المقالات

اليوم هو يوم الأم \ نهى خليل السعيدي

وتصدح الأغنيات
وتأتي التمنيات
لكل الأمهات
تعبيرا عن مدى
محبة كل شخص لأمه

وتأتي هنا غصتي
ليس لأنني لست سعيدة
بهذا اليوم الذي
يأتي فيه إبني جواد
ويعايدني فيه
شأني شأن كل أم
ويقبلني متمنيا لي
الصحة والسعادة
ويشكرني على كل
ما أفعله لأجله

ولكن الغصة لا تختفي
لأن في مثل هذا اليوم
كنا نجتمع مع أخوتي
بعد التخطيط المسبق
لنحتفل بأم
لا أعرف كيف أصفها

أم شجاعة؟
حيث أضطر أبي لتركها والتغرب
في سبيل لقمة العيش
شأنه شأن أغلب اللبنانيين
تركها في وطن
لا يعرف الإستقرار

أم قوية؟
وهي تربي ثلاث أولاد
وتحاول المشي بين الألغام
ألغام التفلت الأمني
ألغام التفلت الأخلاقي
ألغام التفلت الإقتصادي

أم صارمة؟
حاولت التعويض بحنكتها
غياب الأب المغترب الحاضر
فهو مغترب بالجسد
وحاضرا بالهيبة والوجدان
ووضع أطر وقوانين
حتى لا تتفلت الأمور
والتهديد بإبلاغه
في حال المشاكسة والتمرد
فزرعت له هيبة
غير مرئية في البيت

أم مُطمْئنة؟
فهي كانت تُطمئننا
عند الخوف
عند المشاكل
عند الشوق لأبينا
إن عبر الكلام أم رسائل
أم تسجيلات صوتية

أمي كنت الأم والأب لنا
لمرحلة طويلة
كنت المشجع والداعم لنا
صحيح كنت أعتبرك
أم قاسية في بعض الأحيان
فلم أكن أعلم الحرب الضروس
الدائرة في وطننا
وانت أم تخاف على
سلامة أولادها
في عالم مجنون
الخارج من ببته مفقود
والعائد إليه مولود

كنت مشاكسة في مراهقتي
وكنت أقسو عليك أحيانا
لصرامتك التي لم أتأخر
كثيرا في فهمها

فقد بدأت
أختلط بالناس
بعد إعطائك لنا
بعض الحرية المنضبطة
وبدأت أفهم خوفك
وحرصك خاصة
في اختيارنا لأصحابنا

لأنك أيقنت
أن الدروس النظرية
لا تنفع وحدها
بل على الولد أن يرى
ما هو المقصود تطبيقيا
وبدأنا نكوّن مجتمعنا الخاص
وكنت العين المراقبة

أمي مهما تكلمت وتكلمت
فلن أوفيك حقك
وتعبك علينا وعلى أولادنا
نعم، فأنت أكملت المسيرة
حتى مع أحفادك
وكانوا مصدر فرحك
وفي حال شكونا لك
عن فعل أحدهم
كنت تذكرينا بأفعالنا
ونحن في أعمارهم

كنت المرشد بنصائحك
فلم أكن أكتفي او أشبع منها
وحتى عندما كبرت
وأصبحت في الجامعة
كنت أقول لك كل شيء
مهما كان الأمر تافهاً
حتى أريح بالك
كنت أعلم في داخلي
انك تخافين علي
ولو لم تظهريه
حتى تثبتي لي
عن مدى ثقتك بي

أمي أشتاق كثيرا إليك
أشتاق لحضنك، لنصائحك
أشتاق لتشجيعك
فأنت كنت مؤمنة بي وبقدراتي

فأنت من اكتشف أذني الموسيقيّة
وسجلتني في المدرسة
للتعلم فأنا كنت
أحب العزف على البيانو
ولكن الحرب حالت
دون تحقيق الهدف
واكتفيت بالعزف سمعا فقط

كبرت قليلا واكشفت
موهبة الرسم وهنا شجعتني
لأخد دروس في الرسم
وهكذا كان

وكبرت أكثر واكتشفت موهبة الكتابة
وأيضا شجعتني
وكنت تقرئين مقالاتي
بشغف كبير
وفي يوم فاجأتك
واهديتك مقال لك
بمناسبة عيد الأم
وأدمعت عيناك عند قراءته

أمي لم أصدق بادىء الأمر
أنك اختفيت من حياتي
بقيت لفترة طويلة
مصدومة من موتك المفاجىء

كنا نحضر للإحتفال
بليلة رأس السنة
وقد وزعنا على بعضنا
المهام التي علينا عملها
لنجتمع ونحتفل مع بعضنا
في ليلة عائلية دافئة

وهنا الصدمة
ففي الصباح الباكر
يتصل أخي ليبلغني
أنك في المستشفى
لم أكن أفكر أن الأمر خطير
أسرعت للمستشفى
بعد إبلاغ ولدي أنني مضطرة لترك البيت
حتى لا اشغل باله عندما يستيقظ ولا يجدني
ولم أكثر الكلام
لأن جواد كان مغرم بجدته
فقد كانت رحبة الصدر
وتتحاور معه
وتخطط أحيانا معه
أمور كثيرة كالإحتفال بيوم مولدي
أم إذا كان يخطط لشيء ما
وأشياء كثيرة أخرى

وعند السماح برؤيتها
اطمأن قلبي
لأنني وجدتها بخير
وحتى أنها أكلت بيديها
ولم تسمح لي بمساعدتها
وظللت هناك حتى صُرفنا
لأنها كانت في العناية المركزة

ولكن كان هناك شعور داخلي
لا يريدني ترك المستشفى
إلا أنهم لم يسمحوا لنا البقاء
خاصة أن الليل بدأ
يرمي بظلاله علينا

لم أصدق عندما أتانا إتصال
أن العوض بسلامتكم
لم أصدق وأسرعت مع أخي
أكيد هناك خطأ ما
ولكن للأسف لم يكن خطأ
والصدمة القاسية
وهنا يأتي الإيمان
بقضاء الله وقدره هوالحكم

أذكر ليلتها
أنني خاطبت ربي قائلة
يا رب إن كنت تمتحن إيماني بك
وحبي لك فسأبقى على إيماني وحبي
ولكن ساعدني حتى أتحمل الفراق

أمي أنانيتي
كانت ترفض التصديق
أن الوداع قد حان
ولكن إيماني
كان يذكرني بدعوتك الدائمة
“الله لا يضطرني حدا يعطيني حبة دوا”

وكان لك ما أردت يا أمي
كان الله من حبه لك
لم يردك أن تتألمي
ولا تعاني في المستشفى
أراد خلاصك بسرعة وخفة
دعوتِه واستجاب لك

أمي أفتقدك كثيرا
وأشتاق إليك
أمي لقد اصبح حفيدك
في الجامعة يدرس الهندسة
و بإذن الله سيتخرج قريبا
وهو يشتاق إليك
وإلى أشياء كثيرة
كنتما تتشاركانها مع بعضكما
لدرجة أنني وعدتَه وقمنا بزيارتك
هو يفتقد لأشياء كثيرة
جميلة كانت تحدث بينكما
كحواراتكما سويا وتخطيطاكما
ولمة العيلة وأكلاتك الشهية
يحن إلى بصمتك الواضحة في طفولته
يحن إلى أيام كان يعتبرها أحلى أيام حياته

أمي لم تغيبا عني انت وأبي
ليعفو عنكما ربي
ويغفر لكما ويرحمكما
ويجعلكما مع الصالحين في الجنة ان شاء الله

إهداء إلى روح أمي
نهى خليل السعيدي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى