لمن يبحثون عن اليوم التالي… الغد يُصنع في خنادق اليوم الحالي…بقلم: عماد العيسى

إنّ الذين يستعجلون بحماسة، صياغة ما يطلق عليه (اليوم التالي)، يسقطون في وهمٍ بنيوي خطير، وغير محسوب النتائج ،فالغد لا يمكن أن يولد من العدم الدبلوماسي، ولكن تُعجن ملامحه وتخبز وتُصنع خياراته، في غمار (اليوم الحالي)، هذا اليوم الذي نعيش تفاصيله في بالميدان (حاليآ )، وهذا هو الفارق الجوهري في فلسفة القوة، بين من يملك مشروعاً يصنعه بدمه وتضحياته، وبين من ينتظر على قارعة التاريخ، ليلتقط ما يلقيه إليه الأقوياء من فتات التسويات.
إن هذا الصراع المحتدم في الميدان يحتاج، قبل كل شيء، إلى فرز حقيقي في جبهة الفكر والوعي ، فالاشتباك العسكري لا يثمر ،إن لم ترافقه العقيدة المعرفية الصلبة، لترفض التكيف والإنصياع، وهنا يتجلى الفارق بين (مثقف الخنادق) ،الذي يعجن فكره ببارود ورصاص المعركة، وبين (مثقف الاوتيلات)، الذي يبحث عن هوامش أمان تمنحها له القوى الاستعمارية،ليحتمي بها من الشرف ، إن حماية جبهتنا الداخلية تتطلب ،حسماً صارماً وشجاعاً في محاربة الطابور الخامس ،وتعرية الأفكار المائعة والرمادية ،التي تطرح شعارات جامعة وفضفاضة على حساب الأمن القومي والوجودي، فالمواجهة الحقيقية لا تقبل التدليس ولا التيئيس ، ومن يمد يده أو ينسق مع المعسكر الغربي / الصهيوني ،تحت أي مبرر هو خائن لدماء الشهداء، ويجب أن يواجه الحقيقة دون التفات لتباكي المنظمات الدولية ،أو الخوف من تصنيفات الإرهاب الاستعمارية، فالوعي المشتبك هو الرافعة الأساسية لكسر العقوبات، والحصار وتحويل التحديات إلى قوة، تفرض معادلات الردع وتحسب لها واشنطن ألف حساب،
والأهم من ذلك كله، هو عدم تمييع المفاهيم والثوابت ، والثبات على الحق والاستعداد لدفع أغلى الأثمان، الاقتصادية والسياسيةوالامنية ، ورفض الانصياع لـ (الغول الاستعماري)، وعدم الالتفات لـ (للمياعةوالمياصة الدبلوماسية )، والتقارير المسمومة التي تنصح بالتعامل المرن والذكي، مع محيط إقليمي متماهٍ بشكل كامل ،مع مشاريع التطبيع والصهينة والخنوع، بل هو رفض مطلق للتماهي مع أنظمة
إقليمية عاجزة وفاقدة لسيادتها، أنظمة لا تمتلك حتى القدرة على حماية عروشها، ناهيك عن أنها لا تشكل رقماً في معادلات المنطقة.
إن (اليوم التالي) الحقيقي، ليس ذلك الذي يخطه مستشارو الأمن القومي في واشنطن، بل ذلك الذي كتبته غزة بدمها المعجون برمالها بلقمة عيشها ،بحياتها اليومية ، بصمودها وبسرديتها ، وثبّتت أركانه جبهة لبنان ببارودها ودمها. هنا تكمن الدروس الاستراتيجية التي غيّرت وجه الشرق الأوسط…
وبالعودة إلى الأساس… فإن سقوط عقيدة الردع الصهيوني الإقليمي اصبحت حقيقة وواقع، ومن هنا فلقد أثبت (طوفان الأقصى) أن هذا الكيان نمر من ورق، وأن تحصيناته التكنولوجية وقبابه الحديدية، تسقط أمام إرادة المقاتل المشتبك، غزة المحاصرة منذ عقود، والمجردة من الغطاء الجوي، عطلت مفاصل كيانٍ بأكمله، وجعلت قادته يتخبطون في أعمق أزمة وجودية منذ عام 1948.
وحين انطلقت جبهة الإسناد من جنوب لبنان، لم تكن مجرد تضامن عاطفي، بل كانت تطبيقاً حياً لـ فكر المجابهة الفعلية، لقد نجحت المقاومة في لبنان، في فرض معادلة استنزاف قاسية، هجّرت مستوطني الشمال، وعمّقت جراح الاحتلال العسكرية، والاقتصادية،والسياسية ، والاجتماعية …هذا التلاحم العضوي بين غزة ولبنان ،أثبت للعدو الصهيوامريكي أن الاستفراد بأي فصيل أو ساحة ،ولى إلى غير رجعة، وأن المساس بغزة يعني تفجير المنطقة بأكملها.
لقد أثبتت التجربة في غزة ولبنان، أن (اليوم التالي) لا يمكن هندسته عسكرياً، عبر ضرب قوى المقاومة، فالفعل النضالي ليس مجرد تنظيم يُمحى بضربة جوية أو اغتيال قائد، بل هو فكرة متجذرة في الأرض والهوية، تتجدد مع كل قطرة دم.
وهنا يبرز سؤال وجودي، يتجاوز السقوط السياسي إلى السقوط المعرفي الواقعي، من الذي يصنع هذا التحول التاريخي؟…
واهمٌ من يظن أن التغيير في مثل حالتنا الاستثنائية، يمكن أن يولد على أيدي المثقفين التقليديين، أو داخل صالونات النخب المترفة، إن ما نشهده اليوم من زلزال هز أركان النظام الدولي، لم يصنعه خريجو الكليات العسكرية الكبرى، ولم تكن بذمته تحليلات المنظرين، والحوارات البيزنطية الفضفافة على الفضائيات، بل صنعه بكل بساطة وعفوية أولاد بسطاء الناس، أبناء الفقراء الذين نشأوا في أزقة مخيمات غزة والضفة الغربية، والقرى الجنوبية اللبنانية بكل ما فيها.
هؤلاء الفتية لم يقرأوا ترف التنظير، بل عاشوا واقع الاحتلال، وعاينوا وجهه القبيح كل يوم، فآمنوا بحقهم المطلق في المقاومة والحرية، وتربوا على آيات القرآن وثقافة الشهادة، يدافعون عن أرضهم شبراً شبراً، يقتنصون دبابات العدو من المسافة صفر، دون تراجع أو تردد ولو للحظة، ليحققوا معجزات عسكرية حطمت أساطير التكنولوجيا الغربية، هؤلاء وحدهم، هم الملهمون وهم المثال وهم القدوة، لمن أراد أن يتبع خط الجماهير، لأنهم واضحون وضوح خيانة الآخرين، وبرهان حقيقتهم دمهم السائل لا ألسنتهم الفصيحة،وللمفارقة التاريخية، فإن هؤلاء الأبطال ليسوا نتاج الندوات الأكاديمية الصاخبة، ولا ورش العمل المموّلة، بل هم نتاج مدرستين واضحتين، نتاج شيخ مقعد (أحمد ياسين)، لم يتفصحن يوماً على الناس من فوق المنابر الإعلامية، ولم يلهث خلف مراكز الأبحاث أو منظمات الـ (NGOs) المشبوهة، ونتاج الشقاقي المفكر المشتبك، الذي دفع روحه في عز شبابه فداءً لحق شعبه في الجهاد ضد الغاصبين، نتاج سيد تربى وعاش في أزقة بيروت الفقيرة، وفلاح مقاوم يعشق الأرض ويرفض الخنوع (عماد مغنية)، إبن الأرض الثائرة مصاحبآ شتلة التبغ ،التي تمثل له ما يمثل الزعتر والبرقوق بالنسبة للفلسطيني .
الجماهير بفطرتها لا تتبع الفصحاء وأصحاب الياقات البيضاء، بل تتبع الشهداء ومن سار على نهجهم بصدق، المثقف الحقيقي ليس من يتعالى على شعبه، بل هو من يملك التواضع ليكتشف خط الجماهير العريضة ويؤصّله، أما تلك الألقاب الفخمة (مثال) دكتور في العلوم السياسية، فقد باتت تثير السخرية والشفقة ، إذا ما استُخدمت كأداة لترهيب وتكميم أفواه البسطاء والفقراء، أصحاب المصلحة الحقيقية في الثورة والمقاومة،وهنا تتجلى خديعة النخب في تعمدنا كمثقفين، إستخدام مصطلحات فضفاضة ومائعة، وعلى رأسها تعبير التغيير، وهو تعبير حمّال أوجه، مرن وقابل لـ المطمطة وإعادة تشكيل الأهداف، بما يخدم التملص من المسؤولية التاريخية، على سبيل المثال ففي قاموس السياسة الباردة، يمكن لإعتلاء (حسين الشيخ) مكان (أبو مازن)، أن يُسوّق كإنجاز تحت بند (التغيير)، ولكن لماذا نهرب جميعاً من التعبير الحقيقي والصلب؟ لماذا لا نجرؤ على استخدام كلمة التحرير؟.
جميعنا يعرف الجواب في قرارة أنفسنا… لأن التحرير مفهوم باهظ الثمن، يتطلب دماً وصموداً واشتباكاً مستمراً، التحرير مفهوم صلب وواضح، لا يقبل القسمة على اثنين، وقابل للقياس اليومي، فهو معيار لا ينتهي إلا بإنتهاء الإحتلال، وزواله بالكامل عن الأرض،بينما تصنع المقاومة بالدم واقعاً إقليمياً جديداً، يخرج علينا (مهندسوا الإستسلام) بمصطلحات مستوردة ومصطنعة، يتلعثمون بلغة حقوقية باردة، وشعارات فارغة مثل (مقاومة الأبرتايد) و(التمييز العنصري) بدلاً من خيار المجابهة الوجودية، ويزعمون واهمين أن هذا الانبطاح اللغوي والدبلوماسي ،هو الذي سيؤمن لنا الدعم والرضا العالمي، إنهم قاصرون عن رؤية الحقيقة الساطعة (ولو شاهدوها لوضعوا اللجام)، لقد فجرت حماس وبقية قوى المقاومة ،موجة تضامن عالمي شعبية غير مسبوقة، هزت عروش الجامعات الأمريكية والشوارع الأوروبية، وانكشفت السردية الصهيونية (المصطنعة)، وهو تحول تاريخي ضخم، لم تستطع النخب العربية المنهزمة إستيعاب أبعاده، أو البناء عليه حتى الآن، الغرب لم يتحرك بشعاراتنا البائسة، بل تحرك حين رأى بأم العين أسطورة الصمود الغزي واللبناني، في وجه آلة القتل والهمجية الصهيونية.
إن الخلاصة التي لا تقبل الجدل، والتي يجب أن تكون قاعدة لكل شريف في هذه الأمة، كل مشروع سياسي، أو رؤية للمستقبل، أو هندسة لـ (اليوم التالي- وهو الحالي)، لا تنطلق من أرضية واضحة (وضوح خيانة البعض) وجلية لـ ثقافة المجابهة والندية والاشتباك، ومن أرضية التحرير الكامل لا التغيير الشكلي، هو مشروع ساقط حتمآ، وولد ميتآ، ولا يمكن أن يُعوّل عليه، المستقبل يكتبه المشتبكون، أما المتكيفون فمكانهم سلة المهملات التاريخية.
“والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون”.


Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development