المقالات

قانون العفو عام في لبنان \ بقلم باسل هيثم كبارة

إنّ الحديث عن قانون عفو عام في لبنان، بالصورة التي يُطرح ويُسوَّق بها، يضع الممسكين بالقرار والحُكم أمام واحدة من أكثر المفارقات إثارةً للقلق في تاريخ الدولة اللبنانية؛ إذ يبدو أنّ من يفترض بهم حماية القانون وصون العدالة باتوا يتعاملون مع مصير الناس ومصالح المجتمع بمنطق التسويات السياسية والحسابات الضيقة، لا بمنطق دولة المؤسسات والقضاء والمحاسبة.

وإذا كان الهدف المعلن من قانون العفو هو رفع الظلم عن بعض الموقوفين أو المحكومين الذين تعرّضوا، ظلمًا وبهتانًا، لملفات مفبركة أو لمحاكمات غير عادلة، فإنّ إنصاف هؤلاء حقّ لا يمكن إنكاره أو تجاهله. لكن السؤال الحقيقي هو: هل يكون رفع الظلم عن عدد من المظلومين عبر فتح الباب أمام إطلاق سراح آلاف المتورطين في جرائم خطيرة؟

هل يُعقل أن تتحول قضية بعض المظلومين إلى مظلّة يستفيد منها أيضًا من ارتكبوا جرائم تهدد أمن المجتمع وسلامة أفراده، من قتلة وتجار مخدرات ومغتصبي أطفال وجواسيس وسواهم من مرتكبي الجرائم الخطيرة؟

إنّ العدالة لا تُبنى بهذه الطريقة.

إذا كانت هناك ملفات مفبركة، فلتُفتح من جديد. وإذا كان هناك أشخاص سُجنوا ظلمًا، فليُرفع عنهم الظلم فورًا. وإذا ثبت وجود تجاوزات أو تلفيق أو إساءة استعمال للسلطة، فليُحاسَب المسؤولون عنها، مهما كانت مواقعهم ونفوذهم. أما أن نعالج ظلمًا بظلم أكبر، وأن نستخدم معاناة المظلومين كغطاء لتمرير عفو يستفيد منه مرتكبو الجرائم الخطيرة، فهذه ليست عدالة، بل ضربٌ لمفهوم العدالة في الصميم.

فالدولة التي تحترم نفسها لا تساوي بين الضحية والجلاد، ولا بين المظلوم والمجرم، ولا بين من زُجّ به في السجن ظلمًا ومن ارتكب جريمة متعمدة بحق إنسان أو مجتمع.

والأخطر أنّ الإفراج العشوائي عن مرتكبي الجرائم الخطيرة لا يهدد القضاء وحده، بل يهدد المجتمع بأكمله. فماذا سيقول أهالي الضحايا؟ وماذا سيكون شعور عائلة فقدت ابنًا أو ابنةً بسبب جريمة قتل أو اعتداء أو تجارة مخدرات، عندما ترى مرتكب الجريمة يخرج من السجن بقرار سياسي تحت عنوان “العفو العام”؟

وماذا عن الأطفال الذين تعرضوا للاعتداء؟ ألا يملكون هم أيضًا حقًا في العدالة؟ أليست كرامتهم وسلامتهم وحقوقهم أولى بالحماية من الحسابات السياسية والمزايدات الانتخابية؟

إنّ لبنان لا يعاني فقط من أزمة اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية؛ بل يعاني، قبل كل شيء، من أزمة ثقة عميقة بالدولة ومؤسساتها. وكل قانون يُفهم منه أنّ الجريمة يمكن أن تجد طريقًا إلى الإفلات من العقاب، يساهم في تعميق هذه الأزمة، ويبعث برسالة خطيرة إلى المجتمع مفادها أنّ القانون ليس واحدًا على الجميع، وأنّ النفوذ والسياسة قادران في نهاية المطاف على تجاوز القضاء.

وهنا يكمن أصل المشكلة.

فكيف يمكن لعاقل أن يراهن على منظومة أثبتت مرارًا عجزها عن حماية العدالة، ثم ينتظر منها أن تبني دولة القانون والمؤسسات؟ وكيف يمكن مطالبة المواطن باحترام القانون، بينما يرى أنّ القوانين نفسها يمكن أن تتحول إلى أدوات للتسوية السياسية، وأنّ بعض الملفات تُفتح حينًا وتُغلق حينًا آخر وفقًا لموازين القوى؟

إنّ الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بعفو عام شامل، بل يبدأ بإصلاح القضاء، وتسريع المحاكمات، وتأمين المحاكمة العادلة، ومراجعة الملفات المشكوك في صحتها، ومحاسبة كل من ثبت تورطه في تلفيق التهم أو ظلم الأبرياء، مع الإبقاء في الوقت نفسه على العقوبات بحق من تثبت إدانتهم بجرائم خطيرة.

العدالة الحقيقية ليست انتقامًا، كما أنّ العفو ليس عدالة بحد ذاته.

العدالة هي أن يأخذ كل إنسان حقه، وأن يُحاسَب كل مذنب وفق القانون، وأن يُفرج عن كل بريء أو مظلوم، وأن تكون الكلمة الفصل للقضاء المستقل لا للسياسيين ولا لأصحاب النفوذ.

أما تحويل قانون العفو العام إلى باب واسع للإفلات من العقاب، فهو لا ينقذ لبنان، بل يكرّس ثقافة الإفلات من المسؤولية التي كانت ولا تزال واحدة من أبرز أسباب انهيار الدولة.

لقد دفع اللبنانيون أثمانًا باهظة نتيجة غياب المحاسبة، وحان الوقت كي يفهم من يمسكون بالقرار أنّ الدولة لا تُبنى بالعفو عن الجرائم، ولا بالصفقات السياسية، ولا بحماية أصحاب السوابق، بل بتطبيق القانون على الجميع من دون استثناء.

فالعدالة لا تتجزأ، ورفع الظلم عن المظلومين لا يكون بفتح أبواب الإفلات من العقاب أمام المجرمين.

وإذا كان في السجون مظلومون، فلتُفتح ملفاتهم ولتُرفع عنهم المظالم. وإذا كان في السجون مجرمون، فليُطبَّق عليهم القانون. أما أن يُجمع المظلوم والمجرم تحت عنوان واحد، فذلك ليس إنصافًا للظلم، بل تكريس له، وليس بناءً للدولة، بل استمرارًا في هدم ما تبقى منها.

لبنان بحاجة إلى دولة تُخيف المجرم وتحمي المظلوم، لا إلى دولة يخشى فيها المظلوم من ضياع حقه، ويطمئن فيها المجرم إلى إمكان خروجه بعفو سياسي.

وهذه، ببساطة، هي المعادلة التي يجب أن تحكم أي نقاش جدي حول العفو العام: أن يُرفع الظلم عن الأبرياء، من دون أن يُرفع العقاب عن المجرمين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى