رِسَالَةٌ مَفْتُوحَةٌ إِلَى “وَطَنِي”

بِقَلَمِ أ.د.غَازِي مُنِير قَانْصُو
يا وَطَنِي… أَيُّها الجَبَلُ الأَشَمُّ، يا رَمْزَ العِزَّةِ والشُّموخِ الأَبِيّ، يا شامِخًا في عُلاكَ كَما هِيَ جِبالُكَ المَنِيعَة، يا راسِخًا في الأَرضِ كَما هو تاريخُك التَّلِيدُ، أيُّها الصَّارِخُ قِدَمًا في
الإرثِ الكَريمِ المُفعَمِ بالرِّفعَةِ والشَّرفِ المُتَوَّجِ بالأصالةِ والمَجْدِ.
وَيا أَيُّها الساحِلُ الخَلّابُ، أَرضُ الكِرامِ الأَعِزَّاءِ، التي يُعانِقُ البَحرَ بِرَحابَةِ قَلبٍ، فَتَرسُو على شَواطِئِهِ السُّفُنُ الباحِثَةُ عن مَحَلٍّ أَنيسٍ، وتَحْمِلُ في أَحْضانِها الوَافِدينَ إلى مَحَطَّةِ سَلامٍ، لِتَرسُخَ في الأَذْهانِ صورةَ الوَطَنِ الَّذي لا يُغْلِقُ بابَهُ في وَجْهِ أَحَدٍ، إلّا عَن عَدُوٍ غَادِر، وَعَن لَدُودٍ فَاجِر.
أَيُّها الوَطَنُ المَليءُ بِالتِّلالِ المَفْعَمَةِ بِالحُبِّ، الّتِي تَتَناثَرُ فيها أَزهارُ النَّرجِسِ بَينَ الرُّبوعِ، كَما تَتَناثَرُ القَصائِدُ في قُلوبِ الشُّعَراءِ، وكَما تَرِدُ خَواطِرُ الحِكمَةِ في حَنَايَا الأُدَباءِ.
يا أَيُّها الوَطَنُ الَّذي احْتَضَنَ الكَتَاتِيبَ وَالمَدارِسَ الَّتي عَلَّمَتِ الأَجيالَ، وجَعَلَتْ مِنَ المَعرِفَةِ شُعلَةً لا تَنطَفِئُ، ومِنَ العِلمِ نَهرًا جَارِيًا يَروِي العُقولَ قَبلَ الحُقولِ.
يا وَطَني، أَنتَ الفَرَحُ الكامِنُ بَينَ المَلاعِبِ والسّاحَاتِ، في بَراءَةِ الأَطفالِ وهُم يَركُضونَ بِلا هُمومٍ، وفي هُدوءِ الهِضَابِ الَّتي تُعَزِّفُ فِيهَا أُنشودَةُ الطَّبيعَةِ العَذْبَةِ، كَأَنَّها تُهدي العالَمَ لَحَظاتٍ نَقِيَّةً مِنَ السَّعادَةِ والنّمَاءِ.
يا أَيُّها الوَطَنُ الَّذي وَجَدْتُ فيهِ الوَفاءَ في كُلِّ زاوِيَةٍ؛ في ساحاتِ قُره وبَلداتِهِ وَمُدُنِه، وَفِي مَآذِنِ المَساجِدِ، وَفِي رَنينِ أَجراسِ الكَنائِسِ، وَفِي مُناسَباتِ الحُسَينيَّاتِ، وَفِي كُلِّ مَعبَدٍ أَو دَيْرٍ أَو مَقامٍ يَتَوَجَّهُ النّاسُ إلى اللهِ فيهِ بِقُلوبِهمُ الصَّادِقَةِ، لا فَرقَ بَينَ الأَهلِ، فَكُلُّهم أَبناءٌ لِوَطَنٍ واحِدٍ؛ وَطَنُ الحُبِّ، وَطَنُ الإِنسانِ.
يا وَطَنَ الفِكرِ، ووَطَنَ القَصيدِ والنَّشيدِ، ووَطَنَ الأَدَبِ الَّذي نُقِشَ في الصَّفَحاتِ والشِّفاهِ، فيكَ الشُّعَراءُ الَّذينَ كَتَبوا قَصائِدَ عِشقٍ لا تَنتهي، وَفِيْكَ الأَدَباءُ الَّذِينَ نَسَجُوا حَكَايَاتٍ تَفِيضُ بِمَشَاعِرِ الحُبِّ وَالأَمَلِ، وَفِيْكَ المُفَكِّرُونَ الَّذِينَ تَأَمَّلُوا عُمُقَ الوجودِ، وَفِيْكَ العُلَمَاءُ الَّذِينَ بَحَثُوا فِي مَجَالَاتِ العُلُومِ فَأَضَاءُوا الأَذْهَانَ بِإِنْتَاجَاتِهِمُ الفَرِيدَةِ وَبِأَفْكَارِهِمُ السَّدِيدَةِ.
أَعْتَرِفُ لَكَ، أَنا النّاسُ، كَم أَعطَيتَني بِفَضلِ اللهِ، كَم أَلبَستَني مِن رِداءٍ بِعَوْنِ اللهِ، كَم أَفَدتَنِي مِن مِساحاتِكَ الحُرَّةِ، ومِنَ الرُّؤى المُتَعَدِّدَةِ الَّتي استَوْطَنَتْ في أماكِنَكَ، فَغَدَتْ نُجومًا وكَواكِبَ كَسُيولٍ عارِمَةٍ تَعمُرُ فَضاءاتِ الإِنسانيَّةِ.
يا وَطَني، لِمَ فَعَلتَ بي ما فَعَلتَ؟
أَنا النّاسُ الَّذي زَرَعتُ حُقولَكَ، وسَقَيتُ أَرضَكَ حتَّى صارَتْ خَضراءَ بَعدَ يَبابٍ. أَنا النّاسُ الَّذي عَلَّمتُ في صفوفِ مَدارِسِكَ وجَامِعاتِك، وجَعَلتُ مِن عَقلي وقَلبي مَنارَةً لِلعِلمِ أَنشُرُهُ بَينَ قُراكَ ومَزارِعِكَ ومُدُنِك. أَنا الَّذي زَرَعتُ فيكَ ما زَرَعتُ؛ القَمحَ والتِّبغَ، والتِّينَ والزَّيتونَ، والصَّبَّارَ والرُّمَّانَ، والصَّنَوبرَ والزِّيزَفونَ، ومَلَأتُ حَدائِقَكَ بِأَنواعِ الوَردِ وشُتولِ الياسَمينِ.
أَنا النّاسُ الَّذي لَم يَبخَلْ بِدَمِهِ على حُدودِكَ، فَحينَ دَعاني الواجبُ، كُنتُ هُناكَ، جُنديًا في جَبهَةِ الفِداءِ، مزارِعًا في الحُقولِ، وعامِلًا في المَصانِعِ، ومُدَرِّسًا في المَدارِسِ، وأُستاذًا في مَعاهِدِ البَحثِ. لَم أَصرُخْ مِنَ الأَلَمِ، بَل أَنجَزتُ وأَفَدتُ، وقَدَّمتُ كُلَّ ما لَدَيَّ بِلا شَكوى ودونَ مِنَّةٍ، بَل للهِ وَحدَهُ الفَضلُ، هُوَ وَحدَهُ وَلِيُّ الفَضلِ والإِحسانِ.
أَنا النّاسُ الَّذي وَقَفتُ مَعَكَ في الظُّلُماتِ، عِندَما غَمَرَتنا العَتمَةُ، لَم أُهجِرْ ولَم أَهرُبْ. حَمَلتُ هُمومَكَ على كاهِلي، ومَضَيتُ في دُروبِ الشِّدَّةِ والشَّوكِ، أُجاهِدُ مَعَكَ ومِن أَجلِكَ بِما أُوتيتُ، فَكَم كانَ لي مِن كَلِمَةِ حَقٍّ حِينَ اهتاجَ الهائِجونَ قِبالَكَ، وكَم اتَّخَذتُ مِن مَوقِفٍ حِينَ خاضَ الخائِضونَ حِيالَكَ.
لكن، يا وَطَني، بَعدَ كُلِّ هَذا، تَفعَلُ ما تَفعَل؟ كَأَنَّكَ تَغفُلُ! أَينَ الآمالُ الَّتي أَتَيتَنِيها؟ لِمَ جَعَلتَ الغُصَّةَ في الحَناجِرِ، ورَفَعتَ الجِدارَ بَيني وبَينَ السّلامِ؟
أَنا النّاسُ الَّذي خَدَمَك، بِلا مِنَّةٍ، ورَفَعَ رايَتَكَ في كُلِّ مِنبَرٍ، أَتُكابِرُ على الاعتِرافِ بِذلِك؟ أَم تَحَوَّلَ الطِّيبَ إلى عَكسِهِ؟ أَمّا أَنا، فَأَنا الخالِصُ لَكَ، أَسأَلُكَ: أَنا لَستُ إِلَّا مِفتاحًا صَغيرًا في أَبوابِكَ الكَبيرةِ، لَكِنِّي فَتَحتُ لَكَ مِنَ المَسالِكِ ما تَعرِفُ، وَلَكَ أَن تَنسى، فَنَحنُ كُلُّنا، يا وَطَني، مِن أَهلِ النِّسيانِ، واللهُ خَيرُ الذَّاكِرينَ.
يَا وَطَنِي، إنَّ الأَوطَانَ لَا تَصنَعُ النَّاسَ، بَلِ النَّاسُ هُم مَن يَصنَعُ الأَوطَانَ. إِن كُنتَ تَعتَقِدُ أَنَّكَ تَستَطِيعُ أَن تَـمضِيَ دُونَ النَّاسِ، فَلتُجَرِّب. لَكِن تَذَكَّر أَنَّ الأَبطَالَ لَيسُوا وَرَقًا، وَأَنَّ الدُّرُوبَ لَا تُعبَّدُ بِالمَالِ، بَل بِالعَزِيمَةِ وَالوَفَاءِ، بِالمَقَالِ وَحُسنِ الفِعَالِ، بِالنُّبلِ وَحُسنِ الخِصَالِ.
أُضِيفُ، وَأَقُولُ: يَا وَطَنِي، إِنَّنِي على الرَغمَ مِنْ كُلِّ مَا كَانَ، أَظَلُّ أُحِبُّكَ، وَسَأَظَلُّ أُحِبُّكَ وَأَبقَى مُخلِصًا لَكَ، حَتَّى وَإِن خَذَلتَنِي مَرَّةً وَأُخرَى، وَإِن مَنَعتَنِي مَرَّةً وَأُخرَى، لَكِنِّي وَفِيٌّ لِلتُّرَابِ الَّذِي تَرَعْرَعتُ فِيهِ، وَكَمَا قِيلَ: بِلَادِي وَإِنْ جَارَت عَلَيَّ عَزِيزَةٌ، أَهْلِي وَإِنْ ضَنُّوا عَلَيَّ كِرَامُ.
يَا وَطَنِي، لَيسَ حُبُّ الوَطَنِ مُجَرَّدَ شُعُورٍ عَابِرٍ أَو وَلَاءٍ مُؤَقَّتٍ، بَل هُوَ رَكِيزَةٌ مِن رَكائِزِ الرُّوحِ. إِنَّهُ نَبضُ القَلبِ الَّذِي لَا يَتَوَقَّفُ، حَتَّى وَإِن حَاصَرَتهُ الصُّعُوبَاتُ. إِنَّهُ كَالحُبِّ نَحوَ الأُمَّهَاتِ وَالآبَاءِ، إِنَّهُ الأَمَانُ الَّذِي يَبحَثُ عَنهُ النَّاسُ فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِن زَوَايَا البِنَاءِ، حَتَّى وَإِن تَهَدَّمَتِ الجُدرَانُ، وَتَلَاشَتِ السَّاحَاتُ، وصَدَرَ الأنِينُ من البِيُوتَات.
كَيْفَ لِي أَن أَنسَاكَ، يَا وَطَنِي، وَقَد زَرَعتَ فِي قَلبِي مَعنًى طَيِّبًا، جَمِيلًا، لِلحُبِّ وَالحَنِينِ؟ كَيفَ لِي أَن أَهجُرَكَ يا وَطَنِي؟!
أنا لم أُسافِرْ، أنا لم أُهاجِرْ، أنا لم أُتاجِرْ، أنا لم أُساوِم، أنا لم أُصافِحْ، أنا لم أَنحنِ، أنا لم أُعطِ الذِّلَّةَ مِن نَفسي ولا مِن وَطَني، أنا لم أَرضَ السَّكينةَ مع الهَزيمَةِ، أنا لم أَرضَ القُعُودَ مع الأَمْكِنَةِ المُهينَةِ، أنا لم أَقبِضْ زُورًا، ولا عَمالَةً، لم أَقبِضْ حَلالًا بِمَكانِ تَطَوُّعٍ، لم أَرتَشِ، لِأُبَدِّلَ في الإيمانِ، ” لم أُصَرِّحْ بِغَيرِ الحَقيقَةِ، لم أَنطِقْ بِغَيرِ الواقِع “.
أنا لم آكُلْ من صَحنِ غيري، فليسَ هذا من شِيَمي، لم أفعَلْهُ سابقًا، ولن أفعَلَهُ لاحِقًا، وإن حَصَلَ فَعُذرًا، هاكُم ثَمنُهُ، خُذوهُ ضِعفًا، واطرُدُوني من صُفوفِكُم، فأنا باقٍ فِي وَطَنِي.
وَأَنتَ، يا وَطَنِي، الَّذِي عَلَّمتَنِي أَنَّ الوَطَنَ هُوَ العَائِلَةُ، هُوَ البَيتُ، هُوَ الأَصدِقَاءُ، هُوَ الذِّكرَيَاتُ الَّتِي نَعِيشُهَا فِي كُلِّ شَارِعٍ وَكُلِّ حَقلٍ؟ لَقَد أَخذتَ مِنِّي الكَثِيرَ، وَلَكِنَّكَ أَيضًا أَعطَيتَنِي الكَثِيرَ. أَعطَيتَنِي الهُوِيَّةَ، وَأَعطَيتَنِي الِانتِمَاءَ. جَعَلتَنِي أَتَعَلَّمُ أَنَّ الوَطَنَ لَيسَ مُجَرَّدَ أَرضٍ نَعيشُ عَلَيهَا، بَل هُوَ رُوحٌ تَسكُنُ فِينَا، وَتَكبُرُ مَعَنَا فِي كُلِّ لَحظَةٍ.
يَا وَطَنِي، لَن أُنكِرَ أَلَمَ الجِرَاحِ الَّتِي أَصَابَت مِنِّي مَا أَصَابَت، لَن أَنسَى الأَوجَاعَ الَّتِي مَرَرتُ بِهَا، وَلَكِنَّكَ كُنتَ وَسَتَظَلُّ الجُذُورَ الَّتِي تَربِطُنِي بِالأَرضِ. كَيفَ يُمكِنُنِي أَن أَترُكَ الطِّيبَ فِيكَ، وَالخَيرَ فِيكَ، وَالحَيَاةَ فِيكَ؟ أَنتَ الَّذِي مَنَحتَنِي لُغَةً أَتَكَلَّمُ بِهَا، وَسَمَاءً أَحلُمُ تَحتَهَا. أَنتَ الَّذِي جَعَلتَنِي أَشعُرُ بِعُمقِ الجُذُورِ المُمتَدَّةِ فِي الأَرضِ، وَبِالرُّوحِ الَّتِي لَا تَعرِفُ حُدُودًا.
أُحِبُّكَ بِفَقرِكَ وَغِنَاكَ، بِعَظمَتِكَ وَضَعفِكَ، بِعَتمَتِكَ وَضِيَائِكَ، عَلَى الرَّغمِ مِن كُلِّ شَيءٍ، لِأَنَّ حُبَّ الوَطَنِ لَيسَ مَشروطًا بِالكَمَالِ، بَل بِالوَفَاءِ. الوَفَاءُ لَكَ، يَا وَطَنِي، هُوَ مَا يَجعَلُنِي أَستَمِرُّ فِي العَطَاءِ، رَغمَ كُلِّ الصِّعَابِ. الوَفَاءُ لَكَ هُوَ مَا يَدفَعُنِي إِلَى المُضِيِّ قُدُمًا، حَتَّى عِندَمَا تَنهَارُ الجُسُورُ، وَتَتَكَاثَرُ العَثَرَاتُ، وَتَتَوَالَى النَّكَبَاتُ، وَتَتَعَاظَمُ الصِّعَابُ، وَيَعلُو نَبَاحُ ابنِ آوَى، وَيَشتَدُّ عُوَاءُ الذِّئَابِ.
يَا وَطَنِي، سَأَظَلُّ أَبني فِيكَ عَلَى الرَّغمِ مِن الهَدمِ، سَأَظَلُّ أَزرَعُ فِيكَ عَلَى الرَّغمِ مِن اليَبَابِ، سَأَظَلُّ أَرفَعُ رَايَتَكَ عَلَى الرَّغمِ مِن كُلِّ الرِّيَاحِ العَاتِيَةِ. أَنتَ يَا وَطَنِي، تَستَحِقُّ كُلَّ جُهدٍ يُبذَلُ، وَكُلَّ حُلمٍ يُنسَجُ، لِأَنَّ الأَوطَانَ لَا تَمُوتُ إِلَّا إِذَا تَخَلَّى عَنهَا أَهلُهَا، وَمِثلِي لَا يَتَخَلَّى عَنكَ أَبدًا.
سَأَظَلُّ وَفِيًّا، لِأَنَّ الأَوطَانَ لَا تُبنَى بِالكَلِمَاتِ وَحدَها، بَل تُبنَى بِالأَفعَالِ، بِالعَطَاءِ الَّذِي لَا يَتَوَقَّفُ. سَأَظَلُّ أَمضِي فِي دُرُوبِ الحَقِيقَةِ وَفْقَ مَا يُمَكِّنُنِي رَبِّي أَن أَرَاهَا، حَتَّى وَإِن كَانَت مُظلِمَةً تِلكَ “المَخمَصَةُ”، سَأَظَلُّ أَبحَثُ عَنِ النُّورِ لِأُضِيءَ الطَّرِيقَ لِكُلِّ أَمثَالِي مِنَ النَّاسِ. سَأَظَلُّ أَعمَلُ عَلَى بِنَاءِ جِيلٍ جَدِيدٍ، يُؤمِنُ بِكَ كَمَا آمَنْتُ، وَيُحِبُّكَ كَمَا أَحْبَبْتُ. جِيلٌ يَعْرِفُ أَنَّ الْوَطَنَ لَيْسَ مِلْكًا لِلْمُتَحَكِّمِينَ وَالْأَزْلَامِ، وَلَا لِلْمُتَزَلِّفِينَ الْمُتَمَلِّقِينَ، وَلَا لِلْمُفْتِنِينَ وَوُعَّاظِ السَّلَاطِينِ، بَلْ هُوَ مِلْكٌ لِأَبْنَائِهِ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ رَايَتَهُ فِي الْقُلُوبِ قَبْلَ الْأَيَادِي، يُصَدِّقُونَهُ فَهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْفِتْنَةِ وَالْوِشَايَةِ، وَلا أهلُجهلٍ وَغِوايَةٍ، بَلْ هُمْ الأخيارُ الأبرارُ أَهْلُ حِكْمَةٍ وَدِرَايَةٍ.
يَا وَطَنِي، سَأَظَلُّ أُحِبُّكَ، عَلَى الرَّغْمِ مِنَ الْعَوَاصِفِ، عَلَى الرَّغْمِ مِنَ الْجِرَاحِ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ الْخَيْبَاتِ. سَأَظَلُّ أَعْمَلُ مِنْ أَجْلِ مَا يَجِبُ أَنْ يُعْمَلَ لَهُ مِنَ الْحَقِّ الَّذِي عَلَّمَنِيهِ رَبِّي، وَمِنَ الْإِيمَانِ الَّذِي رُبِّيتُ عَلَيْهِ وَعِشْتُ مِنْ أَجْلِهِ عُمْرِي، لِأَنَّنِي أُؤْمِنُ أَنَّ حُبَّ الْوَطَنِ لَيْسَ مُجَرَّدَ شُعُورٍ، بَلْ هُوَ فِعْلُ إيمَانٍ مُسْتَمِرٍ، إنّهُ تَضْحِيَةٌ لَا تَنْتَهِي. سَأَظَلُّ أَبْحَثُ عَنْ الطُّرُقِ الَّتِي تُعَزِّزُ لَكَ عِزَّتَكَ يَا وَطَنِي، وَأَعْمَلُ عَلَى أَنْ أَتْرُكَ فِيكَ أَثَرًا طَيِّبًا يَلِيقُ بِتَضْحِيَاتِ أَبْنَائِكَ الْمُخْلِصِينَ، والشُّهَداءِ المُضَحِّين.
وَفِي النِّهَايَةِ، يَا وَطَنِي، أَخْتِمُ فَأَقُولُ لَكَ: إِنَّنِي هُنَا، وَسَأَظَلُّ هُنَا. سَأَظَلُّ فِي خِدْمَةِ مَنْ تَجِبُ خِدْمَتُهُمْ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ مَحْدُودِيَّةِ الْإِمْكَانَاتِ، حَتَّى وَإِنْ خَذَلْتَنِي. سَأَظَلُّ أَرْفَعُ رَايَتَكَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، حَتَّى وَإِنْ وَضَعْتَنِي. فَإِنَّنِي أَعْلَمُ أَنَّ الْوَطَنَ الَّذِي نُحِبُّ يَسْتَحِقُّ كُلَّ التَّضْحِيَاتِ، وَكُلَّ الْأَحْلَامِ الْمُثْلَى الَّتِي نَنْقُشُهَا عَلَى جُدْرَانِهِ وَفِي صُدُورِنَا، لِيَبْقَى شَامِخًا كَمَا كَانَ دَائِمًا.
مَع تَحِيّاتِي،
بِقَلَمِ الفَقِيرِ إلى اللهِ تعالى شأنُه
أ.د.غَازِي مُنِير قَانْصُو
صَبَاح الثُّلاثَاءِ فِي ٢١ تِشْرِين الأَوَّل ٢٠٢٤


Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development