلى حساب مصلحته المادية والمعنوية وكرامته ومستقبله. 
    إن الديموقراطية الإنتخابية العددية، وخاصة ذات التمثيل الطائفي والحزبي، تجعل المعتقدات الجماعية الجاهزة والجامدة فوق العقل وإلارادة الفرديين، وخاصة المعتقدات والمناسبات والعادات التي تقدّس أشخاصا"وتعظمهم وتقدم لهم الولاء والتضحية والفداء، وتجعل العاطفة والغريزة والمصلحة المادية أمورا" جماعية وشعبية لافردية و لاشخصية، وتبيح التدخل فيها ومحاولة كشف أسرارها. وهذه الديموقراطية ترسخ حالة القطيع الإجتماعي، ما يتعارض مع الحرية والإستقلال الفرديين والتمايز. فهذه الحالة لاتقيم وزنا" ولاقيمة للأمور والأسرار الشخصية والفكرية والمهنية والإقتصادية للفرد، وقد تسهِّل انتهاكها من قبل البعض، ما يهدد خصوصية الفرد وحريته وكرامته وراحته ومصلحته وأمنه، مما يدل على أن الديموقراطية الإنتخابية العددية لا تعني الحرية والإستقلال الفرديين كما انها لاتعني العدالة وحكم النخبة والحكم الرشيد والسلام والإستقرار الدائمين!!!
                    أسامة إسماعيل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى