ثقافة

جائزة الشيخ زايد للكتاب.. البذرة التي غرستها أبوظبي قبل 15 عاماً، آتت أكلها

باريس / عبدالناصر نهار

منذ إنشائها في مثل هذه الأيام من شهر رمضان المبارك قبل نحو 15 عاماً، وتحديداً في العاشر من أكتوبر 2006، كجائزة مستقلة ومحايدة، تقوم وفق أسس علمية وموضوعية مُرتكزها العمل الإبداعي والتميّز فيه، أسهمت جائزة الشيخ زايد للكتاب بقوة في تعميق المُثاقفة الحضارية بين العربية واللغات الأخرى، لتُقدّم تكريمها لـِ 105 من أهم رموز الفكر والأدب والترجمة وأبرز المؤسسات الثقافية على الصعيدين العربي والدولي.

ولعلّ ما يُميّز الجائزة، هو هذا التنوّع الفريد الذي نجده في انتماءات الفائزين إلى ثقافات إنسانية عدّة يجمعها عشق لغة الضّاد، إذ لم يقتصر الاحتفاء على المُبدعين العرب، بل إنّ شخصية العام الثقافية فاز بها مفكرون غربيون ومستشرقون لهم أعمالهم المهمة جدًا في مجال اللغة العربية، فضلاً عن لغاتهم الأم.

وبفروعها التسع، فإنّ جائزة الشيخ زايد للكتاب تُعتبر أضخم وأشمل جائزة للكتاب على مستوى العالم، نجحت في استحداث نقطة جذب وتحفيز للثقافة والمُثقفين، والاحتفاء بالمُبدعين والمُفكرين والأدباء، وحثّ الموهوبين على العطاء والتميّز، أينما كانوا.

انطلقت من دولة الإمارات العربية المتحدة رسالة محبة وسلام للعالم كله، حيث قيم التعايش وحوار الثقافات راسخة بجذورها، واقترنت باسم “زايد” تأكيداً على إنسانية ومكانة حكيم العرب الذي ما أحوج العالم اليوم لصوت عقله، وأياديه البيضاء في كلّ ميدان، وخاصة في مناحي الفكر، والثقافة، والعلوم.

لقد كان المغفور له بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، يتفاعل مع سائر الأحداث الثقافية، ويفرح لكلّ إنجاز فكري أو أدبي، ويؤكد دائماً على أنّ العلم والثقافة والمعرفة هي أسس تقدّم الأمم وحجر الزاوية في الحضارة، ومرتكز بناء الإنسان والأوطان.

تتصدّر فروع الجائزة في كل عام، جائزة شخصية العام الثقافية، والتي تُمنح لشخصية اعتبارية أو طبيعية بارزة، لما تتميز به من إسهام واضح في إثراء الثقافة العربية إبداعاً أو فكراً، على أن تتجسَّد في أعمالها أو نشاطاتها قيم الأصالة، والتسامح، والتعايش السِّلمي، وفقاً لما جاء في الموقع الإلكتروني للجائزة. ويتم الترشح لهذا الفرع من خلال المؤسسات الأكاديمية، والبحثية، والثقافية.

جاء د.دينيس جونسون ديفيز (1922-2017)في طليعة الفائزين الذين اعتبرتهم جائزة الشيخ زايد للكتاب “شخصية العام الثقافية” وذلك في الدورة الأولى عام 2007، وهو ما أحدث تفاعلاً واسعاً في الأوساط الثقافية والإعلامية التي رحّبت بتكريم صديق لغة الضّاد والثقافة العربية لما يزيد عن سبعة عقود، واعتبروا ذلك خطوة كبيرة ومهمة تقديراً لمسيرة حافلة بالعطاء الأدبي والإنساني، وهو ما استدعى قول ديفيز “لقد أسعدني كثيراً أن تأتي هذه المبادرة الكريمة في هذا الوقت بصفة خاصة، فمن يدري.. ربما لو أنهم تأخروا أكثر من هذا لما وجدوني!”.

كما فاز بجائزة شخصية العام الثقافية في عام 2009 المُستعرب الإسباني بيدرو مارتينيز مونتابيث، وذلك تقديرًا لدوره الرائد في بناء جسور التواصل بين الثقافتين العربية والإسبانية، وجمع المستعربين الإسبان والمستعربين في أمريكا اللاتينية بالمتخصصين العرب باللغة والثقافة الإسبانية.

أما في عام 2011 فقد فاز بشخصية العام الثقافية المُستشرق الصيني تشونج جيكون، وذلك اعترافاً بما قدّمه على مدى أكثر من نصف قرن في حقل تعليم اللغة العربية والترجمة والدراسات العلمية حول لغة الضّاد في دول الشرق الأقصى.

وفي عام 2019 تمّ منح الجائزة مُناصفة للمرّة الأولى، لكل من أ.د ياروسلاف ستيتكيفيتش وزوجته أ.د سوزان ستيتكيفيتش من الولايات المتحدة، لتمكنهما من خلق حالة إيجابية فاعلة على المستوى العالمي بخصوص قراءة الأدب العربي بين الباحثين في الغرب، وإعادة النظر في طرائق قراءة الاستشراق للشعر العربي على نحو يتعامل مع الثقافة العربية بعيداً عن أي مركزية وبروح بحثية تتحلى بالتسامح والبُعد عن أي لون من ألوان التعصب والمواقف المسبقة.

ولم يكتفِ القائمون على الجائزة بذلك، بل إنهم استحدثوا العام 2013 في إطار استراتيجية تطويرية، جائزة فريدة من نوعها هي “الثقافة العربية في اللغات الأخرى” أسهمت في تعميق الحوار الثقافي العربي- الغربي، وتتمثّل معايير المُشاركة بها في أن يكون المُترشّح قد أسهم في تنمية الفكر والإبداع في الثقافة العربية، وأن تُحقق أعماله درجة عالية من الأصالة والابتكار، وتُمثّل إضافة حقيقية للثقافة والمعرفة الإنسانية ككل.

وقد فاز بهذا الفرع على التوالي منذ دورته الأولى لغاية العام 2021، الكاتبة البريطانية مارينا ووارنر، أستاذ التاريخ القديم الباحث الإيطالي ماريو ليفيراني، الأكاديمي الياباني سوغيتا هايدياكي، أستاذ الفلسفة والباحث الألماني د.دافيد فيرمر، المُستعرب الألماني البروفيسور داغ نيكولاس هاس، الباحث في الشعر العربي البروفيسور البريطاني فيليب كينيدي، الكاتب والمترجم الهولندي ريتشارد فان لوين، وأستاذة الأدب العربي بجامعة شيكاغو، الأكاديمية الأميركية د.طاهرة قطب الدين.

خلاصة القول، لقد قدَّمت جائزة الشيخ زايد للكتاب مساحة ثقافية مهمة جدًا لتكريم إبداع التواصل الحضاري بين العرب والغرب، وهي تتميّز بسمعة عالمية مرموقة وحيادية تُضاهي أهم الجوائز الدولية، وهذا ما يتضح من خلال استعراض الأسماء السابقة الوازنة في المشهد الثقافي العالمي. ولن يُؤثّر في رمزية الجائزة وقيمتها المعنوية تلك الأقلام المأجورة التي سعت لاستغلال تراجع الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس عن قبول جائزة شخصية العام الثقافية قبل أيام، إثر ضغوط غير مقبولة تعرّض لها، وذلك رغم ترحيبه بها بشدّة في البداية.

ويكفي جائزة الشيخ زايد للكتاب بيانها المُقتضب، لكنّه جميل ويُعبّر عن ثقة ونزاهة ومسؤولية، أنّها تُجسّد “قيم التسامح والمعرفة والإبداع وبناء الجسور بين الثقافات، وستواصل أداء هذه الرسالة”، إذ لم يدخل القائمون عليها في أيّ مُهاترات لا معنى لها، مُعبّرين عن أصالة وكرم هذه الأرض الطيّبة “دار زايد”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق