المقالات

العدوان على لبنان بعيون الفنانين

الفن التشكيلي بين شهادة الذاكرة وأخلاق تمثيل الألم

الدكتور فريد جبور
فنان تشكيلي

ليست الحرب حدثًا عسكريًا ينتهي بانتهاء القصف، ولا تُختصر نتائجها في بيانات الخسائر وأعداد الضحايا والمنازل المهدّمة. فثمة حرب أخرى تستمر بعد صمت المدافع: حرب على الذاكرة، وعلى معنى المكان، وعلى قدرة الإنسان على استعادة حياته من تحت الركام. ومن هنا تكتسب المبادرات الثقافية والفنية التي تتناول العدوان على لبنان أهمية تتجاوز حدود المعرض التشكيلي بوصفه مناسبة جمالية، لتتحول إلى فعل توثيق ومساءلة وحفظ للذاكرة الجماعية.

يأتي المعرض الفني التشكيلي المعنون «العدوان على لبنان بعيون الفنانين»، الذي يقيمه الملتقى الوطني في الشمال، بوصفه محاولة لنقل الحرب من لغة الخبر العابر إلى لغة الصورة الباقية. فالألوان، وفق الرؤية التي تعلنها الدعوة، تتحول إلى شهادة، واللوحة إلى ذاكرة، والريشة إلى صوت يروي وجع لبنان وأهله، ويوثق الألم والدمار والنزوح، في مقابل الصمود والتشبث بالأرض والأمل بالغد.

غير أن القيمة الحقيقية لمثل هذا المعرض لا تكمن في إعادة إنتاج مشاهد الخراب فحسب، بل في قدرته على مساءلة الحرب من داخل التجربة الإنسانية نفسها: ماذا يفعل العدوان بالبيت حين يفقد وظيفته بوصفه مأوى؟ ماذا يبقى من القرية عندما يهجرها سكانها ويحملون مفاتيح منازل لم تعد أبوابها قائمة؟ وكيف تستطيع الصورة الفنية أن تنقذ الفرد من التحول إلى مجرد رقم في قوائم الضحايا والنازحين؟

من توثيق الحدث إلى كشف معناه

تستطيع الصورة الصحافية أن تلتقط لحظة سقوط المبنى، وأن تحفظ شكل الانفجار وحجم الدمار، لكنها تبقى مرتبطة، في الغالب، بزمن الحدث المباشر. أما اللوحة، فلا تكتفي بتسجيل ما وقع، بل تعيد بناء أثره في النفس والذاكرة. إنها لا ترسم المنزل المدمّر وحده، بل ترسم العلاقة التي انكسرت بين الإنسان ومكانه؛ ولا تقدم النازح باعتباره جسدًا انتقل من منطقة إلى أخرى، بل باعتباره إنسانًا اقتُلع من شبكة كاملة من الذكريات والعادات والروابط والانتماءات.

وهنا ينتقل الفن من وظيفة التسجيل إلى وظيفة التأويل. فالخراب في العمل الفني لا يعود مجرد حجارة متناثرة، بل يصبح علامة على انقطاع الزمن بين حياة كانت قائمة وحياة لم تتشكل بعد. والمفتاح الذي يحمله المهجّر لا يبقى أداة لفتح باب، بل يتحول إلى رمز للملكية والعودة والهوية والحق. أما الشجرة المحترقة أو الأرض المتضررة، فلا تعبّران عن خسارة بيئية منفصلة، بل عن إصابة العلاقة التاريخية بين الإنسان وأرضه.

بهذا المعنى، لا ينافس الفنان المؤرخ أو الصحافي أو المحقق القانوني، بل يضيء منطقة قد تعجز الأرقام والوثائق الرسمية عن بلوغها: الأثر الداخلي للعنف. فالوثيقة تثبت الواقعة، بينما يكشف الفن ما فعلته الواقعة بالروح الإنسانية.

الفن في مواجهة محو الذاكرة

لا يقتصر أثر الحروب على تدمير الأشخاص والممتلكات، بل قد يمتد إلى تهديد الذاكرة الثقافية للمجتمع. فالقرية ليست مجموعة مبانٍ فقط، وإنما أسماء وأصوات وطرقات ومقابر ودور عبادة وحقول وحكايات عائلية. وعندما يُدمَّر المكان أو يُفرَّغ من سكانه، يصبح الخطر مزدوجًا: خسارة الواقع المادي، ثم خسارة صورته في الوعي العام.

وقد أكدت منظمة اليونسكو أن استهداف الثقافة والتراث في النزاعات لا يصيب الماضي وحده، بل يمس حاضر الجماعات ومستقبلها، وأن حماية الذاكرة الثقافية تدخل في صميم بناء السلام والتعافي بعد الحروب. كما تنظر مقاربة الأمم المتحدة للحقوق الثقافية إلى التراث باعتباره حقًا للأفراد والجماعات في المعرفة والوصول والمشاركة والحفظ والنقل إلى الأجيال المقبلة، لا مجرد ممتلكات أثرية منفصلة عن حياة الناس.

ومن هذه الزاوية، تشكل اللوحة الفنية نوعًا من مقاومة المحو. فهي تعيد تثبيت اسم القرية وصورة المنزل وملامح السكان في الذاكرة العامة. وما يُدمَّر في الجغرافيا يمكن أن يبقى حاضرًا في الثقافة، لا باعتبار هذا البقاء بديلًا من العودة وإعادة الإعمار، بل بوصفه مانعًا لتحويل الخراب إلى واقعة منسية.

ولا يعني ذلك أن الفن يستطيع وحده حماية الحقوق أو إعادة المهجّرين أو فرض التعويض، لكنه يحول دون موت القضية في الوعي. فهو يحتفظ بما تحاول سرعة الأخبار أن تتجاوزه، ويمنح الذاكرة شكلًا يمكن نقله إلى أجيال لم تعش الحدث مباشرة.

بين المقاومة الثقافية والدعاية

تقتضي الموضوعية التمييز بين الفن الذي ينحاز إلى الإنسان والفن الذي يتحول إلى أداة دعائية. فليس كل عمل يتناول الحرب شهادة فنية بالضرورة؛ إذ يمكن للصورة أن تختزل المأساة في شعارات جاهزة، أو أن تستخدم الضحايا لتثبيت موقف سياسي مسبق، أو أن تمجّد القوة والعنف بدل الدفاع عن الإنسان.

الفن الحقيقي لا يفقد قيمته الوطنية عندما يرفض التبسيط، بل يصبح أكثر صدقًا. وهو لا يحتاج إلى تجميل الضحية أو تحويلها إلى رمز مجرد، لأن كرامة الإنسان تظهر في فرديته وهشاشته وحياته اليومية، لا في توظيف ألمه. كما أن إدانة العدوان لا تعفي العمل الفني من مساءلة جميع الخطابات والممارسات التي تجعل المدنيين وقودًا للصراع أو تحجب عنهم حقهم في الأمن والحياة والعودة.

وعليه، فإن استقلالية الفنان شرط أساسي لصدقية الشهادة. فالعمل الذي يُملى عليه معناه من خارج التجربة الإبداعية يفقد جزءًا من قوته، حتى لو كانت القضية التي يدافع عنها عادلة. أما حين يعبّر الفنان بحرية عن الخوف والغضب والفقدان والصمود والشك، فإنه يقدّم شهادة أكثر عمقًا من البيان السياسي، لأن اللوحة تفتح باب التأمل ولا تغلقه بإجابة مسبقة.

إن أخطر ما قد يصيب فن الحرب هو أن يعيد إنتاج منطقها: تقسيم البشر إلى صور مطلقة، وإلغاء التعقيد، وتحويل الآخر إلى كائن منزوع الإنسانية. أما الفن المسؤول فيدين الاعتداء من دون أن يتخلى عن المعيار الإنساني الذي يستند إليه في إدانته.

أخلاق رسم الضحية

يثير تمثيل الموت والدمار سؤالًا أخلاقيًا دقيقًا: كيف يمكن عرض الألم من دون تحويله إلى مشهد للاستهلاك؟ فاللوحة التي تصوّر الجرح قد تحفظ الشهادة، لكنها قد تنتهك خصوصية الضحية إذا تعاملت معها بوصفها مادة بصرية مجردة. كما أن الإفراط في تصوير الأجساد والدماء قد يؤدي، بدل إثارة الوعي، إلى تطبيع العنف وإضعاف حساسية المتلقي تجاهه.

لذلك تقوم أخلاق الفن المرتبط بالحروب على مجموعة من الضوابط المعنوية: صون كرامة الضحايا، وتجنب الاستغلال العاطفي، واحترام خصوصية الأفراد والعائلات، والتمييز بين استحضار الألم والمتاجرة به. ولا ينبغي أن يُقدَّم الإنسان بوصفه جسدًا مكسورًا فقط؛ فهو أيضًا صاحب اسم وتاريخ وعلاقات وأحلام وحقوق.

وتزداد المسؤولية عندما تكون الأعمال مستوحاة من صور حقيقية لضحايا أو منازل محددة. فهنا ينبغي التحقق من السياق، وعدم نسبة وقائع غير مثبتة، واحترام حق العائلات في ألا تتحول مأساتها إلى ملك عام من دون مراعاة مشاعرها. إن حرية الإبداع ضرورية، لكنها لا تنفصل عن المسؤولية الأخلاقية تجاه من تمثلهم الأعمال الفنية.

الذاكرة الفنية والذاكرة القانونية

يمكن للأعمال الفنية أن تسهم في تكوين ذاكرة عامة حول العدوان، لكنها لا تحل محل الأدلة القانونية. فاللوحة تعبّر عن الحقيقة الإنسانية كما رآها الفنان، في حين يتطلب الإثبات أمام المحاكم والهيئات الدولية تحديد المكان والزمان والفاعل والضحية وسلسلة موثوقة من الأدلة.

ومع ذلك، يمكن للفن أن يؤدي دورًا مساعدًا مهمًا. فهو يلفت الانتباه إلى وقائع قد تُهمَل، ويحفّز المجتمع على جمع الشهادات والصور والخرائط والمستندات، ويحافظ على الاهتمام العام بالقضية. كما يمكن للمعارض أن تتكامل مع أرشيفات موثقة تضم إفادات السكان، وصور الأبنية قبل العدوان وبعده، وبيانات الملكية، وتقارير الخبراء، وتحديد المواقع الجغرافية للأضرار.

ومن المفيد، في هذا السياق، الفصل بوضوح بين ثلاثة مستويات: العمل الفني بما يحمله من حرية رمزية، والتوثيق التاريخي الذي يتطلب تدقيق المصادر، والملف القانوني الذي يخضع لقواعد الإثبات. فالخلط بينها قد يضعفها جميعًا، بينما يمنحها التكامل المنظم قوة ثقافية وتاريخية وحقوقية أوسع.

من المركز إلى الأطراف

يحمل تنظيم معرض عن العدوان في مدينة طرابلس دلالة وطنية تتجاوز البعد المكاني. فآلام الجنوب أو البقاع أو الضاحية ليست شأنًا محليًا يخص سكان المناطق المتضررة وحدهم، بل جزء من الذاكرة اللبنانية المشتركة. وعندما تنتقل صور القرى المهدّمة والمهجّرين إلى الشمال، يصبح المعرض مساحة لإعادة بناء التضامن بين المناطق خارج الاصطفافات الطائفية والحزبية.

هذه الوظيفة مهمة في بلد كثيرًا ما تُجزّأ فيه المآسي تبعًا للانتماء السياسي أو الجغرافي. فالفن يستطيع أن يعيد الإنسان إلى مركز المشهد، وأن يجعل وجع المواطن في أقصى الجنوب مفهومًا ومحسوسًا لدى المواطن في أقصى الشمال. وهكذا تنتقل القضية من تضامن عاطفي مؤقت إلى وعي بأن حماية المدنيين والأرض والكرامة مسؤولية وطنية واحدة.

لكن نجاح هذه الوظيفة يتطلب أن يكون المعرض منفتحًا على الجمهور المتعدد، وألا يتحول إلى مناسبة للنخب أو للمؤيدين سلفًا. فقيمة الفن العام تقاس بقدرته على الوصول إلى المدارس والجامعات والبلديات والنازحين والعائلات، وعلى فتح نقاش لا يقتصر على الكلمات الاحتفالية.

الفن والتعافي النفسي والاجتماعي

لا تقتصر وظيفة الرسم على مخاطبة المشاهد؛ فالعملية الإبداعية نفسها قد تساعد الفنان والناجي والطفل المهجّر على التعبير عن تجارب يصعب وضعها في كلمات. غير أنه يجب تجنب الادعاء بأن الفن يشفي الصدمات تلقائيًا. فالتعافي النفسي يحتاج، في الحالات الجدية، إلى اختصاصيين وبرامج مستمرة وبيئة آمنة، وليس إلى نشاط فني عابر.

مع ذلك، يستطيع الفن أن يخلق مساحة للاعتراف بالألم، وأن يكسر العزلة التي يعيشها المتضرر عندما يشعر بأن تجربته غير مرئية. كما يمكن للورش الفنية الجماعية أن تعيد بناء شيء من الثقة والانتماء، شرط أن تُدار بحساسية، وألا يُطلب من المشاركين استعادة ذكرياتهم القاسية أمام الجمهور من دون حماية أو موافقة واعية.

ويكتسب إشراك المهجّرين وأبناء المناطق المتضررة أهمية خاصة، لأنهم ليسوا موضوعًا يرسمه الآخرون فقط، بل أصحاب تجربة يملكون حق التعبير عنها بأنفسهم. ومن هنا يصبح المعرض أكثر عدالة عندما ينتقل من «الحديث عن الضحايا» إلى تمكين المتضررين من إنتاج صورهم ورواياتهم الخاصة.

نحو مشروع وطني للذاكرة البصرية

حتى لا يبقى المعرض حدثًا مؤقتًا، يمكن تحويله إلى نواة مشروع وطني للذاكرة البصرية يقوم على أرشفة الأعمال وفق أسماء الفنانين وتواريخ إنجازها والمناطق التي تتناولها، وإعداد سجل رقمي يحفظ اللوحات وشروحها، وربط كل عمل بالوقائع الموثقة التي ألهمته، مع صون حقوق الفنانين وخصوصية المتضررين.

كما يمكن تنظيم معارض متنقلة في مختلف المناطق اللبنانية، وإصدار كتاب فني توثيقي بلغات متعددة، وإشراك المدارس والجامعات في مناقشة العلاقة بين الفن والذاكرة والقانون وحقوق الإنسان. ومن المفيد أيضًا تخصيص مساحة لأعمال الأطفال والنازحين، وأخرى لصور إعادة البناء والعودة، كي لا تُختزل ذاكرة لبنان في الدمار وحده.

فالذاكرة الوطنية المتوازنة لا تحفظ صورة الموت فقط، بل تحفظ أيضًا وجوه الذين أنقذوا الجرحى، وأعادوا فتح المدارس، وتمسكوا بالأرض، ورمموا البيوت، واستعادوا دورة الحياة. وإذا اقتصر الفن على الخراب، فقد يمنح المعتدي، من حيث لا يقصد، حضورًا دائمًا بوصفه صانع المشهد. أما حين يرسم قدرة الإنسان على النهوض، فإنه يعيد البطولة إلى أصحاب الأرض والحياة.

خاتمة

يمثل معرض «العدوان على لبنان بعيون الفنانين» فرصة لجعل الفن جزءًا من الوعي الوطني بالعدوان وآثاره، لا مجرد تعليق جمالي على المأساة. فاللوحة تستطيع أن تحفظ ما تسقطه نشرات الأخبار من ذاكرتها، وأن تمنح الغائبين أسماء وملامح، وأن تنقل المكان المهدّم من هامش الجغرافيا إلى مركز الضمير.

لكن قوة هذا الدور تبقى مرتبطة بصدقية الفنان واستقلاله، وباحترام كرامة الضحايا، وبالتمييز بين الشهادة والدعاية، وبين التعبير الرمزي والإثبات القانوني. فالفن لا يوقف الطائرات، ولا يعيد وحده النازحين، ولا يبني المنازل المدمرة؛ لكنه يمنع الخراب من أن يصبح أمرًا عاديًا، ويقاوم سقوط الضحية في النسيان.

وحين تتحول الريشة إلى ذاكرة حرة، لا يعود المعرض جدارًا تُعلّق عليه اللوحات، بل يصبح مساحة وطنية لاستعادة الإنسان من تحت صورة الحرب. عندئذ لا يرسم الفن العدوان فقط، بل يرسم أيضًا الحد الذي ينبغي ألا يسمح الضمير الإنساني بتجاوزه، ويؤكد أن لبنان الذي أصابته الحرب يستطيع أن يحفظ ذاكرته، وأن يحوّل ألمه إلى وعي، ووعيه إلى حق، وحقه إلى إرادة للحياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى