المقالات

هزة العصر – كتب:مازن عبّود \ المصدر جريدة النهار

“ليس هناك ما هو أكثر وحدة من العيش وسط العالم الرقمي، حيث لا يعرف أحد شيئًا عن وجودك. هل انت على قيد الحياة ام انك موجود فقط رقميا على الشبكة الاجتماعية أو نظام البيانات الضخمة ؟”.
الكاتب الفيلبيني كاستيلونس سيلادا- “تشرد الروح في العالم الرقمي”
صرنا نعيش في عزلة وتشرد في عوالمنا الرقمية. عوالم تلتقي وتتباعد عن العالم الحقيقي. وقريبا جدا سنجني رقميا ايضا بعد ان صرنا نتواصل ونحب ونكره رقميا. فيحرم “جرجي” الدكنجي الذي كان يعمل مقابل “كدش ورق” كما كان يقول متعة لمس الوعد بالدفع الصادر عن الحكومة (النقود الورقية) وتقبيله وشمه وادخاره. وسنعيش في السؤال والإجابات فارغة واللعب في سحر عدم اليقين، كما قال احدهم.
قريب مرور خمسين عاما على هزة نيكسون التي تولّدت عن حرب فيتنام، والتي وضعت حدا لتغطية الدولار الجزئية بالذهب وتحريره الا من قيود القرار والطباعة واقعيا، كتب استاذ تاريخ الاقتصاد في جامعة برينستون هارولد جايمس مقالة لموقع الروجكت سيندكيت بعنوان “هزة نيكسون الرقمية؟”. فذكر بمفاعيل قرار عدل مضامين معاهدة “بريتون وود” بما يتوافق مع مصالح دولته، في خضم حربها الباردة مع الاتحاد السوفياتي التي خاضها بالنيابة عن العالم الحر. تداعيات وضعت الاقتصاد العالمي على مسارات ومخاطر لعقود.
التقنيات الرقمية اليوم بحسب جايمس ستقود الى ثورة تنهي الدولار الورقي. فلا بدّ لافغانستان ان تسرع في انهاء مفاعيل الدولار الورقي. تكلم جايمس عن سلعتين تنتجهما الولايات المتحدة: “اللغة الإنجليزية كوسيلة مشتركة للتعبير، والدولار كوسيلة مشتركة للتبادل”. وابدى تخوفا من تقلص نسب اسهامات بلاده في الاقتصاد العالمي ومن هشاشة نظام دولي يتفكك. اعتبر بانّ الذكاء الاصطناعي يحلّ محل الانكليزية، والتقنيات الجديدة محلّ الدولار. واشار الى بدء تحرر النقد من وصاية الادارة المالية. واعتبر بانّ تداعيات الاستجابة الاقتصادية للجائحة ستؤدي الى التضخم وستدفع الى الاستثمار في العملة الرقمية التي تقوم “على المعلومات وليس على مصداقية الحكومات”. خوفي من ان تحدد المنصات اسعار العملات الوطنية بالنسبة الى العملات الرقمية. فتزول ادوار السلطات المالية والنقدية للدول. وتصبح ادارة النقد مركزة في ايادي من يتحكمون بالمنصات.
في السيناريو اللبناني تفلتت العملة من الادارة المالية والنقدية. ادوار مصرف لبنان تقزّمت الى حدود ادارة الدعم والتأقلم مع المستجدات. وادوار وزارة المال تراجعت حتى صارت شبه غائبة. وهذا ما دفع رئيس حكومة تصريف الاعمال حسّان دياب الى اعتبار “انّ هذه المنصات تتحكم بالدولة ومؤسساتها وبمصرف لبنان والمصارف وسبتة ملايين نسمة، في حين لا احد يعرف معايير ارتفاع او انخفاض سعر الدولار في السوق السوداء، ولا من يدير هذه المنصات ويقف وراءها” ، وذلك في اجتماع حول منصات تسعير الدولار في 29 تموز الفائت.
ادخر المرحوم “شهيد” نسيبنا كل الشيكات التي وصلته من اخيه الولايات المتحدة الامريكية لعقود ظانا بانها عملة. لم يبلغ بها احدا بل اكتشفت في صندوق في قبوه بعيّد مماته. نام نومة الموت معتقدا بانّ في صندوقه ما يكفي عائلته لسنوات، ولم يعلم بانّ تركته ما كانت قابلة للصرف.
العالم على وشك الدخول في صدمة العملة الرقمية التي تفتح ابواب عصر جديد بتحديات ومخاطر وفرص. وسيعمل الناس وينتجون مقابل جني عملة لا يمسكونها ترتكز على معلومات. وسنكسب خوارزميا ونعيش وهميا ونموت واقعيا ونلاحق رقميا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق