تأملات فلسفية في الجائحة العالمية بقلم الدكتورة:مها علي

“الجحيم هو الأخرون” جملة ذكرها الفيلسوف الفرنسي الوجودى المشهور “جان بول ساراتر”(1905: 1980م) وهى الجملة الأشهر في الأدب المسرحى الوجودى وبالتحديد مسرحية “لامفر” عام 1944م ، حيث تعبر هذه الجملة عن العذاب الذى يعيش فيه المرء بسبب الأخرون الذين يضعوه دائماً تحت المراقبة والتقييم والنقد، وهنا يمكن أن نطرح تساؤلاً ملحاً في ظل هذه الظروف (كورنا) التي تجبر معظمنا على التواجد مع أخرين في مساحة محدودة لفترة طويلة وفى بعض الحالات التواجد بدونهم فهل في قدرة الفرد أن يعيش بدون الأخر والتعامل معه ؟ قد يرى البعض أن هذه قدرة أو إمكانية يجب على الفرد أن ينميها وخصوصاً إذا كان يرى في الأخر مصدر تهديد له، ولا أقصد هنا تهديد لمكانة إجتماعية أو سياسية أو حتى من الناحية الوجدانية ولكن المقصود هو تهديد لبقائه على قيد الحياة وليس فقط مجرد فقدانه لحياته ولكن فقدانها بطريقة تتضمن أقصى درجات المعاناة . ولكى أحدد الأخر يجب أن تكون الذات وامتدادها واضحاً أي دائرة الأشخاص الذين يعتبرهم المرء جزء من ذاته أو على الأقل لهم تأثير قوى على ذاته وبالتالى يمكن أن نعتبرهم في دائرة امتداد الذات والمرء لايعتبرهم في الكثير من الأحيان أخر بالمعنى الشائع لكلمة الأخر. وفى اللغة كلمة “الأخر” تعنى: ( أحد شيئين يكونان من جنس واحد) والجمع أخرون، فهل هذا يقصر معنى الأخر على أفراد البشر، أم انه في ظل الدعوات المستمرة لمراعاة الطبيعة يمكن النظر إلى البشر كجزء من الطبيعة وأننا لانستطيع أن نحيا بدونها ويجب مراعاتها كأخر أكبر ينبغي عدم التعدى عليه والتأكيد على واجب حمايته كضرورة للحفاظ على الذات ومن هنا قد يعتبرها البعض الامتداد الأقصى للذات وهى الحالة التي قد يصل فيها المرء إلى أعلى درجات الوعى ، أي عندما يدرك نفسه في وحدة مع الطبيعة وأن ذاته تتغلل فيها وهذا يلقى الضوء على بعض الآراء المثارة حديثاً وتشير إلى العلاقة العكسية بين بين الإنسان والطبيعية أنه مع انتشار جائحة كورنا وفرض قيود على حياة البشر تعافت الطبيعة ، كما لو أن الطبيعة أفضل حالاً بدون البشر، وأن على الأنسان أن يفكر في الطبيعة كأخر قد لايحتاج إليه بل العكس الإنسان هو الذى يتوقف وجوده على الطبيعة، ويبدو ان هذه العلاقة الجدلية بين الإنسان والطبيعة تتحدد كما تتحدد علاقته بالأخر الذى يكون سبب في تأكيد الفرد لذاته من خلال دعمه وتوسع امتداد دائرة الذات ، وقد يكون الأخر الذى يمثله وغيره من الأخرون جحيم. ويمكننا تقديم تصور إضافى للأخر؛ فنحن في بعض الأحيان مع مرور الأيام والتقدم في العمر ننظر إلى الأخر (الذى هو الذات ) في مرحلة الشباب ونحكم عليه وعلى اختياراته ونتمنى أن يمتلك هذا الأخر الخبرة التي اكتسبنها من تجاربنا المعاشة وهو الأمر الذى سيكون له عظيم الأثر على حياتنا الحالية ، وهنا نجد أنفسنا أمام ثلاث مواقف تجاه الأخر الذى يمثلنا في مرحلة مبكرة من عمرنا هي : أولاً الرفض أو ثانياً التأييد للأخر الذى يمثلنا في هذه المرحلة أو ثالثاً تقبله كمكون أساسى لواقعنا الحالي .
وأخيراً يجب أن يستوعب الإنسان حقيقة أنه ليس أكثر من مجرد أخر بالنسبة لأخر أخر.
مدرس فلسفة الاخلاق بكلية الآداب جامعة الوادي الجديد




Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development