المقالات

الإرباك الأميركي بقلم زياد حافظ

الإرباك الأميركي
بقلم زياد حافظ

القراءة المتأنية للمشهد الأميركي سواء كانت على الصعيد السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو حتى الثقافي تفيد بأن حالة من الإرباك الشديد، وصلت إلى حالة إنكار، تعمّ النخب الأميركية التي تكوّن القرار. هذا الإرباك، والإنكار الناتج عنه، يعود إلى الخلل في النظامين السياسي والاقتصادي القائمين وفي التوازن الاقتصادي المفقود.  فما يُسمّى بالأزمة المالية التي عصفت ومازالت في الولايات المتحدة وارتداداتها على العالم ليست إلا مظهرا من الأزمة النظامية البنيوية التي تنخر في الجسم الأميركي ومن خلاله في جسم العالم الغربي. 
لا داعي للعودة إلى أسباب تلك الأزمة التي عددنها في مقالات ومحاضرات في السنوات الأخيرة (يكفي الإشارة إلى بحثنا في مجلة “المستقبل العربي” لشهر آب 2004) بل نشير إلى السجالات القائمة في مختلف المحافل السياسية والاقتصادية في الولايات المتحدة حول “الأسباب” و”الحلول” التي يمكن اتخاذها أو التي اتخذت لمعرفة عمق الإرباك القائم. فبغض النظر عن التبادل الاتهامات بين “اليمين” الأميركي و”اليسار” يبدو واضحا أن التصّور المشترك حول أسباب الأزمة وبالتالي حول الحلول الممكنة مفقود وربما لن يحصل بسبب الخلافات العميقة التي تعمّ تلك الأوساط والتي قد تطيح بتماسك المجتمع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
الإنتخابات الأخيرة التي أتت بباراك اوباما إلى البيت الأبيض في تشرين الثاني 2008 بلورت مدى الانقسام العامودي في المجتمع الأميركي.  وإذا يُسجّل للجسم الأميركي بادرة إمكانية التغيير التي شكلها انتخاب مرشح منحدر من أصول إفريقية أوحتى إسلامية إلا أن ذلك “التغيير” قد يقف على عتبة الشخص فقط دون أن يصل إلى النظام السياسي والبنية الاقتصادية.  فالتطورات الداخلية الأميركية منذ بداية 2009 تدّل عى أبعاد الصراع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي القائم وعلى المعارضة الضروس لأصحاب المصالح الخاصة المستفيدة من النظام السياسي والبنية الاقتصادية القائمين لأي مشروع تغييري يمسّ بها. فالمعركة الجارية حول مشروع الإصلاح الصحّي ومشروع إعادة تنشيط الاقتصاد الأميركي تدّل على استقطاب متأصّل في المجتمع الأميركي تعود جذوره إلى المرحلة التأسيسية للدولة الأميركية.  والخلاف الذي نشأ آنذاك ما زال قائما حتى اليوم بل حدّد آفاق ومضمون الخطاب السياسي على مدى مائتي سنة ونيف.  وجوهر ذلك الخلاف هو دور الدولة في تسيير المجتمع الذي كان آنذاك يريد التخلّص من الاستبداد البريطاني ونظام الملكية.  وإذا اتفق الأباء المؤسسون على إنشاء جمهورية، وهي حسب فهمهم لها بأنها نقيض الاستبداد الملكي، إلاّ أنهمّ لم يتفقوأ على إنشاء ديمقراطية كما نفهمها اليوم.  فالنظام الجمهوري ليس بالضرورة رديفا أو حتى متلازما مع النظام الديمقراطي.  والطابع الديمقراطي للجمهورية الأميركية لم يحصل إلاّ في عهد ابراهم لنكولن الذي حدد النظام الأميركي أنه نظام حكم الشعب من الشعب وإلى الشعب.
لكن ما معنى كل ذلك؟  فالصراع الذي قام آنذاك وما زال هو حول دور الدولة المركزية في تسيير أمور الناس.  فهناك من كان يطالب في تركيز السلطة في دولة مركزية قوية غير أن أخصام تلك النظرية كانوا يطالبون بتقليص دور الدولة المركزية إلى أقصى الحدود.  أضف إلى ذلك ما يٌسمّى بحقوق الولايات التي كانت تدفع إلى تقليص نفوذ الدولة الاتحادية وتقوية الولايات.  وذلك الخلاف كان السبب الفعلي والرئيسي للحرب الأهلية (وليس تحرير السود كما هو راسخ في ذهن الجمهور العام) في منتصف القرن التاسع عشر بين ولايات الشمال التي كانت تؤيد الدولة الاتحادية المركزية وولايات الجنوب التي كانت تؤيد الدولة الكونفدرالية وتقوية الولايات على حساب الدولة الاتحادية.
هذه اللمحة السريعة لجذور الخلاف بل الصراع السياسي ضرورية لفهم ما يجري اليوم من سجالات في المحافل السياسية والاقتصادية الأميركية.  فالحزب الجمهوري “المعارض” اليوم هو وريث نظرية ضرورة تقليص دور الدولة.  هذه النظرة الجفرسونية (المنسوبة لأحد الأباء المؤسسين توماس جفرسون ثالث رئيس الولايات المتحدة بعد جورج واشنطن وجون آدامس) هي الحاضنة ل”عقيدة” التيّار المحافظ في الولايات المتحدة.  أما النظرة الهاملتونية (نسبة للألكسندر هاملتون) فيحملها الحزب الديمقراطي وتقضي بدور متنامي وأكبر للدولة والحكم في شؤون الناس.  السجال القائم اليوم حول مشروع الإصلاح الصحّي يقع في سياق التنافس الفكري والسياسي للتيارين المذكورين.  فالرئيس اوباما يريد “معاينة” نظام الضمان الصحي حيث ما زال 45 مليون أميركي دون أي ضمان صحي لهم مما يتنافى مع قيم المجتمع الأميركي.  ويمكن الإشارة إلى الفيلم الوثائقي للمخرج مايكل مور حول ردائة وعدم عدالة نظام الضمان الصحي في الولايات المتحدة مقارنة مع ما هو قائم في كل من كندا وبريطانيا وفرنسا وحتى كوبا لتلمّس حجم المشكلة التي أصبحت في صميم الخطاب السياسي القائم. 
لسنا في إطار معالجة ملابسات مشكلة إصلاح نظام الضمان الصحي الأميركي.  إلا أن ما يهمنا نحن في هذه المنطقة معرفة تداعيات “نجاح” أو “فشل” مشروع الإصلاح الصحي لإدارة الرئيس اوباما على كافة السياسات الخارجية بشكل عام وفي منطقة شرق الأوسط بشكل خاص.  إن مجيء اوباما إلى البيت الأبيض أثار حفيظة قسم كبير من الجمهور الأميركي، حفيظة لا تخلو من العنصرية كما أشار إليها بشكل مفاجىء وصريح الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر في مقابلة تلفزيونية.  فالخطاب السياسي لمعارضي السياسات الداخلية لأوباما لا يخلو من التهجم على شخص ولون وأصول اوباما.  بل هناك من يتّهمه بأنه غير أميركي الأصل وبالتالي لا يمكنه أن يكون رئيسا للولايات المتحدة.  الحملة المعارضة التي شنت على الرئيس خلال الصيف المنصرم أعطت انطباعا بأنه “ضعيف” وأن ولايته قد تنتهي فعليا في أواخر هذه السنة إذا لم يحقق أي إنجاز على صعيد الإصلاح الداخلي سواء كان في مجال الضمان الصحي أو في إعادة إنعاش الاقتصاد الأميركي.  في هذا السياق نشير إلى أن الأداء الاقتصادي في الولايات المتحدة ما زال هشّا في أحسن الأحوال وفي إطار العناية الفائقة في أسوءها مما دفع أوباما للتحذير من أزمة أخرى قد تطيح بالأخضر واليابس.  الهاجس الأساسي لهذه الإدارة هو منع تكرار أزمة أخرى مماثلة للأزمة الحالية.  حتى الآن ما زالت معدلات البطالة في ارتفاع ملحوظ وصلت عند تحرير هذا المقال إلى عتبة العشرة بالمائة وقد تزيد وتستمّر لفترة طويلة.  معنى كل ذلك أن الانتخابات النصفية القادمة في تشرين الثاني قد تطيح بالأكثرية الديمقراطية في كل من مجلس الشيوخ ومجلس الممثلين مما يزيد الصعوبة لتحقيق أي إنجاز لهذه الإدارة.
الحزب الجمهوري المعارض مصمم على منع تحقيق أي إنجاز للرئيس اوباما لعدة أسباب منها العنصرية، ومنها معارضة وجود أي ديمقراطي في البيت الأبيض، ومنها والأهم الخشية من تهديد المصالح للمجمّع العسكري الصناعي المالي المتحكّم بمقدرات الولايات المتحدة.  وإصرار ذلك الحزب ومن يسيطر عليه على إفشال إدارة اوباما قد يأتي بعواقب وخيمة على مستقبل الولايات المتحدة وديموماتها.  فهناك قوى صاعدة، وإن كانت حتى الآن مهمشة، تسعى إلى الإنفصال عن الدولة الاتحادية.  الجدير بالذكر أن هناك سبع ولايات تحتفظ في دستورها بحق الانفصال.  كما يجب لفت النظر إلى تصريحات ريك بري حاكم ولاية تكساس في الربيع الماضي، وهي من أكبر وأغنى الولايات الأميركية، الذي حذّر من تعاظم دور الدولة الاتحادية و”تدخلها في شؤون المواطنين”.  جاء ذلك التحذير الذي تلاه تهديدا شبه علني بإعادة النظر في جدوى البقاء في الدولة الاتحادية.  ليست الولايات المتحدة على عتبة الانفصال أو التفكك، على الأقل في هذه المرحلة، بل ما يهمنا في ذلك الأمر الإشارة إلى عمق الأزمة التي تواجه الدولة الاتحادية إذا لم توجد حلول ناجعة لمعالجة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة والتي ما زالت وسائل الاعلام قادرة على طمسها.  كما هناك، ما زال حتى الآن، من يدّعي ويثق بإمكانية النظام القائم على استيعاب وتجاوز الأزمة القائمة وقد يكون مصيبا إلاّ أننا لا نرى بوادر تغيير حقيقي يلغي النزعات التفككية التي ما زالت ضعيفة حتى الآن وإن كانت في تصاعد.  من ضمن هذه النزعات ردود الفعل العنيفة على التغييرات في البنية الديمغرافية حيث أصبحت الفئات المنحدرة من إصول لاتينية في تكاثر وعلى عتبة الوصول إلى الأكثرية المطلقة في ولايات الجنوب الغربي.  والجدير بالذكر أن المؤلف الأخير قبل رحيله لسامويل هنتغتون (صاحب نظرية صراع الحضرات) هو الإنذار بالخطر  الإسباني على الهوية الانكلوساكسونية البروتسنتية البيضاء للولايات المتحدة.
كل ذلك يدّل على الضعف البنيوي وحتى النظامي في الولايات المتحدة.  من هنا نفهم مدى ضعف الإدارة الحالية في تمرير أجندتها الداخلية والخارجية.  وهناك مقولة في الولايات المتحدة تفيد بأن السياسات الخارجية هي في آخر المطاف انعكاس للسياسة الداخلية.  لذلك يصبح الانطباع عن الضعف الداخلي مدخلا لقوى خارجية معارضة للسياسة الخارجية للولايات المتحدة.  والدليل على ذلك استقبال القوى المعارضة للرئيس اوباما نبأ فوزه بجائزة نوبل للسلام.  تعتبر هذه القوى أن الجائزة هي بمثابة مكافاءة لاوباما لتخلّيه عن المشروع الكوني الأميركي وعن شعار “القدر المتجلّي” وعن “خصوصية أميركا”.  هذه الجائزة تكافىء “العجز” و”الضعف” في أسوأ الأحوال والإرتباك في أحسنها!
فإذا استعرضنا بعض الملفات الساخنة من المسرح الأفغاني الباكستاني إلى الملف الإيراني والملف العراقي وأخيرا الملف الفلسطيني نرى مدى الارتباك القائم في الإدارة الحالية.  صحيح أن الإدارة ورثت تلك الملفات من إدارة بوش السيئة الذكر إلا أن سرعان ما “تبنّت” تلك الإخفاقات.  فمواقف الرئيس اوباما في المسألة الأفغانية وضعته في مأزق لا يُحسد عليه.  اكتشف مبكرا أن تطبيق وعوده الانتخابية بملاحقة القاعدة في أفغانستان تصطدم بواقع جديد هو أن القاعدة غير موجودة في أفغانستان بل في باكستان البلد “الحليف”.  كما أن حركة طالبان تتقدم سياسيا وعسكريا على الأرض بسبب فساد حكومة كرزاي.  فاوباما يواجه إمكانية هزيمة عسكرية في المسرح الأفغاني إذا لم يُوفّر الإمكانيات العسكرية البشرية (وقد تصل إلى إرسال حوالي 500 ألف جندي!).  غير أن الواقع السياسي الداخلي الأميركي لن يسمح له بذلك.  من جهة أخرى لا يستطيع الانسحاب من المسرح الأفغاني دون تحمّل مسؤولية هزيمة سياسية إستراتيجية كبيرة لحرب بدأتها إدارة بوش السابقة وتبنّاها في حملته الإنتخابية.
إن من يتابع ملابسات النقاش القائم حول الموضوع وخاصة فيما يتعلّق بالإمكانيات العسكرية المطلوبة يعي مدى المأزق القائم.  ف”التسريبات” حول خطة قائد قوات الحلف الأطلسي الجنرال مك كريستال تدّل أن هناك انقسام داخل المؤسسة العسكرية حول ما يجب القيام به.  فهناك من يعتبر أن إمكانية النصر العسكري غير موجودة وأن كلفة منع الهزيمة العسكرية أكبر من الهزيمة السياسية وهناك من يعتبر أنه من الضروري البقاء في أفغانستان حتى تستطيع القوات الأفغانية القيام بمهامها ومنع الهزيمة الإستراتيجية.  وبالفعل إن خروج الولايات المتحدة من أفغانستان هو بمثابة نصر إستراتيجي لقوى تعتبر “متخلفة” استطاعت أن تهزم على التوالي خلال ربع قرن كل من الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة.  أما “التسريبات” التي حصلت فهي أيضا من باب الحسابات الداخلية الأميركية لإحراج الإدارة ومنيها بهزيمة في الانتخابات النصفية القادمة وتمهيدا لإنتخابات رئاسية عام 2012 تأتي برئيس من الحزب الجمهوري ربما قد يكون الجنرال دافيد بترايوس.
إن الانتخابات الرئاسية الأفغانية الأخيرة والمشكوك بنزاهتها من وجهة نظر المجتمع الدولي وحتى الإدارة الأميركية الحالية تزيد من حرج الموقف.  فالرئيس اوباما لا يستطيع أن يسوّق زيادة القوات الأميركية في أفغانستان في ظل وجود رئيس وحكومة فاسدين.  فالنواب الديمقراطيون في أكثريتهم ما زالوا حتى هذه الساعة معارضين لأي زيادة في القوات.  هذا يعني أن الرئيس اوباما قد يستند فقط على دعم الجمهوريين الذي يحبذّون تورطه في المستنقع الأفغاني.  عند كتابة هذه السطور ما زال الرئيس اوباما منعكفا على دراسة الإستراتيجية التي يجب اتخاذها والمعلومات تفيد أنه يحاول إيجاد “حل وسط” (وهو غير موجود في الأصل!) بين عدم إرسال أعداد كبيرة من الجنود والانكفاء الميداني.  أضف إلى ذلك التناقض بين سلوك الحكومة الأفغانية برئاسة كرزاي التي تسعى إلى تفاهم مع حركة طالبان وسلوك قوات الحلف الأطلسي بقيادة أميركية التي تقاتل تلك الحركة.  أي بمعنى آخر ليس هناك من توافق وتنسيق بين حكومة محسوبة على الحلف الأطلسي والحلف نفسه.  أضف أيضا أن ما تسرّب من مواقف سلبية من الرئيس اوباما تجاه كرزاي لا يساعد في الوصول إلى “تفاهم”. لكن من جهة أخرى هناك تسريبات تنسب إلى هيلاري كلنتون إمكانية التفاوض مع الطالبان مما يزيد الإرباك داخل الإدارة الأميركية. 
أضف إلى ذلك معلومات تفيد أن الصين بدأت تستاء من الوجود الأميركي في أفغانستان وإن كانت لا تمانع في الأساس إنهاك الولايات المتحدة في معركة مع القاعدة وإن كانت لإضعاف القوى الإسلامية الانفصالية في الصين.  فإذا تحركت الصين باتجاه إخراج الولايات المتحدة من المسرح الأفغاني فإن طبيعة الحملة العسكرية الأميركية قد تصبح محرجة للغاية.
أما على صعيد المسرح الباكستاني فالمأزق لا يقلّ إحراجا.  فالقاعدة موجودة وضربها من الجوّ يعتبر اعتداء على باكستان.  كما أن الحذر المتبادل بين الحكومات الباكستانية والأفغانية والأميركية لا يسهّل حسم الأمور.  فهناك معلومات تفيد بأن جهات نافذة داخل المؤسسة العسكرية والأمنية الباكستانية غير مرتاحة لتوجهات الرئيس الباكستاني وهي تنظر بالأصل إلى حركة طالبان كوليدتها.  كما أن الاعتداء الأخير على مقر قيادة القوات المسلحة في باكستان ساهم في إطلاق الإتهامات من قبل جهات محسوبة على المخابرات الباكستانية على الولايات المتحدة والشركات الأمنية. هناك قلق متزايد داخل المؤسسة العسكرية الباكستانية من ميوعة الرئيس الباكستاني تجاه الإملاءات الأميركية قد يمهّد للإطاحة به.  كل ذلك لن يساعد الإدارة الأميركية في سياساتها في المسرح الباكستاني الأفغاني.
والملف الإيراني لا يقلّ إحراجا وإرباكا للإدراة الأميركية.  فالمعلومات تفيد بأن المؤسسة العسكرية الأميركية لا تحبذّ أي مغامرة عسكرية على إيران كما أن الرئيس الأميركي لا يميل شخصيا إلى ذلك.  غير أن القوى الضاغطة في الإدارة وخارجها تفرض عليه ضرورة الظهور بالرئيس القوي والحازم.  لكن المهزلة المسرحية التي شهدتها الأمم المتحدة حول المعمل “السري” الإيراني تدّل بوضوح عن حالة الإرباك.  فعلى ما يبدو كانت الحكومة الإيرانية هي التي افصحت عن وجود ذلك المعمل.  شكّل ذلك الإعلان إحراجا للإدارة الأميركية التي كشف مرة أخرى عن “العورة” الاستخبارية الأميركية في الشؤون الإيرانية.  كانت ردّة الفعل الأميركية صاخبة وكذلك الموقف الفرنسي والبريطاني.  لكن في مرحلة تالية أفادت المصادر الحكومية الأميركية أنها كانت على علم بذلك المعمل منذ أواخر 2008.  إذا لماذا تلك ردّة الفعل؟  هل كانت لمحو آثار الإخفاق الديبلوماسي الاستعراضي لأوباما في تحقيق اي تقدّم في المحادثات الثلاثية مع عباس ونتانياهو؟ 
مصادر مطلعة أميركية تفيد أن الموضوع النووي الإيراني لا يشكل أي تهديد على المصالح القومية الأميركية بل أن يقين النزاع هو الدور الإقليمي لإيران في المنطقة وأن الموضوع النووي هو ذريعة لعدم إقرار ذلك الدور.  كما أنه إقرار بعدم إمكانية منع إيران من تملّك المعرفة النووية. وكذلك هو الأمر بالنسبة لإسرائيل التي تستطيع أن تتعايش مع إيران نووية ولكن لا يمكنها أن تقبل بدور أساسي للجمهورية الإسلامية في المنطقة.  وبالتالي يصبح من الأسهل إبراز “الخطر النووي الإسلامي” لتجنيد الرأي العام الدولي ضد إيران بدلا من خطاب سياسي حول الدور الإقليمي الإيراني الذي لا يفهمه ولا يهم الرأي العام الدولي.
واللغط القائم حول موقف “متفهمّ” لروسيا ل”الخطر النووي الإيراني” ليس إلا كلاما رغبويا في الغرب.  والحديث الجاري حول “صفقة” ما بين روسيا والولايات المتحدة حول العزوف عن بسط شبكة دروع صاروخية في بولونيا مقابل تجنيد روسيا في الموضوع الإيراني يكشف مدى التخبط الأميركي.  فليس هناك من مبرر لروسيا لتقديم أي تنازل سواء الكلام المهدىء لأنها تعلم علم اليقين أن الولايات المتحدة عاجزة عن تحمّل نفقات نشر تلك الشبكة في بولونيا أو أي مكان آخر في شرق اوروبا.  ولهذا العزوف تداعيات كبيرة في أوروبا الشرقية التي تكتشف أن الولايات المتحدة غير ثابتة في تحالفاتها وأنه من الغباء المطلق معاداة روسيا الجارة لتحالف هشّ مع دولة كانت عظمى في ماض قريب لكن ينخرها الآن الانحطاط والتردد والتراجع.  وليست المغامرة “الجيورجية” إلاّ لتؤكد عن مدى هشاشة التحالف مع الغرب ووعوده القاصرة عن حماية الآخرين.  هذا يؤكد المعادلة التي كنّا ومازلنا نردّدها أن الصراع مع الغرب والولايات المتحدة مغامرة لكن التحالف معهما انتحار مؤكد.
أما ملف شرق الأوسط وخاصة الصراع العربي الصهيوني في فلسطين المغتصبة والمحتلة فهو الوجه الأبرز للمأزق الأميركي.  بات واضحا أن الإدارة الأميركية الحالية إما عاجزة عن تخطّي الضغوط الصهيونية في الولايات المتحدة أو غير جادة في الأساس عن حلّ المعضلة رغم كل الكلام الطوباوي للرئيس اوباما.  ولا داعي للدخول في النقاش العقيم حول مدى نفوذ اللوبي الصهيوني في صنع القرار الأميركي في المنطقة أو حول مصلحة المجمع العسكري الصناعي والمالي الأميركي في استمرار النزاع إلى يوم الدين كما يؤكّده جورج فريدمان صاحب المدوّنه الشهيرة “ستراتفور” في كتابه الأخير الذي صدر في مطلع 2009 وعنوانه ” المائة السنة القادمة”.  يقول فريدمان بكل صراحة أن مصلحة الولايات المتحدة هي نشر الحروب والفتن وليس إقرار السلام لما لها من مصلحة في منع نمو قوى منافسة لها.  هذا ما يؤكّده المحافظون الجدد الذي ما زال فكرهم مسيطرا على القوى اليمينية في الولايات المتحدة.  في مطلق الأحوال إن استمرار النزاع في المنطقة يخدم كل من الكيان الصهيوني والمجمع العسكري المالي في الولايات المتحدة.  أما ما يُسمّى بالأمن القومي الأميركي فهو ما تحدده مصالح ذلك المجمّع وليست مصالح الشعب الأميركي.  طبعا هناك من سيقول أن الولايات المتحدة “ديمقراطية” وأن الشعب الأميركي هو من ينتخب ممثليه وبالتالي فهو أيضا مسؤول عن سياسات الإدارة الأميركية.  هذا نوع من التبسيط يخرج عن إطار هذه القراءة إلا أنها تتجاهل تصاعد قوى في الولايات المتحدة تريد مراجعة السياسات الأحادية لمصلحة الكيان الصهيوني لما هي فاقدة للحد الأدنى للأخلاقية المتنافية مع مبادىء المجتمع الأميركي ولما لها من عواقب تهدّد سمعة وصورة والمصلحة الفعلية الأميركية في المنطقة.
رغم كل ذلك، رغم الإخفاقات العسكرية والدبلوماسية، رغم العجز في التقدم بحلول ناجعة للأزمة الداخلية الاقتصادية والاجتماعية في الولايات المتحدة، تتصرف الإدارة وكأنها ما زالت القوة العظمى التي يجب على الجميع الانصياع لإملاءاتها.  إنها حالة إنكار متجذرة تنذر بحماقات كارثية على الجميع.  فالولايات المتحدة عاجزة أن تستمّر في مشروعها الكوني فهي أضعف من متطلبات ذلك ولكنها ما زالت في حالة من القوة التي ترعب العالم بسبب حالة الإنكار تلك.

  نشرت في جريدة “السفبر” بتاريخ 24-10-2009
*كاتب وباحث وأستاذ جامعي ومدير تحرير مجلة “شؤون عربية معاصرة

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى