المقالات

90 ساعة تحت الركام = أليسار المير شهيدةسمر قرة / طرابلس

بعد أربعة أيام من الترقّب المرير، أنهت فرق الدفاع المدني في طرابلس عمليات البحث في منطقة القبة، لتُنتشل أخيرًا جثة الشابة أليسار المير من تحت أنقاض المبنى المنهار.
تسعون ساعة من البحث المتواصل، في ظروف قاسية وموجعة، بدأت منذ اللحظات الأولى بمعدّات يدوية بدائية، فيما لم تصل الآليات الثقيلة وفرق الإنقاذ المساندة إلا في اليوم الثالث، ليُستكمَل العمل حتى اليوم الرابع، وتُطوى صفحة مأساة خيّمت بثقلها على المدينة بأكملها.

أليسار، الشابة الممرضة ذات الوجه البريء، التي عاشت رغم فقر الحال حياةً مفعمة بالأمل والعطاء، لم تزهق روحها حرب ولا عدوان خارجي، بل اغتالها الفساد المتجذّر في مؤسساتٍ يُفترض بها أن تحمي الناس.
قتلها مبنى متصدّع، تُرك يهدّد الأرواح بلا صيانة، بلا رقابة، وبلا قرار يحمي البشر قبل الحجر.

قصة أليسار اليوم مرآة صادقة لواقع طرابلس الموجع؛ مدينة تتكئ على أبنية متعبة، وخدمات مهملة، ومواطنين يعيشون القلق اليومي بلا ملجأ آمن.
أليسار لم تمت مرة واحدة فقط؛ بل ماتت مرارًا:
ماتت نفسيًا حين لم تجد يدًا تطمئن خوفها، وماتت عاطفيًا حين رأت عائلتها بلا مأوى، وماتت عصبياً عندما انهار الدرج وهي تحاول النجاة،
ثم ماتت جسديًا، تحت ركامٍ سحق حياتها، قبل أن تستفيق أجهزة الدولة من سباتها الثقيل.

وهنا، لا يمكن اختزال المأساة في انتشال جسدٍ بعد 90 ساعة، بل في سؤال الضمير الذي لم يتحرّك بعد.. في تلك الساعات التسعين لم تكن أليسار وحدها تحت الركام؛ كانت المدينة بأكملها مدفونة معها:
مؤسسات نائمة، رقابة غائبة،
قوانين مكتوبة بحبرٍ لا يُقرأ،
وقرارات مؤجَّلة… حتى إشعار موتٍ جديد.

تسعون ساعة كانت كافية لوصول الموت، لكنها لم تكن كافية لوصول الدولة.

ما جرى في القبة لم يكن حادثًا عرضيًا، ولا «قضاءً وقدرًا» ليُستَخدم ستارًا لغسل الأيدي.
ما جرى جريمة موصوفة، بطيئة، متراكمة، ارتُكبت بأدوات الإهمال، ووقّعتها سنوات طويلة من التقصير.
فالفساد لا يقتل دفعة واحدة، بل يقتل بالتقسيط:
حين تُهمل الأبنية،
حين تُعطَّل التقارير،
حين يُهدَّد المواطن بالإخلاء بلا بديل،
وحين تصبح حياة الفقراء أقل كلفة من إصلاح حجر.

أليسار ليست رقمًا في سجل الكوارث، ولا صورة في نشرة أخباركم.
أليسار قصة مدينة استنزفت حتى العظم،
قصة دولة لا تحضر إلا بعد فوات الأوان،
وقصة مسؤولين لا يُحاسَبون لأن الضحايا لا يملكون نفوذًا ولا صوتًا عاليًا.

وهنا، يصبح السكوت جريمة أخرى.
وتغدو العدالة واجبًا أخلاقيًا لا مطلبًا سياسيًا.
فالمحاسبة اليوم ليست ثأرًا نبحث عنه، بل حقٌّ أصيل، وهو الحدّ الأدنى من احترام كرامة الإنسان وحرمة الحياة.

إن رفع سقف المحاسبة ليس تحريضًا منا ، بل محاولة أخيرة لإنقاذ ما تبقّى.
وليس استهدافًا لأشخاص، بل استعادة لمعنى الدولة:
دولة تُدرك أن الإنسان وسلامته أولاً و ليسا بندًا مؤجَّلًا في موازنة منهارة ولا رقمًا قابلاً للشطب.

لقد قالت السماء كلمتها منذ قرون، حين جعلت حماية الإنسان جوهر الإيمان والعدل:
﴿وَمَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾
سورة المائدة – الآية 32.

وقال الإنجيل بوضوح لا يقبل التأويل:
«طوبى للجياع والعطاش إلى البرّ، لأنهم يُشبَعون»
إنجيل متّى 5:6.

أليسار المير شهيدة إهمالٍ لا يجوز أن يُطوى ملفّه.
وطرابلس لن تُشفى ما لم يُسمَّ الجرح باسمه، والمشهد سيتكرّر… ولن تُنقَذ أرواح الفقراء ما لم يُحاسَب من ترك اليسار تموت تحت الركام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى