عندما تصبح الوسيلة غاية – بقلم: د محمد علي الحلبي

إنها وسيلة المفاوضات الذي ركنت إليها السلطة الفلسطينية،واعتمدتها منذ حوالي عشرين عاماً،وتحديداً في عام1993بعد توقيع اتفاقية أوسلو….في البداية وُضعت غايات مرحلية، ونشدد هنا على كلمة مرحلية أي ليست نهائية كانت غاية في التقدير المتلائم مع الظروف القائمة آنذاك سواء كانت فلسطينية، أم عربية، أم إقليمية…..كان التمسك بالحدود القائمة قبل احتلال عام1967، وحق العودة للاجئين والنازحين إلى أراضيهم، والتعويض لهم على ما عانوه من البعد عن أراضيهم، والتعويض أيضاً لمن لا يودّ، ولا يريد العودة….ضمنت ذلك كل الشرائع الإنسانية لاسيما الأممية منها،والحق هنا شخصي وملك لصاحبه وليس لأحد غيره أن يتنازل عنه،وكان التمسك بالقدس الشرقية عاصمة للدولة المزمع إقامتها لأهميتها ورمزيتها للمؤمنين إسلاما ومسيحيين إضافة إلى نقاط اتفق على بحثها ومنها المستوطنات ومآلها والمياه ،إنما التهاون ولاعتبارات متفاوتة وبفعل الضغط الأمريكي الإسرائيلي،والضعف الفلسطيني ومن خلفه العربي بدأ مسلسل التنازلات الفلسطينية فلم تعد من ثوابت،وخلال الانتقال العبثي من حلقة مفاوضات إلى أخرى كانت تُقدم الهدايا بلا أثمان،و حتى بلا تعويضات عنها , ومنطلق السوء تجسد في تقسيم الضفة الغربية إلى مناطق صُنفت وفق درجات السيطرة الإسرائيلية عليها،فالمنطقة التابعة للسلطة حالياً ليس لها حق جباية بعض الضرائب من مواطنيها،بل لإسرائيل القرار والتحصيل وتحويل المبالغ المحصلة متى شاءت،وبذا تتحول “السلطة”إلى مستوى سلطة بلدية من الدرجة الثانية،أو الثالثة،وفي شرم الشيخ عُقد أكثر من لقاء،وأكثر من قمة كانت جميعها تصبّ في غير صالح القضية الفلسطينية منها القمة الرباعية، المصرية والأردنية،والفلسطينية والإسرائيلية بتاريخ27/6/2007وكان الهدف منها تقديم الدعم المالي والمعنوي للرئيس عباس وحكومته في صراعه مع حركة حماس مما يساهم في تعميق الشرخ بين الفلسطينيين،ولقاء تمّ بين وزير الأمن الإسرائيلي”شاؤول موفاز”و”محمد دحلان”لبحث ما قامت به السلطة من إجراءات لمحاربة ما تُسميه إسرائيل”الإرهاب”والمستجدات في قطاع غزة،والتأكيد على ملاحقة كل خلايا الإرهاب أينما وُجدت….لقد توّج الاتفاقات الثنائية وجاء في مقدمتها ما سُمي بالاتفاق الأمني بين الطرفين فصارت مهمة الحفاظ على أمن إسرائيل من مهام قوات الأمن الفلسطينية التي اشرف على تدريبها الجنرال الأمريكي”دايتون”والسلطة مُلزمة بتقديم كل المعلومات عن المقاومين الفلسطينيين،بل واعتقالهم،و اعتقال حتى الطفل الصغير الذي يرمي حجراً على مستوطن إسرائيلي،ولقاء كل هذه الخدمات تعهدت أمريكا ودول الاتحاد الأوروبي بتقديم معونات مالية لتصرف رواتب للعاملين في أجهزة السلطة ومنها قوات الأمن،وفي مقارنة بين لبنان الأكبر مساحة من الضفة ورغم أن له جيشاً فعدد العاملين الفلسطينيين أكثر من عددهم في لبنان،وكرم المساعدة غير المألوف والمعهود أضاف إعاقة جديدة لإعاقات السلطة فأي إجراء تريد السلطة اتخاذه بدون موافقتهم يهددها المانحون بوقف الدعم فلا تتجرأ من اتخاذ الحد الأدنى من أي قرار دون مباركة من المسيطرين على قراراتها،ومن أهم المحرمات:
عودة المصالحة بين السلطة وحماس، بل بين فتح وحماس.
عدم متابعة النصر السياسي المُحرز بقبول دولة فلسطين كعضو مراقب في الأمم المتحدة المانح لها حق الانضمام إلى محافل دولية أخرى كالمحكمة الدولية.
وكثيرة هي الحواجز، وكثيرة هي الممنوعات التي تمس حدود الوطنية على مختلف مستوياتها، إذاً فالسلطة باتت مُلزمة ومُجبرة على أن تصبح وسيلة المفاوضات الغاية الوحيدة لها، وهذا ما حدا بكبير المفاوضين”صائب عريقات”ليقول مقولته الشهيرة (الحياة مفاوضات).
وللمزيد من الدقة في التحليل وصولا ًلما هو مُتوقع من النتائج للمفاوضات التي أعلن عن عودتها وزير الخارجية الأمريكية هذا الأسبوع في واشنطن بين الإسرائيليين برئاسة”تسيفي ليفني”وزيرة العدل , والفلسطينيين برئاسة كبير المفاوضين”صائب عريقات”بعد جولات ست قام بها إلى المنطقة ، يتوجب علينا التوقف واستقراء أحداث ماض طال أمده وبصمات السوء ارتسمت عليه بفعل الصراع المستمر والدور الأمريكي , وسؤال أساسي يُطرح في هذا المجال يوضح المدى الذي ستصل إليه المفاوضات هل الساعي لها محايد؟!….والجواب يأتي وبدون أدنى جهد فكري..لا على الإطلاق فأمريكا حليف استراتيجي لإسرائيل،وكما أعلن مراراً وتكراراً،وعمق التسمية قديم ففي التاسع من أيار عام1942عُقد في فندق بلتمور في نيويورك مؤتمر ضمّ مندوبين من المنظمات اليهودية في العالم بالإضافة إلى”هاري ترومان”نائب الرئيس الأمريكي الذي أصبح لاحقاً رئيساً للولايات المتحدة بمساعدة اليهود له،والمؤتمر اعتبر نقطة تحول تاريخية هامة في نقل مركز الحركة الصهيونية من لندن إلى واشنطن،وأصبحت الولايات المتحدة الحاضنة الاستعمارية للمشروع الصهيوني بدلاً من بريطانيا صاحبة وعد بلفور،ومن أهم قرارات المؤتمر:
إنشاء دولة يهودية.
إلغاء الكتاب الأبيض لعام1939.
فتح فلسطين أمام الهجرة اليهودية.
منح الوكالة اليهودية حقوقاً إدارية وتنظيمية في فلسطين.
المرجع:دراسة للسيد نواف الزرو
ومنذ تلك الفترة تتابعت الأحاديث والأقوال المؤيدة لإسرائيل والداعمة لها من جميع المسؤولين الأمريكيين سيما رؤساء الجمهورية،بل ودعمها بعضهم عسكرياً أثناء حروبها ضد العرب،والوسيط الحالي”جون كيري”وعندما كان مرشحاً لرئاسة الجمهورية قال:”لقد حان الوقت لإنعاش رؤية جريئة للتراث الذي يحترم تواصل الإستراتيجية الصليبية التي أوجدها ويدر ويلسون،وروزفلت،وتلقفها هاري ترومان،وجون كيندي”والمعروف عنه أنه من أصول يهودية اعتنق الديانة المسيحية إذن فحيادية الموقف للوسيط المستوجبة منفية تماما.
ومن المهم أيضا وللدقة تتبع ما تسرب عن التفاهمات التي تمت للتحضير للمفاوضات،والتي أحيطت بالسرية , لكن جريدة القدس العربي وفي مقال أشار إلى أن تقريراً سياسياً حصلت عليه بيّن :
إن عملية التفاوض متصلة وواسعة النطاق تم تحديد فترة زمنية بين6-9أشهر كسقف زمني لها إنما يمتد تنفيذها إلى عشر سنوات تبدأ من توقيع الاتفاق ولقد أكدت مصادر سياسية إسرائيلية أن المفاوضات ستبدأ من نقطة الصفر وليس من النقطة التي توقفت عندها في عهد رئيس الوزراء السابق”أيهود أول مرت”.
الأردن سيشارك في الجلسات المتعلقة باللاجئين والقدس والحدود حيثما اقتضى الأمر ذلك مع الأخذ بمبدأ تبادلية الأراضي المتنازع عليها والواقعة ضمن مخطط الجدار العازل بموافقة الطرفين،ومباركة لجنة المتابعة العربية.
تجميد المشاريع الاستيطانية المتعلقة بعدد من البؤر المقررة من قبل الحكومة الإسرائيلية أي ليس هناك تجميداً مطلقاً،ولا ينطبق هذا الإجراء على المشاريع القائمة في التجمعات الاستيطانية الكبرى الواقعة في محيط القدس وغور الأردن،وكذلك المستوطنات ذات الكثافة السكانية.
يُعطى سكان المستوطنات التي يتم تجميد الاستيطان فيها حق اختيار أي من الجنسيتين اليهودية، أو الفلسطينية، أو كليهما في ختام المحادثات.
الاعتراف في النهاية بإسرائيل كدولة للشعب اليهودي.
السماح لبعض العائلات الفلسطينية بلمّ الشمل في الضفة،ورفح،وغزة فقط بينما يمنح الآخرون حق التعويض،أو الهجرة إلى الدول العربية،ومناشدة عدد من دول الخليج تمويل صندوق حق العودة،ويسترعي انتباهنا هنا أن يهود مصر بدأوا بالمطالبة بالتعويض عن أملاكهم…إذاً فالمطلوب من العرب التعويض على الطرفين بينما هناك توجه لإعفاء الجاني
لاحقاً يدعو الرئيس عباس إلى انتخابات تشريعية في الضفة بعد إطلاق الجانب العلني من الاتفاق،والتوجه محصور بالضفة بدون قطاع غزة.
قد تنشأ ظروف لإعلان الفيدرالية بين الأردن والضفة،ويتزامن مع ذلك طفرة اقتصادية ثلاثية ( محاولة إحياء مشروع السلام الاقتصادي الذي دار الحديث عنه ) يكون لإسرائيل دور فاعل في تشكيلها.
وكعادة الجانب الإسرائيلي الذي يستغل الموقف لمتابعة تنفيذ مخططاته،وخلال ادعاءاته الكاذبة عن المفاوضات والمشاريع المستقبلية الوهمية فقد بدأ وفور الإعلان عن الموافقة على بدء المفاوضات إلى الإعلان عن شق شبكة من طرقات جديدة لربط المستوطنات بإسرائيل،والخارجية الفلسطينية أشارت إلى الآثار المدمرة لما يُسمى بشارع رقم90معتبرة أن الشارع يمنع الوصول لحل الدولتين،ويهدف إلى منع إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة،وتزامن مع القرار قرار آخر ببناء1500وحدة استيطانية جديدة في الضفة،ووفق ما أكدته حركة(السلام الآن)الإسرائيلية والتسريع أيضا بالمخططات لبناء2600وحدة استيطانية سبق ووفق على بنائها،وحركة السلام الآن تؤكد أيضاً أن5000وحدة تنتظر المصادقة عليها،وإسرائيل مازالت تتابع ما أسموه بمخطط “برافر” لمصادرة أراضي عرب النقب،ومشروع القانون المعدّ لهذه الغاية أقره الكنيست الإسرائيلي بالقراءة الأولى في25حزيران2013وسيحول إلى اللجنة المختصة لمناقشته وإجراء تعديلات عليه إن بدت ضرورة لذلك،ثم يعرض مجدداً لتقريره في القراءتين الثانية والثالثة،ويهدف المشروع إلى هدم أكثر من عشرين قرية عربية في النقب وترحيل أكثر من50ألف مواطن عربي من بيوتهم،ومصادرة أكثر من نصف مليون دونم من أراضيهم،وتجميع عرب النقب في أماكن محدودة فيها ومنعهم من امتلاك أراض،أو العيش في مناطق واسعة منها لاسيما الأراضي الخصبة الواقعة بين مدينة بئر السبع وقطاع غزة أما الانطباعات والإجراءات الجديدة على الجانب الإسرائيلي فقد عكستها صحف العدو،فجريدة هاآرتس وفي عددها25/7/2013يبدأ المقال المنشور فيها بالحديث عن خطة ضخمة لبناء شبكة سكة حديدية في الضفة الغربية التي وافقت عليها الإدارة المدنية تماشياً مع ما قاله الوزير إسرائيل كاتس:”إن دولة فلسطينية هي أمر غير مقبول بسبب حقنا في هذه الأرض والغاية من الشبكة إنشاء اتصال بين منظومة السكك الحديدية داخل الخط الأخضر ومنظومة السكك الحديدية لها في يهودا والسامرة أي الضفة الغربية لتعزيز الصلة بين البلدات في إسرائيل والمستوطنات في الضفة بقدر أكبر”.
أما صحيفة(إسرائيل اليوم)فقد كتبت على صفحاتها في26/7/2013″إن الموضوع المركزي في التفاوض هو موضوع الحدود وهنا سيتحدد عمق تنازل أبو مازن وموقف إسرائيل واضح وهو لا عودة إلى خطوط1967مع تبادل أراض بنسبة2%بالاتفاق السابق مع”أيهود أولمرت “لكن نقطة بدء “نتنياهو” مختلفة تماماً هذه المرة ولهذا فإن التوقع أن يتنازل أبو مازن،ويريد الفلسطينيون100% ونتنياهو مستعد لدفع60%من الثمن فقط” وذات الصحيفة وفي عددها الذي سبق بتاريخ22/7/ 2013 ذكرت “لقد تم إحراز إنجاز آخر بمعاونة إدارة أوباما…الفلسطينيون سيمتنعون عن التوجه بصورة أحادية الجانب إلى الأمم المتحدة للاعتراف بدولة فلسطينية في الأشهر التسعة القادمة،والأهم من ذلك اتخاذ خطوات عملية لمنع إنشاء دولة ثنائية القومية….هذا أكبر إنجازات التفاوض”وبأ وجز الكلمات وأدقها يقول المؤلف”أحمد جوا دية”في كتابه السياسة الخارجية الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية:”الموقف الأمريكي الحالي زمن أوباما داعمً للانقسام الفلسطيني،وداعمً لكل ما تسعى إليه إسرائيل من استمرار الاستيطان والاحتفاظ بمرجعية إسرائيلية للمفاوضات،وأن تكون نتائجها لصالح إسرائيل”.
وبعد هذا العرض الموثق يتبادر إلى الذهن سؤال واحد هل من أمل؟!….والجواب متروك اتخاذه لكل واحد على ضوء تجارب الماضي والوقائع الحالية.

Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development