صفع الكذوب – د. قصي الحسين

لم يعد وحده، الأول من نيسان، يمثل عيد الكذب. فقدت “كذبة أول نيسان”، معناها. فقدت نكهتها. فقدت تألق الصبايا والشباب بها. صارت هذة المناسبة تمر، دون أن يشعر أحد بها. ما سمعت في الأول من نيسان هذا العام ولا كذبة. لا من أولادي، كانوا تعودوا ممازحتي وأمهم بها. ولا من أصدقاء دربي. حتى ولو كانت سخيفة كما كنا “ننمر” بها على بعضنا، منذ أيام الصبا والشباب. لم يعد الناس ينتظرون أول هذا الشهر، ليسمعوا، ولو كذبة بسيطة لطيفة منعشة: لقلوبهم، ولنفوسهم، ولعقولهم، ولمزاجهم. صار أول نيسان مثل آخره، لا ينتظر لطافةالكذبة من الأبناء،ولا من المراهقين الشباب والصبايا، ولا من رفاق العمر المتعثر في طريق الحياة. لأن الكذب صار يسيل على ألسنة المراهقين في السياسة. وعلى ألسنة المخضرمين بالسياسة. بل على لسان كل “عتيق ومجنزر” بالسياسة. صارت السياسة على أيدي هؤلاء، فن تداول الكذب على الناس. ولهذا بدأ التأفف من الكذب، حتى إمحت “كذبة أول نيسان”، وحل محلها الكذب السياسي الدائم، في كل الأيام وفي كل الشهور وفي كل الأعوام. وصار أحدنا يقول لصاحبه من باب التندر والتألم والتفكه، كما قال الشاعر الجاهلي لبيد بن ربيعة:
“ذهب الذين يعاش في أكنافهم/ وبقيت في كنف كجلد الأجرب”.
كان قصاص الأهل على الكذب مؤلما. كانوا يؤدبون أولادهم على الكذب. ويحثونهم على الصدق. يمنعون عن الولد الكذوب، الطعام والشراب والمصروف/ “الخرجية” ليوم أو يومين. وربما تشددوا أكثر من ذلك، بحسب الجرم. فربطوه. وقيدوه. وسجنوه داخل غرفته لساعات. دون أن يردوا على تضرعاته بأنه سوف لن يعود إلى الكذب مرة أخرى. بل لا يعيد “الكذبة” بتاتا، مرة أخرى. وكثيرا ما كان الولد منا يستنهض الشفاعة ويترجى الشفقة. وأنه يقسم بالتوبة. ويسترحم الأبوين والأشقاء والشقيقات والعمات والخالات والأخوال والأعمام والأجداد، أنها كانت منه ل”هفوة”، وأنه لن يعود إلى الكذب على الأهل البتة بعد اليوم. فيعفوا عنه بعد الضراعات، وأخذ العهودمنه، وتسجيلها عليه. بعد الأيمان التي يقسمها أمامهم. وبعد الوعود التي يشهدون أبناءهم عليها.
كان القصاص المدرسي على الكذب، مؤلما أيضا. وربما كان أقسى من قصاص الأهل وأشد. فيحجز التلميذ على الكذبة الواحدة في المدرسة في غرفة النظارة. ويشهر به بين رفاقه. وأمام أساتذته. ويرسل المدير أو الناظر العام، وراء الأهل، حتى يراجعوا المدرسة بشأن إبنهم، الذي إرتكب شائنة الكذب الشنعاء، التي يخجل منها جميع التلاميذ. وتخجل الأهل أمام هيئة المدرسة، وهيئة التدريس. وربما أخذ بحقه قرار الطرد المدرسي ليوم أو ليومين أو لأسبوع، بحسب “جرم الكذب الشنيع”. فكلما كانت كذبة الولد مؤذية، أو متكررة، كلما إشتدت المدرسة في مقاصصته. وربما لامس سقف الكذب، سقف الطرد من المدرسة. فتمتنع الإدارة عن قبول تسجيله في المدرسة، بصفة “الولد كذوب”. وبصفة “التلميذ الكذوب”.
كان الكذب شينا بين الرجال. كما كان بصورة أخف، شينا بين النساء. إذ يشار للرجل الكذوب، أوللمرأة الكذوبة، بالبنان. فإذا ما التمس الكذوب مجلسا ومجتمعا، أو سوقا أو متجرا، أو مصلحة، أو صفا من صفوف الحياة، تنبه له سائر الناس. يأخذون بالنظر إليه، بكل ريبة وحذر. فيبلع القوم ألسنتهم. لا يجرؤون على أن ينبثوا أمامه، ولو بكلمة واحدة. حتى ليكاد الكذوب أن يقول لهم: “خذوني”.
وفي القانون، يجرم الكاذب أقدم على الكذب عمدا. و إذا قدم “شهادة كاذبة”. يساوون بين الكاذب في شهادته أمام القاضي، وبين المفتري. و يحكم بالتالي عليه حكما جزائيا، وينال ما يستحقه من الجزاء.
كذلك لا يصح أن يقال لأحدهم: أنت تكذب. فيحكم على من يتهم الناس بالكذب، وينال عقوبة التلفظ بألفاظ نابية. لأن التلفظ بالكذب جريمة موصوفة بحسب القانون الجزائي.
أما الكذب في الأخلاق وفي الدين، فهو من العيوب التي ما لامست قلب إمرئ إلا أفسدته. و دفعت إلى التشكيك في خلق الكذوب، أو في دينه. وكان حماد الراوية،أكذب الناس. وكان العلماء لا يثقون برواياته. حتى قالوا فيه، يعيرونه: “أكذب من حماد”. فذهب ذلك فيه مضرب المثل. وفي الحديث أيضا: إن المؤمن، يمكن أن يكون بخيلا، ولكنه لا يمكن أن يكون مؤمنا. لأن الإيمان، مثل الأخلاق شرطه الصدق. والرجل الكاذب، لا يعتد بدينه. ولا يعتد بإيمانه معا.
يعيش الناس بين السياسين، في عصرنا المنحوس هذا، مفارقة أليمة. مفارقة عظيمة. يرون أولي الأمر يكذبون عليهم من فنون الكذب الذي يمس كرامتهم و يعوق إستحقاقاتهم. ويكبدهم خسائر فادحة في ممتلكاتهم وفي أرواحهم. يرون بأم أعينهم: كذب المسؤولين في الحصول على أبسط حقوقهم، في الماء وفي الكهرباء، وفي الطبابة وفي الدواء وفي رغيف الخبز، وفي الكتاب وفي القسط المدرسي، وبالتالي الجامعي. وفي القرآن معادلة لهم: “تصف ألسنتهم الكذب”. يجدون أن الكذب على الناس ينخر مفاصل الإدارة. ومفاصل السلطات، ويعطل الحياة. وهم يلتفتون، فيرون بأم أعينهم، كيف يلهو المسؤول عنهم. وكيف يستخف بهم وكيف لا يأبه لهم. لا في الشارع. ولا في النادي. وهو يرتاد الأماكن العامة بكل وقاحة، لا يستحي مما يفعل ويقول. وأيديه ملوثة. وأقدامه ملوثة. وعيونه ملوثة. وثيابه ملوثة. ويستخف بالناس ويستهتر بهم، كمن أصابته لوثة.
فماذا تريدون من أصحاب الحاجات الملحة، الذين تعضهم هذة الحاجات، بأسنانها الزرقاء وبأنيابها الحادة. وبأضراسها وقواطعها، حتى لتكاد تنهش منهم اللحم، وتهشم، بل تحطم منهم العظم.. بل كيف يتمالك هؤلاء أنفسهم، فلا يقدمون في البرهة الثقيلة عليهم، ويصفعون المسؤول الكذوب. جهارا ونهارا وأمام الملأ. وهم لا يحتملون كذبه عليهم، يوما بعد يوم. ولا يحتملون منه تمرير أكذوبة نيسان عليهم، بطلته الموحية بكل وقاحة وبكل لوثة، كل يوم، على الشاشات وفي النوادي. وقديما، كان قد قال المتنبي فيه وفي أمثاله:
وإحتمال الأذى ورؤية جانيه/ غذاء تضوى به الأجسام.
فليرحم الناس، “الصافع”، إذا أحرجه الكاذب فأخرجه. وقام بصفعه، بعد أن لم يعد يحتمل منه الكذب الصراح.!
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.


Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development