اليوم العالمي للتلفزيون مر دون اعادة تقييم – أسامة اسماعيل

تطور تقني كبير لم يتواز مع تطور كبير في الرسالة والأداء
منذ عدة أيام وتحديدا”في 21تشرين الثاني2021 كان اليوم العالمي للتلفزيون،هذه الوسيلة الاعلامية التي نشأت في ثلاثينيات القرن العشرين وتطورت الى قنوات فضائية ورقمية (Digital)ودخلت عالم الانترنت.هذا التطور التقني في الوسيلة لم يتواز مع تطور كبير في الرسالة والأداء والأهداف،حيث لايزال التلفاز وغيره من الوسائل قاصرا”عن تقديم الرسالة التي تخدم بشكل كبير قيمة الفرد وحريته واستقلاله وراحته النفسية وحقوقه أكثر مما تخدم ذوي السلطة السياسية والدينية والثروة و”الزعماء”والأحزاب والشعبويين وحتى الفوضويين،وخاصة في بلد مثل لبنان حيث عدد المحطات التلفزيونية السياسية والاخبارية مرتفع بالنسبة الى عدد سكانه في ظل غياب القنوات التلفزيونية المحلية المتخصصة بالعلوم والثقافة والفنون والترفيه الراقي.
التلفزيون وسيلة وصفت بأنها وسيلة باردة(cool medium)لأنها تتطلب انهماكا”أكبر ولاتتيح الصورة المتحركة والصوت المصاحب لها على التلفاز للمشاهد أو المتلقي اعمال العقل الفردي والتفكير الحر المستقل والتركيز والتفاعل مثلما يتيح ذلك المقروء أو المطبوع الذي يصنف بأنه وسيلة ساخنة (Hut medium)،كما أ مستوى الاستجابة والتأثر أو التغذية المرتدة(Feed back) لدى المشاهد أكثر سلبية مما هي عليه مع المطبوع والراديو،ويخاطب التلفزيون العاطفة أكثر مما يخاطب العاطفة أكثر مما يخاطب العقل والارادة الفردية،لذلك لم يستطع التلفاز أن يكون الوسيلة الأولى المساعدة والمشجعة والمروجة للثقافة النخبوية والنخبوي المستقل بل استعمل وسيلة ترويج وتسويق لذوي السلطة والنفوذ والثروة والحالة الشعبوية والاستهلاكية وبخاصة في بلد مثل لبنان حيث أدت المحاصصة الطائفية والسياسية والحزبية الى هذا العدد المرتفع للمحطات التلفزيونية السياسية بالنسبة الى عدد سكانه وبالمقارنة مع دول أكبر منه على صعيدي المساحة وعدد السكان في ظل غياب القنوات المتخصصة والثقافية.وقد وقعت بعض النظريات المتعلقة بالاعلام والتلفاز في الفخ الذي أوقعت فيه الوسائل المادية والتقنية المعنويى ألأخرى حيث تم تحويلها الى غايات بحد ذاتها.والنظرية الاعلامية التي تقول:”الوسيلة هي الرسالة”The medium is the message تندرج في هذا الاطار ويصبح الاتصال والاعلام والدعاية غايات تترافق مع تحويل السياسة والدين والمجتمع والاقتصاد والمال غايات بحد ذاتها،فيما الفرد يصبح الوسيلة التي تستعمل لزيادة الشعبية والتمويل دون مبالاة بعقله وارادته وحريته وكرامته وراحته وحقوقه.فالتلفزيون وسيلة تجمع بين الصورة والصوت والحركة وتتسم بالمباشرة والفورية والوضوح والتبسيط وذات تأثير قوي يترافق مع تأثير وسائل التواصل الاجتماعيSocial media وتستعمل من قبل السياسيين والأحزاب والسلطات والمجموعات والمتمولين لاحداث التأثير في الوعي واللاوعي الفردي والاجتماعي .
استعمال السياسيين والأحزاب والسلطات والمتمولين للتلفزيون لأجل غاياتهم المسيسة والانتخابية والتجارية أدى الى تغليب السياسة الانية والانتخابية والحزبية والطائفية والشعبوية والمعتقدات والعادات والتقاليد الجامدة والسيئة على السياسة العامة والشاملة والتنموية والعادلة وحرية الفرد واستقلاله وكرامته وراحته وحقوقه في ظل عدم التوعية الكافية حول مفاهيم الحرية والاستقلال والديموقراطية والسياسة والدين والمجتمع.فالديموقراطية ليست أفضل الأنظمة كما يروج وتعني حكم الشعب لاحكم النخبة وتختلف عن الديكتاتورية بالدرجة لا بالنوع والتغيير للأفضل لايتحقق عبر المظاهرات والانتخابات الشعبية وقد أثبتت التجارب ذلك في لبنان،والدين ليس ولاء وتبعية وتقديسا”لأشخاص وأحزاب بل عبادة وولاء لله وحده وليس مظاهر ومطية للمتزعمين والأحزاب والمجموعات لأجل السلطة والسيطرة والنفوذ والأموال،والاقتصاد ليس تجميع ثروات وتكديسها بأيدي أشخاص ومصارف وشركات،وليس مضاربة بالأسعار واحتكارات…والزواج مسألة شخصية وفردية وليست جماعية ولاتتطلب عادات وتقاليد مزعجة ومكلفة مادام ضمن الحدود.والعمل والحقوق المادية مسألة فردية فلا تخضع للتحزب والطائفية والواسطات والمحسوبيات ورضا المجتمع بل المهم هو القدرة والكفاءة والاختصاص والانتاج والابداع والصدق والأمانة.
ان اختلال مفاهيم السياسة والدين والمجتمع والادارة والاقتصاد والأداء والسلوك المرتبط بها أدى الى هذا الواقع السيء والأزمة الحالية في لبنان وفي بلدان أخرى.فالفرد المستقل النخبوي لا يشعر بالحرية والراحة النفسية والاحترام والأمان والاكتفاء المادي في مجتمع وبلد غارق حتى الرأس في التسييس والتحزب والتعصب وحالة الاستبداد والفوضى.وهذه الأمور هي مرتع وملعب الجهال والسطحيين والشعبويين والفوضويين والفاسدين والجشعين والكذابين الذين يستمدون منها القوة والاستعلاء والكبر لنفوسهم الصغيرة ورؤوسهم اليابسة والفارغة.فالضغوط النفسية والمعنوية والمادية والمعيشية تجعل الفرد وخاصة المستقل النخبوي في حالة اكتئاب وقلق واحباط ويزيد هذا الشعور اصرار المتزعمين والاحزاب والمجموعات على المضي في لعبة السياسة الانية والانتخابية ولهوها وطق حنكها ومسرحيات تخاصمهم وتحالفاتهم لأجل الانتخابات والحصص والمناصب والسيطرة والنفوذ ومصالحهم المادية والدول الخارجية رغم أن هذه الامور هي سبب الأزمة الحالية والواقع السيء في هذا البلد،فيما معظم وسائل الاعلام المرئي السياسي والتواصل الاجتماعي ومعها معظم الصحف اليومية السياسية تروج لهذه اللعبة السياسية ودوامتها التي لاتبدأ بمظاهرات شعبية ولاتنتهي بانتخابات نيابية.فالمظاهرات حركها مفتعلو الأزمة المستمرة حتى الان .أما الانتخابات فهي لاعادة انتاج الواقع لانغييره للأفضل ولاتؤدي الى وصول النخبة المثقفة المستقلة.فبدل الترويج لهذه الدوامة يجب الترويج لما هو ضد هذه الدوامة التي تخرب العقول والنفوس والاقتصاد والبنى التحتية وتحاول تحطيم الفرد واذلاله وافقاره وتهميشه وخاصة الفرد المستقل النخبوي لمصلحة النافذين والشعبويين والطائفيين والحزبيين والفوضويين والأثرياء والفاسدين
أسامة اسماعيل




Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development