الأخبار اللبنانية

كلمة الرئيس كرامي في الذكرى السادسة والعشرين لاستشهاد دولة الرئيس رشيد كرامي

مضت أعوام يا رشيد، ولم أخلف معك موعداً،
ففي أول حزيران من كل عام أرفع لك في عليائك “محضر” الروح والوجدان واستلهم من حضورك البهي في ذاكرة الناس أملاً وايماناً بلبنان…
ولكن، اسمح لي يا أخي هذا العام أن أجدد الحزن وأرثي فيك وطناً غارقاً في الأحزان…
يا رشيد
شجر الليمون يبكي،
شجر النخيل يبكي،
شجر الأرز يبكي،
ولبنانك في خطر،
ومدينتك دخلت في النفق الأسود.
أيها اللبنانيون
لقد ترك لكم رشيد كرامي ارثاً تستعينون به على الزمن الصعب، وليس هناك أصعب من هذا الزمن…
استحضروا الرشيد وارث الرشيد فنحن أحوج ما نكون اليهما:
حين يعلو صوت الغرائز يجنح الرشيد الى صوت العقل.
حين يستشري التطرف يقود الرشيد مسيرة الاعتدال.
حين تصبح الكلمة للشارع وقوى الشارع ينحاز الرشيد الى الدولة ومؤسسات الدولة.
حين تسود لغة العنف يعتصم الرشيد بلغة الحوار.
وحين يكون الوطن في خطر يصبح الرشيد درع الوطن ويتلقى الخطر بصدره زوداً عن الوطن…
ورشيد كرامي لم يقل كل ذلك…
لقد فعل كل ذلك…
ومات شهيداً مظلوماً من اجل كل ذلك.
يا أبناء وطني، يا أبناء مدينتي، يا أهلي وقومي وبني جلدتي… ما أحوجنا الى رشد الرشيد!
خصيمكم الله ان قتلتم ما بقي من ذكرى الرشيد، فكأنكم تقتلون أنفسكم وتقتلون مستقبلكم وتقتلون أبناءكم… وعندئذ لا معنى لذكرى رشيد كرامي حين نصبح جميعاً شهوداً على “ذكرى لبنان”.
أيها الطرابلسيون
أنتم تعرفون أنني لم أتردد يوماً في أن أصدقكم القول، دون أن أحسب حساباً للسياسة وللمصالح السياسية والانتخابية، واني اليوم في الذكرى السادسة والعشرين لاستشهاد رشيد كرامي الذي أعرف مكانته الغالية في قلوبكم جميعاً… انما اطالب نفسي بأن أصدقكم القول مجدداً، فاسمعوني جيداً:
ان الاقتتال المذهبي لعنة ومحنة وحرام، وما يحصل بين التبانة وجبل محسن جزء من خطة مشبوهة انتم فيها الوقود لحريق يقضي على أخضر طرابلس واليابس، واعلموا يا أبناء الأحياء الواحدة والبنايات الواحدة، انكم أهل وجيران وبينكم وحدة حال، ووحدة فقر ومعاناة، وبينكم مصاهرات وتجارات وعلاقات… فلا تسمحوا للجنون ان يتلاعب بالعقول والغرائز، وارتقوا فوق الجراح، وقولوا: لا…
ارموا الأسلحة وقولوا لا.
كونوا الشجعان والفرسان،
كونوا المؤمنين الأتقياء،
كونوا أم الصبي واباه وكل عيلته، وقولوا لا.  ولا تتركوا طرابلس تغرق في حمام دم في حروب عبثية لن يصفق لها الا عدوكم، وعدوكم هو عدو لبنان وعدو العرب وعدو الاسلام، اسرائيل.
واعلموا أيها الأحبة في طرابلس، ان الرؤوس الحامية التي تحرضكم لها مآرب سياسية وانتخابية فضلاً عن ارتباطاتها الخارجية المشبوهة، فخذوا أموركم بأيديكم، ولا تبحثوا عمن يرشدكم الى الصراط المستقيم، في الوقت الذي لا يمكن أن يحتكم فيه الانسان سوى الى مرشد واحد وقائد واحد هو العقل والأخلاق والمنطق والضمير، بل هو الايمان والتسليم والطاعة لما أمرنا به الله عز وجل.
وليكن خياركم الوحيد يا أبناء الفيحاء المكلومة هو الدولة، ومؤسسات الدولة، وشرعية الدولة، وجيش الدولة، وأجهزة الدولة… اياكم ثم اياكم ان تفقدوا الرهان على الدولة مهما أصابنا وأصابكم من ظلم واهمال وحرمان الدولة… والدولة ليست أشخاصاً، فهؤلاء عابرون، وانما الدولة مفهوم وانتماء، وطرابلس هي الابنة الشرعية للدولة، وعند اللزوم سوف نكون الأم الشرعية للدولة.
نعم، عودوا الى التاريخ القريب والبعيد، فطرابلس هي بيضة القبان التي رجحت دائماً كفة الميزان لصالح لبنان الدولة ولبنان المؤسسات ولبنان الاستقلال.
أيها الأخوة
لن أخوض طويلاً في حديث الانتخابات او الحكومات أو الأزمات، ولكن اقول في عجالة ان لبنان اليوم هو بلد مؤجل، أي بلد مع وقف التنفيذ، وربما ليس لنا سوى سياسة “النأي بالنفس” على صعوبتها، بل على علاتها.
و”النأي بالنفس” هذه المرة لا يجب أن يكون مزيفاً ووسيلة للتحايل على الواقع، وانما علينا أن نحدد شكله ومواصفاته وطرق تطبيقه بالاجماع… واني، وقبل الدخول في متاهة الانتخابات، وحتى قبل التصارع أو التحاصص على الحكومة العتيدة، أدعو الى مؤتمر وطني وليس الى طاولة حوار تؤجج الخلافات او في أحسن الأحوال تتجاهلها، بل أدعو الى مؤتمر يجمع كل اللبنانيين نرتب فيه انقساماتنا واختلافاتنا ونضع السقوف لهذه الانقسامات والخطوط الحمر لهذه الاختلافات، ونوحد الموقف من القضايا الكبرى التي تحيط بالمنطقة والتي يتعرض لبنان لتداعياتها شئنا أم أبينا.
غير ان هذا المؤتمر لا يمكن أن يقوم فقط بالرغبات… بل المطلوب ارادات الرجال، واني ورغم كل ما أرى وأسمع وأشاهد مؤمن بأن الوطنية اللبنانية لا تزال زينة الرجال في لبنان، وعلى هذه الوطنية أراهن وأبني الآمال.
نحن اليوم نتجادل حول الانتخابات، واني أكرر للمرة الألف أن لا خلاص للبنان الا بقانون انتخابات عصري يؤمن الحد المطلوب من التمثيل العادل والصحيح ويخرجنا من بؤر المذهبيات القاتلة ويفتح الأبواب أمام جيل جديد يضخ دماً جديداً نقياً في العمل البرلماني والسياسي. ولست هنا أطلب المستحيل، بل أدعو الى احترام ما توافق عليه اللبنانيون في اتفاق الطائف وصار في صلب دستورنا، فمنه ننطلق في مسيرة الانقاذ والنهوض.
وكذلك، نحن عالقون في جدل بيزنطي بلا حكومة، ومع اني أتمنى نجاح المساعي لقيام حكومة المصلحة الوطنية في هذه الظروف العصيبة… الا أنني لا أتردد في مصارحة الجميع بأن المطلوب هو حكومة انقاذ أو حكومة طوارئ لديها مهمة واحدة وحيدة وهي تثبيت الوحدة الوطنية وحماية السلم الأهلي والحفاظ على ما تبقى من المؤسسات الشرعية… ومواصفات حكومة الانقاذ معروفة، فهي ليست حكومة توزيع الحصص والمغانم، ولا حكومة هذا الفريق أو ذاك، والأهم انها ليست حكومة فضفاضة، بل هي أقرب ما تكون الى مجلس حكماء على غرار الحكومات الرباعية والسداسية التي كنا نلجأ اليها في المحن الوطنية الكبرى.
وللرشيد في ذكراه أقول:
يا شهيدي الكبير،
أني اليوم أزيدك في العمر بأكثر من 10 سنوات، وقد شاء القدر ان تكون أخي الكبير وأن أصبح أخاك الكبير… فيا سيدي وشهيدي أجدد العهد لك بأننا لم نسامح ولن ننسى، ليس لأننا طلاب انتقام فالانتقام تخلف والتخلف يدمر، وانما نحن طلاب عدالة والعدالة حضارة والحضارة تبني.
وعهداً علي، وعلى حملة الراية من بعدك وبعدي، أن نبقى راسخين في هذه الأرض الطيبة، ثابتين على مبادئنا الوطنية والقومية، لا نبدل تبديلا… وان يبقى قاتلك مهما حاولوا تلميع صورته ومنحه الأدوار السياسية، مرذولاً الى يوم الدين.
وأما لأهل الرشيد،
وما أكثرهم في طرابلس وفي كل لبنان وفي كل بلاد العرب،
فأنني أكتفي بالقول:
ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل.
حمى الله لبنان.
وفداك الروح يا طرابلس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى