الأخبار اللبنانية

دلال ورفاقها: نودعهم اليوم ام نستقبلهم

معن بشور

تودع بيروت وضاحيتها ومخيماتها اليوم، الاثنين، الشهيدة دلال المغربي ورفاقها الابطال،

الممتدة حكايات استشهادهم على مدى عقود ثلاثة ونيّف، بل الممتدة على مساحة الوطن العربي الكبير.
فهل نحن فعلاً نودع دلال ورفاقها البررة، أم نحن نستقبلهم من جديد، لنستقبل معهم زمناً جميعاً تعاون  كثيرون على نفيه واقصائه وانتزاعه من ذاكرتنا والوجدان، بل لنستقبل معهم أياماً كدنا نظن انها لن تعود، ومرحلة كانت فيها الحدود تتهاوى ليس بين ابناء الامة فقط، بل بينهم وبين احلامهم الزاهية الجميلة التي كانت تزهر فينا كما كنا نزهر فيها.
ومن يستمع اليوم لسمير القنطار ولشقيقة دلال المغربي، وللاسرى المحررين الشامخين بايمانهم وبسالتهم كافة، بل من يستمع لابناء الامة كلها يتحدثون عن “عملية الرضوان”، وعن المقاومة في لبنان، وعن قادتها الشهداء، وعن سيدها ومجاهديها، يتساءل: هل نحن امام “حديث” فرّ من قيود الحاضر – وما أكثرها – ليعود الى وهج الماضي مستمتعاً بدفئه، أم اننا أمام ارهاصات مستقبل آتٍ زاخر بكل عناوين الاباء والكرامة والعنفوان، مستقبل يحمل معه ذلك الشعار الهادر: “ولى زمن الهزائم  وجاء زمن الانتصارات” بل ينطوي في ثناياه على ذلك التحليل البسيط والعميق الذي كان يرى في زمن “محدودية القدرات الاستراتيجية لاعداء أمتنا رغم لا محدودية قدراتهم التكتيكية على التدمير والقتل الجماعي.
قد يبدو الجواب على هذه التساؤلات اليوم اكثر سهولة منه في وقت سابق، ذلك ان ثقة الامة بنفسها تزداد يوماً بعد يوم لا سيّما مع اندحار المحتل في ايار 2000 عن جنوب لبنان، ومع اندحاره عام 2006 عن قطاع غزة، ومع تفاقم مأزقه حلفائه في العراق والصومال وافغانستان على يد المقاومة المتصاعدة، ولكن هذا الجواب لم يكن بالسهولة ذاتها في مطلع التسعينات في القرن الماضي.
كان كل شيء حولنا ينهار، القطب الدولي الآخر (الاتحاد السوفياتي) بدأ ينسحب من الميدان تاركاً للقطب الامريكي حرية التحكم بمصير العالم عموماً، ومنطقتنا خصوصاً. القوة العراقية النامية، بعد التراجع في دور مصر الذي لا يعّوض، اخذت تخرج من ساحة الصراع بفعل حروب خارج جبهتها الرئيسية، وبفعل حصار غير مسبوق. مؤتمر مدريد، ومن بعده الاتفاقات المشؤومة، يطل علينا كخشبة خلاص لانظمتنا المنهكة فيما مهمته الحقيقية كانت ان يكون خشبةإعدام لتصفية حقوقنا. الحصار يشتد على الانتفاضة الاولى، انتفاضة الحجارة، وهو حصار يشترك فيه عدو متوحش، وانظمة موزعة بين التواطؤ والعجز والصمت، ونهج سياسي حاول استعجال  قطف الثمار في مظهره، فيما كان يخفي تعباً وترهلاً في جوهره.
ومع ذلك، كان هناك من يسبح عكس التيار إما بالفكر او بالموقف، او بالكفاح والنضال والمقاومة وهو الأهم.
كان البعض حينها، وكان هذا البعض مهيمناً آنذاك في المنطقة كلها، يروج بكل الوسائل بان عصر المقاومة قد ولّى، وان عصر العولمة ونظامها الشرق أوسطي هو قدر الامة ولو أدى ذلك الى القضاء على كل حقوقها، بل كان يقول في المنابر بأن بعض حركات المقاومة التي ما زالت تتحرك، لا سيّما في لبنان وفلسطين، ليست إلا بقايا من زمن غابر، ومجرد جيوب لا بد من اندثارها خلال اسابيع واشهر وقد حددوا لاندثارها مهلاًَ ومواعيد.
بالمقابل، كان البعض، من أبناء الأمة وقادتها الأحرار، يعتقد ان ما نراه من فعل مقاومة، مهما بدا بسيطاً في بداياته هو براعم ستتفتح يوماً  ليملأ اريجها الأمة بأسرها، وان هذا الفعل المقاوم ليس بقايا مرحلة غابرة بل هو طلائع مرحلة جديدة عابرة لكل الصعوبات والتحديات والعوائق، واذا بدت السباحة عكس التيار صعبة في البداية، فإنها بعد حين تصبح رياضة فكرية وروحية ونفسية ممتعة قبل ان تكون رياضة جسدية.
كان هذا البعض يقول ويمارس قناعاته بأنه واثق  من ان الظلام الحالك “سيتبدد كالاوهام”، وان الازمات المشتدة من حولنا الى انفراج، وإن الكفاح المقرون بالايمان والعلم والثبات على المبادئ هو جسر العبور مما يبدو مستحيلاً الى رحاب الممكن. بل كان هذا البعض يقول ويمارس باننا نصبح قادرين بالمقاومة والوحدة لا على  صناعة المستقبل فقط، بل على اعادة صياغة تاريخنا القريب والبعيد وقراءته بعد “تحريره” من كل المفاهيم والصور المغلوطة التي حاولوا الصاقها بعد.
وهكذا نجد انفسنا نتحدث عن استقبال جثامين دلال ورفاقها، وكأنهم عائدون من هجرة قسرية او راجعون من سفر طويل، فنراهم شهداء واحياء في آن، نعتز بشهادتهم ونفرح بهم ونحادثهم وكأنهم قد بعثوا أحياء مع عملية “الرضوان”.
فهل نحن بالفعل امام شهيدة ذهبت ذات يوم الى شاطئ نهاريا في فلسطين، لتغسل بمياه بحره العار الذي الحقوه بأمتها، ولتغوص روحها في اعماقه، كما المحار، وليدفن جسدها في ارض قال مغتصبوها ان شعبها، وخصوصاً الاجيال الجديدة منه، سينساها، ليكتشفوا مع الزمن ان كل جيل من شباب فلسطين والأمة بات اكثر اصراراً على تحرير أرضه وأشد استعداداً للبذل والعطاء في سبيل التحرير من الجيل الذي سبقه.
وهذه الاجيال الجديدة لم تعد محصورة بأبناء فلسطين، داخل الوطن والشتات فحسب، بل أمتدت لتشمل كل أبناء الامة واحرار العالم، فنرى دلال وقد اصطحبت في مشوارها الاول والأخير الى فلسطين شاباً من شمال لبنان كيحيى سكاف، ونراها تعود الى أهلها في بيروت وهي محمولة على اكتاف شهداء من جنوب لبنان، بل نرى اليوم كل هذه الجثامين الطاهرة ستتوزع غداً من بيروت الى تونس والمغرب ومصر وليبيا واليمن والعراق والاردن والكويت والجزيرة العربية وسوريا فتعيد بدمائها رسم خارطة جديدة واحدة لوطن قديم امعنوا فيه تقسيماً، والرسم هذه المرة بريشة المقاومة وبمداد شهدائها.
مع وداع دلال ورفاقها بعد 30 عاماً على استشهادهم  نشعر اكثر من اي وقت مضى إن المقاومة في الأمة هي صاحبة مشروع استراتيجي لتحرير الارض والدفاع عن الوطن، كما هي صاحبة مشروع نهوض حضاري يعيد بعث الماضي بروح العصر، ويسعى لمعالجة شروخ الحاضر وجراحه حتى يخرجه منها معافى، موحداً واعداً.
دلال … لن نقول لك ولرفاقك اليوم وداعاً، بل نقول الى اللقاء غداً.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى