المقالات

ربيع لبنان يطلقه المجتمع المدني… بحذر – بقلم طلال خوجة – الحياة

من النادر أن يتوافق اثنان على تعريف موحد للمجتمع المدني، خصوصاً في منطقتنا التي تشهد انتفاضات تغييرية دخل بعضها مرحلة دموية من الصراع من أجل دفن عالم قديم ينهار ومواكبة عالم جديد يتأخر في البزوع. وطبيعي في هذه الأثناء أن تسرح الوحوش الضارية محاولةً ملء الفراغات.

وفي لبنان الذي أطلق ربيعه ذات يوم، جاذباً مئات الآلاف نحو ساحة الحرية، خصوصاً من الفئات الشبابية التي تدفقت لتعلن وقوفها إلى جانب أهداف وشعارات السيادة والحرية والتغيير، فإن حوافز الحشد اللبناني غير المسبوق تغذت (وإن عكسياً) من حشد لبناني آخر تنتمي شعاراته وقواه (وليس جمهوره طبعاً) إلى عصر مضى وإلى عالم ينهار ببطء قاتل.

والمجتمع المدني بالمعنى الواسع للكلمة يحاول أن يوقف نهش الوحوش الضارية في مجتمعنا، فمنها من يفتك بالبيئة ومنها من يفتك بالاقتصاد ومنها من يفتك بالناس والبلد وجميعها يفتك بالمجتمع ونسيجه محولاً إياه من غنى الانفتاح والتنوع إلى فقر الانغلاق والتقوقع. وفي حين تتعثر السياسة بمعناها العابر للطوائف والمناطق والفئات ويصل الانقسام الأهلي الى مستويات انشطارية، يختلط السياسي بالمدني بالأهلي، وترتفع الأصوات التي تصرخ وترفع شعارات تقارب العناوين السياسية، وبعضها يترافق مع تسخيف الطبقة السياسية وصولاً ربما لإزالتها! ما يضع أمام من يرفع هذه الشعارات مهمة «ملء الفراغ» وينقلها مرة واحدة من الأهلي إلى المدني إلى السياسي.

قوى المجتمع المدني، مجموعاتٍ وأفراداً، كثيراً ما تجد نفسها وجهاً لوجه مع القضايا العامة والأزمات الكبيرة، ما يجعلها أسيرة هذه القضايا ويدفعها لتلبس حالات سياسية متعددة، فتقع فريسة الالتباس بين الحركة التغييرية والحركة الاعتراضية. وإذ يعتقد بعضهم أنه قادر على استنهاض حركات جماهيرية واسعة، فإن الإحباط يصبح وارداً عند كل مفصل وربما عند كل نشاط.

مهمة المجتمع المدني هي في الدفاع عن القيم والحقوق المدنية الواسعة والمشتركة متوسلاً الوسائل الديموقراطية في الاعتراض ورفع الصوت وإضاءة الشموع بمعنى المبادرة والمساهمة بالعمل الثقافي والبيئي والإنمائي عموماً بما فيها الإنماء الأكاديمي، وليس لعن الظلام فقط على أهمية ومتعة لعن الظلام. وهذا يفترض المثابرة والنفَس الطويل، ذلك أن نقطة الماء التي تنزل على الصخرة بشكل ثابت ستؤدي حتماً إلى التأثير فيها، مع التألم لاستعمال هذا الثابت العلمي، فقد لجأ النازيون والمستبدون إلى استعمال القوة الهائلة للنقطة وصوتها المتصاعد في التعذيب.

ولجأ كثيرون مؤخراً إلى تشكيل اتحادات وتجمعات «مدنية» فضفاضة، ما يتطلب التحذير من أن الخيط الذي يفصل التجميع عن الاختزالية والتسييس هو خيط واهن، كما أن الخيط الذي يفصل التعدد عن التشظي هو واهن أيضاً، وفي المقابل فإن الانكفاء عن التعاون والتنسيق يضعف الحملات ذات الطابع العام، فضلاً عن أنه مؤشر إلى فائض في منسوب الشخصانية وإن تغلف «بالصفاء المدني»، علماً أن هذا الصفاء يخدشه ايضاً اللجوء الى مصادر تمويل يحمل أصحابها أجندات معينة.

ونعتقد بضرورة التوفيق بين معطيات كثيرة في العمل المدني كما التزاوج بين مسألتين أساسيتين تبدوان متنافرتين ما يضعهما على مستوى الإشكالية.

أولاً: إيجــــاد أوسع مساحة ممكنة من أجل إشــــراك أوسع فئات في الحراك المدني، ما يتطلب رســـم خط فاصل ولو وهمياً بين السياسي والمدني (وحتـــى النقابي أحياناً)، علماً أن من الطبيعي تداخل السياســـي بالمدني، وأن تكون للناشطين أفكار وآراء وخلفيــــــات وتطلــعـــات سياسية، بمن فيهم يساريــــون سابقون قفزوا إلى مراكب المجتمع المدني بعد تراجع وتفكك أحزابهم ومنظماتهم العقائدية.

ثانياً: الارتكاز على ثوابت أساسية ومنطلقات لا يمكن تجاوزها مهما دُوّرت الزوايا اللفظية، كالسيادة (بما فيها سيادة مؤسسات الدولة التي تكيل بمكيال واحد وحصرية السلاح) والحرية والعدالة والمساواة وتكافؤ الفرص ورفض العنف عموماً والعنف السياسي، لئلا نقع في فخ مساواة القاتل بالضحية والذي يتغلف بلعن الطبقة السياسية كلها (الزعما فلوا من لبنان).

وهنا لا بد من تأييد الشعارات العامة التي أطلقها الربيع اللبناني والتي جرى تطييفها في خضم الأحداث السياسية المتلاحقة في لبنان والمنطقة، خصوصاً أنها حملت في طياتها أهدافاً تغييرية، بما فيها التغيير في بعض مناحي الثقافة والتعاطي مع الآخر.

لذا تبدو شعارات المجتمع المدني أقرب الى ثورة الأرز، كما أن فئـــات ومكونات هذا المجتمع غـــرفت مـــــن أمــــواج البـــحر الهادر في 14 آذار (مارس) 2005، إلا أن نجاحها يكمن في استقطاب مكونات من التجمع الآخر والغرف منه أيضاً، ما يتطلب مزيداً مــــن الاستقلالية، ذلك أن وقف العنف والإنماء وثقافة الــفرح والحياة وحماية البيئة وقضايا المرأة وغـــيرها من مفاصل الحركة المدنية تشكل مصلحة لبنانية عابرة للطوائف والمناطق والفئات.

من حق بعضهم أن يحلم بانتفاضات اجتماعية، خصوصاً مع التدهور الاقتصادي والاجتماعي والمعيشي إلى مستويات كارثية، ومع أن أية انتفاضة، إن حدثت، ستأخذ طابعاً مدنياً وعفوياً وستدخل في جوفها مكونات المجتمع المدني المتنوعة، إلا أنها لا يمكن أن تُكمل إلا سياسياً، ما يعني أن المكونات المدنية، بما فيها العابرة للطوائف، لا يمكن أن تشكل بديلاً عن أحزاب ديموقراطية عابرة للطوائف والمناطق، وستبقى على جدول اعمال كل الأفراد والفئات والجماعات التي تتطلع إلى لبنان وطني ديموقراطي علماني آمن ومزدهرٍ وفي رحابة عروبة طوعية ديموقراطية منفتحة.

فلنتخيل كم من الوحوش الكاسرة ستسرح بين هذه الأبعاد، وكم علينا ان نعمل للخلاص من الوحوش بأيدينا في غياب قديسين صرعوا التنين وبعض الوحوش قبل أن يستريحوا ويتركوا لها متابعة المهمة.

* كاتب لبناني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى