الرئيس ميقاتي افتتح مؤتمر تعزيز النزاهة ومكافحة الفساد: لا علاج للفساد من دون قرار حازم بفصل السياسة عن الدولة

كلام الرئيس ميقاتي جاء خلال افتتاحه هذا المساء المؤتمر الرابع لـ”الشبكة العربية لتعزيز النزاهة ومكافحة الفساد” تحت عنوان “التوفيق بين الواقع والمأمول في مجال مكافحة الفساد: نحو المزيد من الإبتكار والتجديد”، والذي ينظم في فندق فينيسيا ويستمر يومي غدٍ وبعد غدٍ بدعم مشترك من وزارة العدل اللبنانية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي وبالتعاون مع مجموعة من المنظمات الشريكة. ويتخلل المؤتمر إنتقال رئاسة الشبكة العربية لتعزيز النزاهة ومكافحة الفساد من المغرب إلى لبنان ممثلاً بوزير العدل، علماً أن الشبكة هي أول آلية عربية إقليمية تتيح تلاقي الجهات الحكومية وغير الحكومية للتشاور والتعاون في مجال مكافحة الفساد.
حضر الجلسة الإفتتاحية إلى ميقاتي وزير العدل في حكومة تصريف الأعمال النقيب شكيب قرطباوي، النائب محمد قباني، المنسق المقيم لمنظمة الأمم المتحدة والمدير في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الدكتور حسن كريم ممثلاً الممثل المقيم للبرنامج روبرت واتكينز، سفيرة الإتحاد الأوروبي أنجلينا إيخهورست، وحوالى مئتي مشارك من دول عربية وأجنبية من بينهم وزير العدل المصري أحمد مكي، رئيس هيئة مكافحة الفساد في السعودية محمد بن عبد الله الشريف، وزير العدل الفلسطيني علي مهنا، وزير الحوكمة ومكافحة الفساد في تونس عبد الرحمن الأدغم، وزير الوظيفة العامة وتحديث الإدارة في المغرب عبد العظيم كروج، رئيس الشبكة العربية لتعزيز النزاهة ومكافحة الفساد في المغرب عبد السلام أبو درار، ووزير الدولة رئيس مكتب المفتش العام في البرازيل خورخي الحاج وهو من أصل لبناني، بالإضافة إلى سفراء عرب وأجانب وممثلين عن الأجهزة الأمنية والعسكرية.
وقائع المؤتمر
بداية النشيد الوطني، وتقديم للمؤتمر من مدير المشروع الإقليمي لمكافحة الفساد وتعزيز النزاهة في البلدان العربية التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي أركان السبلاني. ثم ألقى قرطباوي كلمة الإفتتاح مرحباً بالوفود في بيروت، أم الشرائع وملتقى الحضارات وعاصمة الإنفتاح والعيش معاً مسيحيين ومسلمين.
ثم تحدث الدكتور كريم، معتذراً عن الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة روبرت واتكنز. وقال إن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي “يعمل على تقديم الدعم للقضاء على الفساد منذ حوالى ثلاثة عقود مستنداً إلى إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد”.
بعد ذلك، تحدث الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالوظيفة العمومية وتحديث الإدارة في المغرب عبد العظيم كروج مؤكداً على “أهمية موضوع هذا المؤتمر لأنه موضوع آني واستراتيجي في آن معاً، كما يعكس مدى الإهتمام بمكافحة الفساد”.
أما أبو درار فرحب بإنضمام هيئة المراقب العام في جمهورية البرازيل الإتحادية كعضو ملاحظ بالشبكة، مجدداً الدعوة لهيئة مكافحة الفساد بماليزيا للإنضمام للشبكة كعضو ملاحظ أيضاً.
الرئيس ميقاتي
ختاماً كلمة ميقاتي الذي رأى أن “هذا المؤتمر هو بصيص أمل يحدونا للعمل معاً من أجل وضع الأسس والوسائل الكفيلة بتنمية مجتمعاتنا عبر مكافحة الفساد الذي يعطل مسار مشاريع التطور الإجتماعي والخدماتي، ويقف عائقاً أمام الإنطلاق في عملية الإصلاح السياسي والإداري التي تؤسس لقيام مجتمعات حديثة قادرة على مواكبة التطور بهدف النهوض من حالة الركود إلى حالة الحداثة”.
أضاف: “عندما تسلمت رئاسة الحكومة قبل أكثر من عامين، وضعت نصب عيني هدفاً رئيساً في برنامج عملي، وهو تحقيق الإقتصاد الإجتماعي الذي يضع لبنان على سكة الإصلاح البنيوي لمؤسسات الدولة الحكومية والمؤسسات الأهلية، وكنت أدرك سلفاً حجم التحديات الماثلة أمامي في ظل الواقع السياسي الذي يؤثر كثيراً في دوران عجلة هذا الإصلاح، وذلك بحكم التداخل الحاصل في لبنان بين السياسة والتوازنات الطائفية والمذهبية والمصالح الإنتخابية. لكني كنت شديد التصميم على الإقلاع بقطار الإصلاح، وذلك على قاعدة أن مسافة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة، وإن كانت المسافة لتحقيق الإصلاح في لبنان يبدو وكأنها تجتاز آلاف الأميال”.
ولفت إلى أن الحكومة اللبنانية “عبرت في كانون الأول 2011 عن إرادتها في تعزيز جهود مكافحة الفساد بإنشاء لجنة وزارية ولجنة فنية تعنيان بهذا الموضوع البالغ الأهمية”، آملاً أن “تستمر الحكومة المقبلة في إيلاء هذا الملف الأهمية المطلوبة والبناء على ما تم إنجازه حتى الآن، إنطلاقاً من إلتزامات لبنان الدولية في إطار إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي إستكمل إجراءات الإنضمام إليها، وإلتزاماته الإقليمية في إطار الشبكة العربية لتعزيز النزاهة ومكافحة الفساد التي نعتز بأن يكون لبنان من أعضائها المؤسسين”.
وتابع رئيس حكومة تصريف الأعمال قائلاً: “لكننا ندرك جيداً أن هذه الجهود واجهت وتواجه فساداً متجذراً يفقد الدولة قدرتها على خدمة المواطن بأفضل السبل، نتيجة وقائع لا يمكن القفز فوق معطياتها ونتائجها، وفي مقدمتها ما أصاب لبنان من تفكك لمؤسسات الدولة خلال الحرب الأهلية، ولاحقاً بسبب واقع سياسي حساس يعرقل إرادة الإصلاح ومكافحة الفساد والضرب على يد الفاسدين والمفسدين. إن الأزمة الحقيقية التي تعزز الفساد في لبنان ناتجة عن تعطيل المعايير الأخلاقية التي تسمح للمفسدين ليس بضرب هيبة الدولة فقط وإنما أيضاً في الإضرار بمصالح المواطنين. وإن تعطيل هذه المعايير لا يؤثر فقط في أداء إدارات الدولة، وإنما يؤسس أيضاً إلى مسلسل الإضطرابات السياسية والأمنية التي تضرب لبنان في كثير من الأحيان. فالفساد لا يتوقف تفسيره في مفهوم الرشوة والأداء الكسول للإدارة، وإنما أيضاً يتمدد تفسيره إلى فهم معنى الإنتماء الوطني، لأن مفاهيم المواطنة هي الركيزة لوحدة أي شعب وهي كاسر الموج الذي يدفع عن الوطن أضرار الأمواج التي تضرب شاطئه في زمن العواصف السياسية والأمنية”.
ورأى أن لبنان، “بشعبه الخلاق، يملك من مقومات الحيوية والحياة ما يمكنه من تجاوز الأزمات والمحن التي تعصف به، وذلك بقدرة شعبه على كسر حلقات اليأس والتمسك بأهداب التقدم، ولذلك فإن في لبنان شعباً يحب الحياة، ولو قدر لهذا الشعب أن ينأى بنفسه ووطنه عن تسلل الصراعات إليه لكان اليوم في مصاف الدول الأكثر تقدماً. إن الأمل يحدونا دوماً للإيمان بقدرة اللبنانيين على كسر الحلقة المفرغة، لأن إرادة الحياة هي الغالبة عندهم”.
أضاف ميقاتي أنه “لا يمكن معالجة الفساد المستشري على مستوى الإدارة وفي مختلف قطاعات خدمة المواطنين، من دون إصلاح سياسي يفك الإرتباط بين الدولة وبين القوى السياسية، ويضع جدار فصل بين المصالح السياسية والإنتخابية وبين مصلحة الدولة والمواطنين. وكلما ضعفت الدولة فسدت السياسة، وكلما فسد العمل السياسي إنعكس على أداء الدولة وإداراتها. وكلما كانت الدولة قوية ومنعزلة عن حسابات السياسيين كلما كان العمل السياسي قادراً على تطوير المجتمع والدولة. هي معادلة بسيطة لا يمكن النفاذ إلى معالجة الفساد من دون قرار حازم بفصل واضح بين السياسة والدولة. وهذا ما دفعني في العام 2005 لعدم الترشح للإنتخابات النيابية وأنا على رأس حكومة تشرف على الإنتخابات، حفاظاً على هذا الفصل وسعياً لنزاهة العملية الإنتخابية”.
تابع: أن “الفساد ظل حتى الأمس القريب، يُعَدُّ، في المنطقة العربية، من المحرمات التي يكاد يحظر التطرق إليها عند مناقشة السياسات العامة، ومن المسائل التي لا تعطى الحيز الكافي في عمليات الإصلاح. ولقد أسهم هذا الوضع في إبطاء تقدم مسيرة مكافحة الفساد ومعالجته بشكل موضوعي يتماشى مع المعايير الدولية ويتوافق مع واقع البلدان العربية. ومع تبدل المشهد خلال السنوات الأخيرة، حدثت إنجازات مهمة على المستوى الوطني، وعلى المستوى الإقليمي، وعلى مستوى التعاون الثنائي، وقد كان للشبكة العربية لتعزيز النزاهة ومكافحة الفساد الدور البارز في هذا المجال. ولكن مع ذلك، وبحسب ما يؤكده مؤتمرنا من خلال عنوانه، فإن الفجوة القائمة بين توقعات الناس وآمالهم، بل حتى توقعات المسؤولين وآمالهم، وبين درجات الإنجاز الفعلي على الأرض، ما تزال كبيرة”.
وإذ سأل عن الحل، قال ميقاتي: “إن الحلول كثيرة والأمل يبقى موجوداً، ولكن تنفيذ هذه الحلول يحتاج إلى إرادة سياسية واضحة، ويحتاج إلى تكاتف وتعاون مختلف الأطراف المعنيين، بما في ذلك المجتمع المدني بكافة أطيافه. كما يحتاج إلى الصبر والمثابرة، وهو ما تؤكده التجارب الدولية في مجال مكافحة الفساد. وأنا على يقين أن مؤتمرنا هذا سيسهم في بلورة بعض هذه الحلول لوضعها حيز التنفيذ في سياقها العربي”.
ولفت إلى أن “إحراز المزيد من التقدم في مجال مكافحة الفساد، لتقليص الفجوة بين الواقع والمأمول، يتطلب منا إعادة التفكير في الطريقة التي نتعامل فيها مع مسألة الفساد. فالوقت قد حان ربما إلى مزيد من الحكمة والشجاعة، ومزيد من الإبتكار والتجديد، الوقت قد حان ربما إلى إيجاد أفكار جديدة عملية قابلة للتطبيق، قد يكون بعضها جذري بعض الشيء”.
تابع: “من أجل إطلاق عملية محاربة الفساد علينا أن نؤهل المجتمع المدني من خلال المساعدة على إطلاق جمعيات تعنى بالمراقبة والمحاسبة والمحاربة للمخالفات، سياسية كانت أم مدنية. وعلينا أيضاً أن نعطي المواطن سلاماً يساعده على محاربة السياسي المرتكب، وهذا لن يتم إلا من خلال قانون إنتخابات عادل يسمح للمواطن بأن يحاسب أي رجل سياسي مما يضبط إيقاع العمل السياسي في الإدارة وفي المجتمع”.
وقال إن “لبنان يتطلع إلى الشبكة العربية كي تبقى، كما عودتنا منذ إنشائها في 2008، المنبر الإقليمي الرائد لتنمية القدرات، وتيسير تبادل المعلومات، وإيجاد مساحة مفتوحة لمناقشة وتطوير السياسات العامة في مجال مكافحة الفساد. جهود الشبكة من دواعي الإعتزاز، ووجودها نموذج متميز عن التعاون العربي ـ العربي، ونجاحها دليل واضح على الإمكانيات الكبيرة التي يمكن أن يختزنها هذا التعاون في إطار الإنفتاح على شركائنا في أنحاء العالم. وفي هذا المؤتمر، يتسلم لبنان ممثلاً بشخص معالي وزير العدل، رئاسة الشبكة. ونحن اللبنانيين، نتطلع إلى المساهمة الفاعلة في هذه الآلية الإقليمية الهامة والعمل على مأسستها لتصبح منظمة إقليمية قائمة بحد ذاتها”.
وأخيراً دعا ميقاتي المشاركين إلى “الإستفادة من الفرصة الفريدة التي يتيحها المؤتمر للعمل سوياً من أجل وضع وإعتماد إعلان ختامي يشكل خارطة طريق إقليمية للإبتكار والتجديد في مجال تعزيز النزاهة ومكافحة الفساد”.




Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development